مزاجان تاريخيان
طبائع الناس
يتناوب طبائع الناس مزاجان متقابلان: مزاج يعمل أعماله للأريحيّة[1]و النخوة، و مزاج يعمل أعماله للمنفعة و الغنيمة.
و المزاجان لا ينفصلان كلّ الانفصال..
فقد تقترن الأريحيّة بالمنفعة، و تقترن المنفعة بالأريحيّة، و لكنّهما إذا اصطدما-و لا سيّما في الأعمال الكبيرة-لم يعسر عليك أن تفصل المزاجين و تعزل المعسكرين. فهذا للأريحيّة حتّى يجبّ المنفعة و يخفيها، و هذا للمنفعة حتّى يجبّ الأريحيّة و يخفيها.. أو كذلك يتراءيان.
و أصحاب المطالب الكبرى في التأريخ يعتمدون على هذا المزاج كما يعتمدون على ذاك..
فمنهم من يتوسّل إلى الناس بما فيهم من الجشع و الخسّة و قرب المأخذ و سهولة المسعى، و منهم من يتوسّل إلى الناس بما فيهم من طموح إلى النبل
[1]الأريحي: الواسع الخلق. يقال: أخذته الأريحيّة، إذا ارتاح للندى. (صحاح اللغة 1:
371) .
و النجدة و ركوب المخاطر و نسيان الصغائر في سبيل العظائم.
و لكلّ منهما سبيله إلى النفوس و أمله في النجاح على حسب الأوقات و البيئات.
إلاّ أنّ الأريحيّة أخلد من المنفعة بسنّة من سنن الخلق التي لا تتبدّل مع الأوقات و البيئات؛ لأنّ منفعة الإنسان وجدت لفرد من الأفراد.
أمّا الأريحيّة التي يتجاوز بها الإنسان منفعته فقد وجدت للأمّة كلّها أو للنوع الإنساني كلّه، و من ثمّ يكتب لها الدوام إذا اصطدمت بمنافع هذا الفرد أو ذاك.
و لقد يبدو من ظواهر الأمور أنّ الأمر على خلاف ما نقول؛ لأنّ الحريص على منفعته يبلغها و يمضي قدما إليها، فينال المنفعة التي لا ينالها صاحب الأريحيّة؛ لأنّه يتركها إذا اصطدمت بما هو أجلّ منها.
و هذا صحيح مشهود لا مراء فيه.
و لكنّ النجاح في الحركات التأريخيّة لن يسمّى نجاحا إذا هو لم يتجاوز حياة فرد أو طائفة من الأفراد.
فإذا قيل: إنّ حركة من الحركات التأريخيّة قد نجحت، فمغزى ذلك بداهة أنّ الأفراد القائمين بها يذهبون و هي الباقية بعد ذهابهم.
و من هنا يصحّ أن يقال: إنّ الأريحيّة أبقى و أنجح إذا هي اصطدمت بالمنفعة الفرديّة؛ لأن ذهاب الفرد هنا أمر مفروغ منه بعد كلّ حساب، سواء أكان حساب الأريحيين أم حساب النفعيين.
و أصحاب الأريحيّة إذا أبعد نظرا من دهاة الطامعين و النّهازين
للفرص و المغانم العاجلة؛ لأنّهم خلقوا بفطرتهم على حساب أعمار تتجاوز حساب عمرهم القصير.
فهم-شعروا أو لم يشعروا-بعيد و النظر إلى عواقب الأمور و إن خيّل إلى الناس أنّهم طائشون متهجمون.
أمّا موقف المؤرّخين في العطف على حركات التأريخ فهو-على ما نرى-موقف مزاج من هذين المزاجين، و ليس بموقف سبيل من سبل البحث أو مذهب من مذاهب التفكير.
فالذين يجنحون بمزاجهم إلى المنفعة يفهمون أعذار المنتفعين و ينكرون ملامتهم على ناقديهم، و الذين يجنحون بمزاجهم إلى الأريحيّة يفهمون دوافع النخوة و يحسبونها عذرا لأصحابها أقوى من غواية المنافع و الأرزاق.
إلاّ أنّ الصواب هنا ظاهر جدّ الظهور لمن يريد أن يراه..
الصواب أنّ العطف على جانب المنفعة عبث لا معنى له و لا حكمة فيه، و أنّ العطف على جانب الأريحيّة واجب يخشى على الناس من تركه و إهماله؛ إذ كان تركه مناقضا لصميم الفطرة التي من أجلها فطر الناس على الإعجاب بكلّ ما يستحقّ الإعجاب.
فليس يخشى على الناس يوما أن ينسوا منافعهم و يقصّروا في خدمة أنفسهم، سواء عطف عليها المؤرّخون أو أعرضوا عنها ساخرين منكرين.
و لكنّهم يخسرون الأريحيّة إذا فقدوها و فقدوا الإعجاب بها و التطلّع إليها، و هي التي خلقت ليعجب بها الناس؛ لأنّ حرص الإنسان على منفعته لا يغنيهم في حياتهم العامّة أو في حياتهم الباقية.
أمّا الأريحيّة التي يتجاوز بها الإنسان نفسه في سبيل معنى من المعاني أو مثل عال من الأمثلة العليا، فهي الخليقة النافعة للنوع الإنساني بأسره و إن جاز اختلافهم في كلّ معنى و في كلّ مثل عال.
صراع بين الأريحيّة و المنفعة
في ماضي الشرق و حاضره كثير من الحركات التأريخيّة التي وقع الصدام فيها بين الأريحيّة و المنفعة على أكثر من غرض واحد.
و لكنّنا لا نحسبنا مهتدين إلى نموذج لهذا الصدام أوضح في المبادئ و أهدى إلى النتائج و أبين عن خصائص المزاجين معا من النموذج الذي عرضه لنا التأريخ في النزاع بين الطالبيين و الأمويين، و لا سيّما النزاع بينهما على عهد الحسين بين علي و يزيد بن معاوية.
قلنا في كتابنا: «عبقرية الإمام» ما فحواه: إنّ الكفاح بين علي و معاوية لم يكن كفاحا بين رجلين أو بين عقلين و حيلتين، و لكنّه كان- على الحقيقة-كفاحا بين الإمامة الدينيّة و الدولة الدنيوية، و إنّ الأيام كانت أيام دولة دنيوية، فغلب الداعون إلى هذه الدولة من حزب معاوية، و لم يغلب الداعون إلى الإمامة من حزب الإمام.
و لو حاول معاوية ما حاوله علي لأخفق و ما أفلح، و لو أراد علي أن يسلك غير مسلكه لما أفاده ذلك شيئا عند محبيه و لا عند مبغضيه[1].
فإذا جاز لأحد أن يشكّ في هذا الرأي و أن يرجع بنجاح معاوية إلى
[1]عبقرية الإمام علي 67-68.
شيء من مزاياه الشخصيّة، فذلك غير جائز في الخلاف بين الحسين و يزيد.
و كلّ ما يجوز هنا أن يقال: إنّ أنصار الدولة الدنيوية غلبوا أنصار الإمامة على سنّة الخلفاء الراشدين؛ لأنّ مطالب الإمامة غير مطالب الزمان.
ما من أحد قط يزعم أنّ الصراع هنا كان صراعا بين رجلين أو بين عقلين و حيلتين، و إنّما هو الصراع بين الإمامة و الملك الدنيوي، أو بين الأريحيّة و المنفعة في جولتهما الأولى، و لم يكن ليزيد قط فضل كبير أو صغير بما قد بلغه من الفوز و الغلبة.
بل لا يمكن أن يتعلّل أحد هنا بما يتعلّل به أنصار المنافع عامّة من «تقريره للنظام و حفظه للأمن العامّ»[1].
فإنّ يزيد لم يكن له فضل قط في قيام الدولة كما قامت على عهده و بعد عهده، و إنّما كانت الدولة تتماسك برغبة الراغبين في بقائها لا بقدرة الأمير المشرف عليها.
و قد حدث بعد موت يزيد أن بويع ابنه معاوية الثاني[2]بالشام- و كان من الزاهدين في الحكم-فنادى الناس إلى صلاة جامعة، و قال لهم:
«أمّا بعد: فإنّي قد ضعفت عن أمركم، فابتغيت لكم مثل عمر بن الخطّاب حين استخلفه أبو بكر فلم أجده، فابتغيت ستّة مثل ستّة الشورى[3]فلم
[1]انظر: محاضرات في تاريخ الأمم الإسلاميّة (الدولة الأمويّة) 2: 130 و 133، دراسة و ثقية للتاريخ 45.
[2]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (2) .
[3]و هم: علي بن أبي طالب، و عثمان بن عفّان، و عبد الرحمان بن عوف، و سعد بن أبي-
أجدهم، فأنتم أولى بأمركم، فاختاروا له من أحببتم»[1]، ثمّ آوى إلى بيته و مضت شؤون الدولة على حالها حتّى مات بعد ثلاثة أشهر[2]، و له مع هذا منافس قوي كعبد اللّه بن الزبير[3]بالحجاز.
فلا وجه للمفاضلة بين الحسين بن علي و يزيد بن معاوية... و رأي معاوية و أعوانه في هذا أسبق من رأي الطالبيين و خصوم الأمويين، فقد تردّدوا كثيرا قبل الجهر باختيار يزيد لولاية العهد و بيعة الخلافة بعد أبيه، و لم يستحسنوا ذلك قبل إزجائهم النصح إلى يزيد غير مرّة بالإقلاع عن عيوبه و ملاهيه.
و لمّا أنكر بعض أولياء معاوية جرأة الحسين عليه في الخطاب، و أشاروا عليه أن يكتب له كتابا «يصغّر إليه نفسه» ، قال: «و ما عسيت أن أعيب حسينا؟و اللّه ما أرى للعيب فيه موضعا»[4].
ق-وقّاص، و الزبير بن العوّام، و طلحة بن عبيد اللّه.
[1]قارن: الإمامة و السياسة 2: 17-18، تاريخ اليعقوبي 2: 254، مروج الذهب 3:
82، الكامل في التاريخ 3: 319، تاريخ أبي الفداء 1: 268، البداية و النهاية 8: 237- 238، سمط النجوم العوالي 3: 212.
[2]و اختلف في سبب موته، فقيل: مات حتف أنفه، و قيل: مات مسموما، و قيل: بل طعن و مات.
راجع: مروج الذهب 3: 82، الكامل في التاريخ 3: 319، البداية و النهاية 8: 238.
[3]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (3) .
[4]انظر: أنساب الأشراف (بتحقيق المحمودي) 3: 154-155.
و ثمّ تعلّة أخرى يتعلّل بها المفاضلون بين علي و معاوية، و لا موضع لها في المفاضلة بين ولديهما الحسين و يزيد، و تلك ما يزعمونه من: غلبة معاوية على علي بحجّته في الإقناع و نشاطه أو نشاط أصحابه في الدعوة السياسيّة[1].
فهذه التعلّة إن صلحت لتعليل نجاح معاوية، فما هي بصالحة لتعليل نجاح يزيد؛ لأنّ الذين انخدعوا أو تخادعوا للصيحة التي صاح بها معاوية في المطالبة بدم عثمان، كانوا يردّدون هذه الصيحة، و يساعدهم على ترديدها حقد الثأر المزعوم و سورة[2]العصبية المهتاجة، ثمّ يساعدهم على ترديدها في مبدأ الأمر أنّ معاوية لم يكن مجاهرا بطلب الخلافة و لا متعرّضا لمزاحمة أحد على البيعة، و إنّما كان يتشبّث بمقتل عثمان و المطالبة بدمه، و لا يزيد في دعواه على ادّعاء ولاية الدم وصلة القرابة.
و لكنّ الصائحين بهذه الصيحة مع معاوية قد عاشوا حتّى رأوا بأعينهم مبلغ الغيرة على تراث عثمان، و علموا أنّ الملك هو الغرض المقصود من وراء تلك الفتن و الأرزاء، و أنّ معاوية لا يقنع بأن يملك لنفسه حتّى يورّث الملك ولده من بعده، و ليس هو من أهل الرأي و لا هو من أهل الصلاح و لا هو ممّن تتّفق عليه آراء هؤلاء، و لكنّه فتى عربيد[3]يقضي ليله
[1]لا حظ دراسة وثقية للتاريخ 42-43.
هذا، و قد نقل ابن أبي الحديد أوجه المفاضلة و الردّ عليها في شرح نهج البلاغة 5: 372 و ما بعدها.
[2]السورة: السطوة. (صحاح اللغة 2: 690) .
[3]العربدة: سوء الخلق. (المصدر السابق 2: 508) .
و نهاره بين الخمور و الطنابير، و لا يفرغ من مجالس النساء و الندمان إلاّ ليهرج إلى الصيد، فيقضي فيه الأسبوع بعد الأسبوع بين الأديرة و البوادي و الآجام[1]، لا يبالي خلال ذلك تمهيدا لملك و لا تدريبا على حكم و لا استطلاعا لأحوال الرعيّة الذين سيتولاّهم بعد أبيه، ثقة بما صار إليه من التمهيد و التوطيد و ما سوف يصير.
فكلّ خلاف جاز في المفاضلة بين علي و معاوية غير جائز في المفاضلة بين الحسين و يزيد، و إنّما الموقف الحاسم بينهما موقف الأريحيّة الصراح في مواجهة المنفعة الصراح.
و قد بلغ كلاهما من موقفه أقصى طرفيه و أبعد غايتيه، فانتصر الحسين بأشرف ما في النفس الإنسانيّة من غيرة على الحقّ و كراهة للنفاق و المداراة، و انتصر يزيد بأرذل ما في النفس الإنسانيّة من جشع و مراء و خنوع لصغار المتع و الأهواء.
أقام الحسين ليلته الأخيرة بكربلاء و هو لا ينتظر من عاقبته غير الموت العاجل بعد سويعات، فأذن لأصحابه أن يتفرّقوا عنه تحت الليل إن كانوا يستحيون أن يفارقوه في ضوء النهار، فأبوا إلاّ أن يموتوا دونه.
و قال له مسلم بن عوسجة الأسدي: «أنحن نتخلّى عنك و لم نعذر إلى اللّه في أداء حقّك؟!أمّا و اللّه لا أفارقك حتّى أكسر في صدورهم رمحي
[1]راجع: تاريخ خليفة 157، مروج الذهب 3: 77 و 81، الردّ على المتعصّب العنيد 53، تذكرة الخواص 288 و 289، البداية و النهاية 8: 230 و 232 و 233، تاريخ الخلفاء للسيوطي 209، سمط النجوم العوالي 3: 207.