أمّا الأريحيّة التي يتجاوز بها الإنسان نفسه في سبيل معنى من المعاني أو مثل عال من الأمثلة العليا، فهي الخليقة النافعة للنوع الإنساني بأسره و إن جاز اختلافهم في كلّ معنى و في كلّ مثل عال.
صراع بين الأريحيّة و المنفعة
في ماضي الشرق و حاضره كثير من الحركات التأريخيّة التي وقع الصدام فيها بين الأريحيّة و المنفعة على أكثر من غرض واحد.
و لكنّنا لا نحسبنا مهتدين إلى نموذج لهذا الصدام أوضح في المبادئ و أهدى إلى النتائج و أبين عن خصائص المزاجين معا من النموذج الذي عرضه لنا التأريخ في النزاع بين الطالبيين و الأمويين، و لا سيّما النزاع بينهما على عهد الحسين بين علي و يزيد بن معاوية.
قلنا في كتابنا: «عبقرية الإمام» ما فحواه: إنّ الكفاح بين علي و معاوية لم يكن كفاحا بين رجلين أو بين عقلين و حيلتين، و لكنّه كان- على الحقيقة-كفاحا بين الإمامة الدينيّة و الدولة الدنيوية، و إنّ الأيام كانت أيام دولة دنيوية، فغلب الداعون إلى هذه الدولة من حزب معاوية، و لم يغلب الداعون إلى الإمامة من حزب الإمام.
و لو حاول معاوية ما حاوله علي لأخفق و ما أفلح، و لو أراد علي أن يسلك غير مسلكه لما أفاده ذلك شيئا عند محبيه و لا عند مبغضيه[1].
فإذا جاز لأحد أن يشكّ في هذا الرأي و أن يرجع بنجاح معاوية إلى
[1]عبقرية الإمام علي 67-68.
شيء من مزاياه الشخصيّة، فذلك غير جائز في الخلاف بين الحسين و يزيد.
و كلّ ما يجوز هنا أن يقال: إنّ أنصار الدولة الدنيوية غلبوا أنصار الإمامة على سنّة الخلفاء الراشدين؛ لأنّ مطالب الإمامة غير مطالب الزمان.
ما من أحد قط يزعم أنّ الصراع هنا كان صراعا بين رجلين أو بين عقلين و حيلتين، و إنّما هو الصراع بين الإمامة و الملك الدنيوي، أو بين الأريحيّة و المنفعة في جولتهما الأولى، و لم يكن ليزيد قط فضل كبير أو صغير بما قد بلغه من الفوز و الغلبة.
بل لا يمكن أن يتعلّل أحد هنا بما يتعلّل به أنصار المنافع عامّة من «تقريره للنظام و حفظه للأمن العامّ»[1].
فإنّ يزيد لم يكن له فضل قط في قيام الدولة كما قامت على عهده و بعد عهده، و إنّما كانت الدولة تتماسك برغبة الراغبين في بقائها لا بقدرة الأمير المشرف عليها.
و قد حدث بعد موت يزيد أن بويع ابنه معاوية الثاني[2]بالشام- و كان من الزاهدين في الحكم-فنادى الناس إلى صلاة جامعة، و قال لهم:
«أمّا بعد: فإنّي قد ضعفت عن أمركم، فابتغيت لكم مثل عمر بن الخطّاب حين استخلفه أبو بكر فلم أجده، فابتغيت ستّة مثل ستّة الشورى[3]فلم
[1]انظر: محاضرات في تاريخ الأمم الإسلاميّة (الدولة الأمويّة) 2: 130 و 133، دراسة و ثقية للتاريخ 45.
[2]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (2) .
[3]و هم: علي بن أبي طالب، و عثمان بن عفّان، و عبد الرحمان بن عوف، و سعد بن أبي-
أجدهم، فأنتم أولى بأمركم، فاختاروا له من أحببتم»[1]، ثمّ آوى إلى بيته و مضت شؤون الدولة على حالها حتّى مات بعد ثلاثة أشهر[2]، و له مع هذا منافس قوي كعبد اللّه بن الزبير[3]بالحجاز.
فلا وجه للمفاضلة بين الحسين بن علي و يزيد بن معاوية... و رأي معاوية و أعوانه في هذا أسبق من رأي الطالبيين و خصوم الأمويين، فقد تردّدوا كثيرا قبل الجهر باختيار يزيد لولاية العهد و بيعة الخلافة بعد أبيه، و لم يستحسنوا ذلك قبل إزجائهم النصح إلى يزيد غير مرّة بالإقلاع عن عيوبه و ملاهيه.
و لمّا أنكر بعض أولياء معاوية جرأة الحسين عليه في الخطاب، و أشاروا عليه أن يكتب له كتابا «يصغّر إليه نفسه» ، قال: «و ما عسيت أن أعيب حسينا؟و اللّه ما أرى للعيب فيه موضعا»[4].
ق-وقّاص، و الزبير بن العوّام، و طلحة بن عبيد اللّه.
[1]قارن: الإمامة و السياسة 2: 17-18، تاريخ اليعقوبي 2: 254، مروج الذهب 3:
82، الكامل في التاريخ 3: 319، تاريخ أبي الفداء 1: 268، البداية و النهاية 8: 237- 238، سمط النجوم العوالي 3: 212.
[2]و اختلف في سبب موته، فقيل: مات حتف أنفه، و قيل: مات مسموما، و قيل: بل طعن و مات.
راجع: مروج الذهب 3: 82، الكامل في التاريخ 3: 319، البداية و النهاية 8: 238.
[3]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (3) .
[4]انظر: أنساب الأشراف (بتحقيق المحمودي) 3: 154-155.
و ثمّ تعلّة أخرى يتعلّل بها المفاضلون بين علي و معاوية، و لا موضع لها في المفاضلة بين ولديهما الحسين و يزيد، و تلك ما يزعمونه من: غلبة معاوية على علي بحجّته في الإقناع و نشاطه أو نشاط أصحابه في الدعوة السياسيّة[1].
فهذه التعلّة إن صلحت لتعليل نجاح معاوية، فما هي بصالحة لتعليل نجاح يزيد؛ لأنّ الذين انخدعوا أو تخادعوا للصيحة التي صاح بها معاوية في المطالبة بدم عثمان، كانوا يردّدون هذه الصيحة، و يساعدهم على ترديدها حقد الثأر المزعوم و سورة[2]العصبية المهتاجة، ثمّ يساعدهم على ترديدها في مبدأ الأمر أنّ معاوية لم يكن مجاهرا بطلب الخلافة و لا متعرّضا لمزاحمة أحد على البيعة، و إنّما كان يتشبّث بمقتل عثمان و المطالبة بدمه، و لا يزيد في دعواه على ادّعاء ولاية الدم وصلة القرابة.
و لكنّ الصائحين بهذه الصيحة مع معاوية قد عاشوا حتّى رأوا بأعينهم مبلغ الغيرة على تراث عثمان، و علموا أنّ الملك هو الغرض المقصود من وراء تلك الفتن و الأرزاء، و أنّ معاوية لا يقنع بأن يملك لنفسه حتّى يورّث الملك ولده من بعده، و ليس هو من أهل الرأي و لا هو من أهل الصلاح و لا هو ممّن تتّفق عليه آراء هؤلاء، و لكنّه فتى عربيد[3]يقضي ليله
[1]لا حظ دراسة وثقية للتاريخ 42-43.
هذا، و قد نقل ابن أبي الحديد أوجه المفاضلة و الردّ عليها في شرح نهج البلاغة 5: 372 و ما بعدها.
[2]السورة: السطوة. (صحاح اللغة 2: 690) .
[3]العربدة: سوء الخلق. (المصدر السابق 2: 508) .
و نهاره بين الخمور و الطنابير، و لا يفرغ من مجالس النساء و الندمان إلاّ ليهرج إلى الصيد، فيقضي فيه الأسبوع بعد الأسبوع بين الأديرة و البوادي و الآجام[1]، لا يبالي خلال ذلك تمهيدا لملك و لا تدريبا على حكم و لا استطلاعا لأحوال الرعيّة الذين سيتولاّهم بعد أبيه، ثقة بما صار إليه من التمهيد و التوطيد و ما سوف يصير.
فكلّ خلاف جاز في المفاضلة بين علي و معاوية غير جائز في المفاضلة بين الحسين و يزيد، و إنّما الموقف الحاسم بينهما موقف الأريحيّة الصراح في مواجهة المنفعة الصراح.
و قد بلغ كلاهما من موقفه أقصى طرفيه و أبعد غايتيه، فانتصر الحسين بأشرف ما في النفس الإنسانيّة من غيرة على الحقّ و كراهة للنفاق و المداراة، و انتصر يزيد بأرذل ما في النفس الإنسانيّة من جشع و مراء و خنوع لصغار المتع و الأهواء.
أقام الحسين ليلته الأخيرة بكربلاء و هو لا ينتظر من عاقبته غير الموت العاجل بعد سويعات، فأذن لأصحابه أن يتفرّقوا عنه تحت الليل إن كانوا يستحيون أن يفارقوه في ضوء النهار، فأبوا إلاّ أن يموتوا دونه.
و قال له مسلم بن عوسجة الأسدي: «أنحن نتخلّى عنك و لم نعذر إلى اللّه في أداء حقّك؟!أمّا و اللّه لا أفارقك حتّى أكسر في صدورهم رمحي
[1]راجع: تاريخ خليفة 157، مروج الذهب 3: 77 و 81، الردّ على المتعصّب العنيد 53، تذكرة الخواص 288 و 289، البداية و النهاية 8: 230 و 232 و 233، تاريخ الخلفاء للسيوطي 209، سمط النجوم العوالي 3: 207.
و أضربهم بسيفي ما بقي قائمه بيدي، و لو لم يكن معي سلاح لقذفتهم بالحجارة دونك حتّى أموت معك» . و قد برّ مقسمه و بقي و مات[1]...
و دنا منه حبيب بن مظاهر[2]و هو يجود بنفسه، فقال له: «لو لا أنّي أعلم أنّي في أثرك لا حق بك لأحببت أن توصيني حتّى أحفظك بما أنت له أهل» ، فقال-و كان آخر ما قال-: «أوصيك بهذا-رحمك اللّه-أن تموت دونه» ، و أومأ بيده نحو الحسين[3].
و قتل الحسين، و ذهب الأمل في دولته و دولة الطالبيين من بعده إلى أجل بعيد، و لكنّه كان يشتم بالكلمة العوراء فيهون على الرجل من أصحاب الأريحيّة أن يموت و لا يصبر على سماع تلك الكلمة أو يترك الجواب عليها.
فلمّا نعي الحسين في الكوفة نادى و اليها ابن زياد[4]إلى الصلاة جامعة، و صعد إلى المنبر و خطب القوم، فقال: «الحمد للّه الذي أظهر الحقّ و أهله، و نصر أمير المؤمنين يزيد بن معاوية و حزبه، و قتل الكذّاب ابن الكذّاب الحسين بن علي و شيعته» .
فما أتمّها حتّى وثب له من جانب المسجد شيخ ضرير هو عبد اللّه بن
[1]قارن: تاريخ أبي مخنف 1: 456، أنساب الأشراف (بتحقيق المحمودي) 3: 185، الإرشاد 2: 92، إعلام الورى 1: 455-456.
[2]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (4) .
[3]لاحظ تاريخ أبي مخنف 1: 473-474.
[4]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (5) .
عفيف الأزدي الذي ذهبت إحدى عينيه يوم الجمل و ذهبت عينه الأخرى يوم صفّين، فصاح بالوالي غداة يوم انتصاره و زهوه: «يا ابن مرجانة! أتقتل أبناء النبيين و تقوم على المنبر مقام الصدّيقين؟!إنّما الكذّاب أنت و أبوك و الذي ولاّك و أبوه» .
فما طلع عليه الصباح إلاّ و هو مصلوب[1].
إلى هذا الأفق الأعلى من الأريحيّة و النخوة ارتفعت بالنفس الإنسانيّة نصرة الحسين، و إلى الأغوار المرذولة من الخسّة و الأثرة هبطت بالنفس الإنسانيّة نصرة يزيد..
و حسبك من خسّة ناصريه أنّهم كانوا يجزون بالحطام و هتك الأعراض على غزو المدينة النبويّة و استباحة ذمارها[2]فيسرعون إلى الجزاء.. يسرعون إليه و ليسوا هم بكافرين بالنبي الدفين في تلك المدينة، فيكون لهم عذر الإقدام على أمر لا يعتقدون فيه التحريم!
بل حسبك من خسّة ناصريه أنّهم كانوا يرعدون من مواجهة الحسين بالضرب في كربلاء؛ لاعتقادهم بكرامته و حقّه، ثمّ ينتزعون لباسه و لباس نسائه فيما انتزعوه من أسلاب!و لو أنّهم كانوا يكفرون بدينه و برسالة جدّه لكانوا في شرعة المروءة أقلّ خسّة من ذاك.
و تتقابل وسائل النجاح في المزاجين كما تتقابل المقاصد و الغايات..
[1]راجع: الإرشاد 2: 117، الكامل في التاريخ 3: 297.
[2]ذمار القوم: ما يجب عليهم حفظه. (جمهرة اللغة 2: 694) .
فكان شعار معاوية و أشياعه: «إنّ للّه جنودا من العسل!»[1]، و هو يعني العسل الذي يداف[2]بالسمّ ليخلي طريق النجاح من كلّ معترض فيها و لو كان من الأصدقاء.
فكثرت روايات المؤرّخين عن مقتل الحسن بن علي و الأشتر النخعي[3]بهؤلاء الجنود[4]!
و أعجب منها ما قيل عن مقتل عبد الرحمان بن خالد[5]، و قد كان نصيرا لمعاوية في حروب الشام.. فإنّه مات مسموما على ما اشتهر من الروايات؛ لأنّه رشّح للخلافة بعد معاوية دون يزيد، و علم ذلك أقرباء عبد الرحمان بن خالد، فقتلوا طبيب معاوية ابن أثال الذي اتّهموه بسمّه في الدواء[6].
و لو استباح الحسين و شيعته هذه الوسائل مرّة واحدة لكانوا و شيكين أن يبلغوا مقصدهم من قريب.
[1]انظر: مروج الذهب 2: 420-421، الكامل في التاريخ 3: 178، البداية و النهاية 7:
313، نسمة السحر 3: 16.
[2]المداف، أي: المخلوط و الممزوج. (المصباح المنير 203) .
[3]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (6) .
[4]لاحظ: مروج الذهب 3: 5، الإرشاد 2: 16، إعلام الورى 1: 403 و 414، الكامل في التاريخ 3: 228، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 3: 226، البداية و النهاية 8: 43.
[5]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (7) .
[6]قارن: تاريخ اليعقوبي 2: 223، البداية و النهاية 8: 31.