و نهاره بين الخمور و الطنابير، و لا يفرغ من مجالس النساء و الندمان إلاّ ليهرج إلى الصيد، فيقضي فيه الأسبوع بعد الأسبوع بين الأديرة و البوادي و الآجام[1]، لا يبالي خلال ذلك تمهيدا لملك و لا تدريبا على حكم و لا استطلاعا لأحوال الرعيّة الذين سيتولاّهم بعد أبيه، ثقة بما صار إليه من التمهيد و التوطيد و ما سوف يصير.
فكلّ خلاف جاز في المفاضلة بين علي و معاوية غير جائز في المفاضلة بين الحسين و يزيد، و إنّما الموقف الحاسم بينهما موقف الأريحيّة الصراح في مواجهة المنفعة الصراح.
و قد بلغ كلاهما من موقفه أقصى طرفيه و أبعد غايتيه، فانتصر الحسين بأشرف ما في النفس الإنسانيّة من غيرة على الحقّ و كراهة للنفاق و المداراة، و انتصر يزيد بأرذل ما في النفس الإنسانيّة من جشع و مراء و خنوع لصغار المتع و الأهواء.
أقام الحسين ليلته الأخيرة بكربلاء و هو لا ينتظر من عاقبته غير الموت العاجل بعد سويعات، فأذن لأصحابه أن يتفرّقوا عنه تحت الليل إن كانوا يستحيون أن يفارقوه في ضوء النهار، فأبوا إلاّ أن يموتوا دونه.
و قال له مسلم بن عوسجة الأسدي: «أنحن نتخلّى عنك و لم نعذر إلى اللّه في أداء حقّك؟!أمّا و اللّه لا أفارقك حتّى أكسر في صدورهم رمحي
[1]راجع: تاريخ خليفة 157، مروج الذهب 3: 77 و 81، الردّ على المتعصّب العنيد 53، تذكرة الخواص 288 و 289، البداية و النهاية 8: 230 و 232 و 233، تاريخ الخلفاء للسيوطي 209، سمط النجوم العوالي 3: 207.
و أضربهم بسيفي ما بقي قائمه بيدي، و لو لم يكن معي سلاح لقذفتهم بالحجارة دونك حتّى أموت معك» . و قد برّ مقسمه و بقي و مات[1]...
و دنا منه حبيب بن مظاهر[2]و هو يجود بنفسه، فقال له: «لو لا أنّي أعلم أنّي في أثرك لا حق بك لأحببت أن توصيني حتّى أحفظك بما أنت له أهل» ، فقال-و كان آخر ما قال-: «أوصيك بهذا-رحمك اللّه-أن تموت دونه» ، و أومأ بيده نحو الحسين[3].
و قتل الحسين، و ذهب الأمل في دولته و دولة الطالبيين من بعده إلى أجل بعيد، و لكنّه كان يشتم بالكلمة العوراء فيهون على الرجل من أصحاب الأريحيّة أن يموت و لا يصبر على سماع تلك الكلمة أو يترك الجواب عليها.
فلمّا نعي الحسين في الكوفة نادى و اليها ابن زياد[4]إلى الصلاة جامعة، و صعد إلى المنبر و خطب القوم، فقال: «الحمد للّه الذي أظهر الحقّ و أهله، و نصر أمير المؤمنين يزيد بن معاوية و حزبه، و قتل الكذّاب ابن الكذّاب الحسين بن علي و شيعته» .
فما أتمّها حتّى وثب له من جانب المسجد شيخ ضرير هو عبد اللّه بن
[1]قارن: تاريخ أبي مخنف 1: 456، أنساب الأشراف (بتحقيق المحمودي) 3: 185، الإرشاد 2: 92، إعلام الورى 1: 455-456.
[2]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (4) .
[3]لاحظ تاريخ أبي مخنف 1: 473-474.
[4]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (5) .
عفيف الأزدي الذي ذهبت إحدى عينيه يوم الجمل و ذهبت عينه الأخرى يوم صفّين، فصاح بالوالي غداة يوم انتصاره و زهوه: «يا ابن مرجانة! أتقتل أبناء النبيين و تقوم على المنبر مقام الصدّيقين؟!إنّما الكذّاب أنت و أبوك و الذي ولاّك و أبوه» .
فما طلع عليه الصباح إلاّ و هو مصلوب[1].
إلى هذا الأفق الأعلى من الأريحيّة و النخوة ارتفعت بالنفس الإنسانيّة نصرة الحسين، و إلى الأغوار المرذولة من الخسّة و الأثرة هبطت بالنفس الإنسانيّة نصرة يزيد..
و حسبك من خسّة ناصريه أنّهم كانوا يجزون بالحطام و هتك الأعراض على غزو المدينة النبويّة و استباحة ذمارها[2]فيسرعون إلى الجزاء.. يسرعون إليه و ليسوا هم بكافرين بالنبي الدفين في تلك المدينة، فيكون لهم عذر الإقدام على أمر لا يعتقدون فيه التحريم!
بل حسبك من خسّة ناصريه أنّهم كانوا يرعدون من مواجهة الحسين بالضرب في كربلاء؛ لاعتقادهم بكرامته و حقّه، ثمّ ينتزعون لباسه و لباس نسائه فيما انتزعوه من أسلاب!و لو أنّهم كانوا يكفرون بدينه و برسالة جدّه لكانوا في شرعة المروءة أقلّ خسّة من ذاك.
و تتقابل وسائل النجاح في المزاجين كما تتقابل المقاصد و الغايات..
[1]راجع: الإرشاد 2: 117، الكامل في التاريخ 3: 297.
[2]ذمار القوم: ما يجب عليهم حفظه. (جمهرة اللغة 2: 694) .
فكان شعار معاوية و أشياعه: «إنّ للّه جنودا من العسل!»[1]، و هو يعني العسل الذي يداف[2]بالسمّ ليخلي طريق النجاح من كلّ معترض فيها و لو كان من الأصدقاء.
فكثرت روايات المؤرّخين عن مقتل الحسن بن علي و الأشتر النخعي[3]بهؤلاء الجنود[4]!
و أعجب منها ما قيل عن مقتل عبد الرحمان بن خالد[5]، و قد كان نصيرا لمعاوية في حروب الشام.. فإنّه مات مسموما على ما اشتهر من الروايات؛ لأنّه رشّح للخلافة بعد معاوية دون يزيد، و علم ذلك أقرباء عبد الرحمان بن خالد، فقتلوا طبيب معاوية ابن أثال الذي اتّهموه بسمّه في الدواء[6].
و لو استباح الحسين و شيعته هذه الوسائل مرّة واحدة لكانوا و شيكين أن يبلغوا مقصدهم من قريب.
[1]انظر: مروج الذهب 2: 420-421، الكامل في التاريخ 3: 178، البداية و النهاية 7:
313، نسمة السحر 3: 16.
[2]المداف، أي: المخلوط و الممزوج. (المصباح المنير 203) .
[3]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (6) .
[4]لاحظ: مروج الذهب 3: 5، الإرشاد 2: 16، إعلام الورى 1: 403 و 414، الكامل في التاريخ 3: 228، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 3: 226، البداية و النهاية 8: 43.
[5]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (7) .
[6]قارن: تاريخ اليعقوبي 2: 223، البداية و النهاية 8: 31.
فقد كان هانئ بن عروة شيخ كندة[1]من أنصار الحسين و أبيه، و كانت كندة كلّها تطيعه و تلبّيه حتّى قيل: «إنّه إذا صرخ لبّاه منهم ألف سيف»[2].
فزاره عبيد اللّه بن زياد والي يزيد على الكوفة ليعوده في بعض مرضه و يتألّفه و يستميله إليه[3]، و قيل: إنّ هانئا عرض على مسلم بن عقيل بن أبي طالب أن يقتل عبيد اللّه بن زياد و هو عنده[4]، و قيل: إنّ الذي عرض ذلك رجل من صحبة هانئ المقرّبين[5]، فأبى مسلم ما عرضه هذا و ذاك، و هو يومئذ طلبة ذلك الوالي و جنوده قد تعقبوه و أهدروا دمه و أجزلوا الوعود لمن يسلّمه أو يدلّ عليه، و قال: «إنّا أهل بيت نكره الغدر»[6]. و لو
[1]كان هانئ;شيخا لمراد، و كندة إنّما كانت حليفة مراد.
راجع مروج الذهب 3: 59.
[2]تاريخ الكوفة 297.
[3]و قيل: إنّ الذي زاره ابن زياد هو شريك بن الأعور.
لاحظ مقاتل الطالبيين 65.
[4]انظر: العقد الفريد 5: 127، نهضة الحسين للشهرستاني 71.
[5]قيل: هو عمارة بن عبيد السلولي، و قيل: هو شريك بن الأعور. و أكثر المؤرّخين على الثاني.
راجع: تاريخ أبي مخنف 1: 412، تاريخ الطبري 4: 567، مقاتل الطالبيين 65، تنزيه الأنبياء و الأئمّة 270-271، المناقب لابن شهر آشوب 4: 91-92، الكامل في التاريخ 3: 269.
[6]قارن المصادر المتقدّمة.
أنّه بطش بابن زياد لقد بطش يومئذ بأكبر أنصار يزيد.
و ليقل من شاء: إنّ قتل ابن زياد كان صوابا راجحا، و إنّ التحرّج من قتله كان خطأ فادحا من وجهة السياسة أو من وجهة الأخلاق، فالذي لا يشكّ فيه أنّه إن كان صوابا فهو صواب سهل يستطيعه كثيرون، و إن كان خطأ فهو الخطأ الصعب الذي لا يستطيعه إلاّ القليلون.
كذلك يقول من يقول: إنّ الأريحيّة التي سمت إليها طبائع أنصار الحسين إنّما هي أريحيّة الإيمان الذي يعتقد صاحبه أنّه يموت في نصرة الحسين فيذهب لساعته إلى جنّات النعيم.
فهؤلاء الذين يقولون هذا القول يجعلون المنفعة وحدها باعث الإنسان إلى جميع أعماله، حتّى ما صدر منها عن عقيدة و إيمان، و ينسون أنّ المنفعة وحدها لن تفسر لنا حتّى الغرائز الحيوانيّة التي يصاب من جرّائها الفرد طوعا أو كرها في خدمة نوعه، بل ينسون أنّ أنصار يزيد لا يكرهون جنّات النعيم و لا يكفرون بها، فلماذا لم يطلبوها كما طلبها أنصار الحسين؟ إنّهم لم يطلبوها؛ لأنّهم منقادون لغواية أخرى و لأنّهم لا يملكون عزيمة الإيمان و نخوة العقيدة، و لا تلك القوّة الخلقيّة التي يتغلبون بها على رهبة الموت و يقدعون[1]بها وساوس التعلّق بالعيش و الخنوع للمتعة القريبة.
فلولا اختلاف الطبائع لظهر شغف الناس جميعا بجنّات النعيم على نحو واحد، و مضى الناس على سنّة واحدة في الأريحيّة و الفداء، و مرجع الأمر إذا في آخر المطاف إلى فرق واضح بين طبائع الأريحيين و طبائع النفعيين.
[1]قدعت فلانا: كففته عمّا يريد. (جمهرة اللغة 2: 661) .
و كذلك يقول من يقول: إنّ الأريحيّة في نفوس أنصار الحسين كانت أريحيّة أفراد معدودين ثبتوا معه و لم يخذلوه إلى يومه الأخير.
و ينسى هؤلاء أنّ الارتفاع ليقاس بالقمّة الواحدة كما يقاس بالقمم الكثيرة، و أنّ الغور ليسبر في مكان واحد كما يسبر في كلّ مكان، و إنّما تكون الندرة هنا أدلّ على جلالة المرتقى الذي تطيقه النفس الواحدة أو الأنفس المعدودات، و لا تطيقه نفوس الأكثرين.
فمدار الخلاف إذا في هذه الجولة التأريخيّة إنّما هو الفارق الخالد بين مزاجين بارزين كائنا ما كان تفسير المفسّرين للعقائد الروحيّة و المطامع السياسيّة، و لم يتلاق هذان المزاجان على تناحر و تناجز كما تلاقيا عامّة في النزاع بين الطالبيين و الأمويين، و خاصّة في النزاع بين الحسين و يزيد.
فحياة الحسين رضي اللّه عنه صفحة، لا صفحة تماثلها في توضيح الفارق بين خصائص هذين المزاجين و بيان ما لكلّ منهما من عدّة للنجاح في كفاح الحياة، سواء نظرنا إلى الأمد البعيد أو قصرنا النظر على الأمد القريب.
الخصومة