فلمّا ظهرت الدعوة المحمّدية أخذته الغيرة على زعامته، فكان في طليعة المحاربين للدعوة الجديدة، و ندرت غزوة من الغزوات لم تكن فيها لأبي سفيان أصبع ظاهرة في تأليب القبائل و جمع الأموال.
و شاءت المصادفات زمنا من الأزمان أن يظلّ وحده على زعامة قريش في حربها للنبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم. فمات الوليد بن المغيرة زعيم مخزوم، و دان زعماء تيم و بني عدي و غيرهم من البطون القرشيّة الصغيرة بالإسلام، و بقي أبو سفيان وحده على رأس الزعامة الجاهليّة و الزعامة الأمويّة في منازلة النبي و من معه من المهاجرين و الأنصار.
و بلغ من تغلغل العداء في هذه الأسرة للنبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم أنّ أبا لهب عمّه كان أوحد أعمامه في الكيد له و التأليب عليه، و إنّما جاءه هذا من بنائه بأمّ جميل بنت حرب أخت أبي سفيان التي وصفها القرآن بأنّهاحَمََّالَةَ اَلْحَطَبِ[1]كناية عن السعي في الشرّ و تأريث نار البغضاء.
ثمّ فتحت مكّة، فوقف أبو سفيان ينظر إلى جيش المسلمين و يقول للعبّاس بن عبد المطلّب[2]: «و اللّه-يا أبا الفضل-لقد أصبح ملك ابن أخيك اليوم عظيما» ، فلمّا قال العبّاس: «إنّها النبوّة!» ، قال: «نعم
ق-الهاشميّة، كيف و الحال أنّ أبا طالب كان وقتها زعيم بني هاشم بلا منازع؟!
راجع كتب التأريخ في هذا الصدد كتاريخ الطبري و مروج الذهب و الكامل و غيرها.
و كذلك راجع شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 8: 134-204.
[1]سورة المسد 111: 4.
[2]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (9) .
إذن!»[1].
و قد أسلم أبو سفيان و ابنه معاوية عند فتح مكّة، و كان إسلام بيته أعسر إسلام عرف بعد فتحها.
فكانت زوجه هند بنت عتبة[2]تصيح في القوم بعد إسلامه: «اقتلوا الخبيث الدنس الذي لا خير فيه.. قبح من طليعة قوم.. هلاّ قاتلتم و دفعتم عن أنفسكم و بلادكم!»[3].
و ظلّ أبو سفيان إلى ما بعد إسلامه زمنا يحسب غلبة الإسلام غلبة عليه، فنظر إلى النبي مرّة و هو بالمسجد نظرة الحائر المتعجّب و هو يقول لنفسه: «ليت شعري بأيّ شيء غلبني!» ، فلم يخف عن النبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم معنى هذه النظرة، و أقبل عليه حتّى ضرب يده بين كتفيه، و قال له: «باللّه غلبتك يا أبا سفيان!»[4].
و كان في غزوة حنين يشهد هزيمة المسلمين الأولى، فيقول: «ما أراهم يقفون دون البحر!»[5].
[1]قارن: السيرة النبويّة لابن هشام 4: 53، الأغاني 6: 333، الكامل في التاريخ 2:
166، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 9: 191، تاريخ أبي الفداء 1: 205، البداية و النهاية 4: 290.
[2]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (10) .
[3]راجع: إعلام الورى 1: 223، البداية و النهاية 4: 291.
[4]البداية و النهاية 4: 304.
[5]تاريخ اليعقوبي 2: 62، تاريخ أبي الفداء 1: 208، البداية و النهاية 4: 327، النصائح الكافية 110.
و قيل: إنّه كان في حروب الشام يهتف كلّما تقدّم الروم: «إيه بني الأصفر!» ، فإذا تراجعوا عاد فقال: «ويل لبني الأصفر!»[1].
و قد تألّفه النبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم ما استطاع قبل فتح مكّة و بعد فتحها، فتزوّج بنته أمّ حبيبة[2]قبل الفتح، و جعل بيته بعد الفتح حرما «من دخله فهو آمن و من أغلق عليه داره فهو آمن»[3]، و أقامه على رأس المؤلّفة قلوبهم الذين يزاد لهم في العطاء عسى أن يذهب ما في نفوسهم من الكراهة لغلبة الإسلام.
و مع هذا كان المسلمون يوجسون منه، فلا ينظرون إليه و لا يقاعدونه، حتّى برم بذلك و أحبّ أن يمسح ما بصدورهم من قبله.. فتوسّل إلى النبي أن يجعل معاوية كاتبا بين يديه و أن يأمره ليقاتل الكفّار كما كان يقاتل المسلمين.
ثمّ قبض النبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم و نجم الخلاف على مبايعة الخليفة بعده بين المهاجرين و الأنصار و بين بعض الصحابة من جهة أخرى، فاشرأب أبو سفيان إلى هذه الفتنة، و خيّل إليه أنّه مصيب بين فتوقها ثغرة ينفذ منها إلى
[1]لاحظ: الأغاني 6: 333، الكامل في التاريخ 2: 284، النزاع و التخاصم 54، النصائح الكافية 110.
[2]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (11) .
[3]انظر: تاريخ اليعقوبي 2: 59، الأغاني 6: 332-333، إعلام الورى 1: 222، البداية و النهاية 4: 292 و 307.
السيادة على قريش، ثمّ السيادة من هذا الطريق على الأمّة الإسلاميّة بأسرها.
فدخل على علي و العبّاس يثيرهما و يعرض عليهما المعونة بما في وسعه من خيل و رجل، فنادى بهما: «يا علي!و أنت يا عبّاس!.. ما بال هذا الأمر في أذل قبيلة من قريش و أقلّها؟و اللّه لو شئت لأملأنّها عليه- [أي: ]على أبي بكر-خيلا و رجلا و آخذنّها عليه من أقطارها» .
و هو لا ريب لم يغضب لأنّ الخلافة قد فاتت بني هاشم، و لا كان يسرّه أن تصير الخلافة إليهم فتستقرّ فيهم قرارا لا طاقة له بتحويله، و لكنّه أراد خلافا يفتح الباب لزعامة أمويّة يملك بها زمام قريش و الدولة العربيّة جمعاء.
فلم يخف مقصده هذا على علي رضي اللّه عنه، و قال له: «لا و اللّه، لا أريد أن تملأها عليه خيلا و رجلا، و لو لا أنّنا رأينا أبا بكر لذلك أهلا ما خلّيناه و إيّاها» . ثمّ أنّبه قائلا: «يا أبا سفيان!.. إنّ المؤمنين قوم نصحة بعضهم لبعض، و إنّ المنافقين قوم غششة بعضهم لبعض، متخاونون و إن قربت ديارهم و أبدانهم»[1].
[1]راجع: تاريخ اليعقوبي 2: 126، الأغاني 6: 334، الإرشاد 1: 190، إعلام الورى 1:
271، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 3: 200، النزاع و التخاصم 55، النصائح الكافية 110.
و لكنّ المشهور في هذه الحادثة أنّ عليا7قال: «ارجع يا أبا سفيان، فو اللّه ما تريد اللّه-
و انقضت خلافة أبي بكر و خلافة عمر و الأمور تجري في مجراها الذي يأخذ على المطامع سبيلها، و يخيف أصحاب الفتن أن يبرزوا بها من جحورها.
حتّى قامت خلافة عثمان بن عفّان فانتصر بها الأمويون أيّما انتصار؛ لأنّه رأس من رؤوسهم و ابن عمّ قريب لزعماء بيوتهم، و أصبحت الدولة الإسلاميّة أمويّة لا يطمع في خيراتها و لا ولاياتها إلاّ من كان من أميّة أو من حزبها.
فمروان بن الحكم[1]وزير الخليفة الأكبر يغدق العطاء على الأقرباء و يحبسها عن سائر الناس[2]، و معاوية بن أبي سفيان والي الشام يجتذب إليه الأقرباء و الأولياء و من يرجى منهم العون و يخشى منهم الخلاف.
فلمّا قتل عثمان رضي اللّه عنه كان المنتفعون بمناصب الدولة و أموالها جميعا من الأمويين أو من صنائعهم المقرّبين، و مال السلطان إلى جانب أميّة على كلّ جانب آخر من القرشيين و غير القرشيين.
ق-بما تقول، و ما زلت تكيد الإسلام و أهله، و نحن مشاغيل برسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، و على كلّ امرئ ما اكتسب و هو ولي ما احتقب» .
لاحظ المصادر المتقدّمة باستثناء الأوّل و الأخير.
[1]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (12) .
[2]حيث وهبه عثمان خمس أفريقيا، لاحظ: الإمامة و السياسة 1: 50، تاريخ اليعقوبي 2: 173، الكامل في التاريخ 3: 46، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2: 26 و 28، تاريخ الخلفاء للسيوطي 156.
لا جرم كان الصراع-بعد ذلك-صراعا معروف النهاية من مطلع البداية، فقتل علي بن أبي طالب غيلة، و خلصت الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان.
ثمّ بايع أناس من أهل العراق و فارس الحسن بن علي، فلم يستقم له أمرهم و ضاق صدره بجدالهم و محالهم، و كان رجلا سكّيتا يكره المنازعة و يجنح إلى العزلة[1]، فصالح معاوية على شروط، وفّى له معاوية بالمعجّل منها و التوى عليه بمؤجّلها[2]. و زاد على ذلك-كما تواتر في شتّى الروايات-
[1]المسألة ليست مسألة حبّ السكوت و كراهة المنازعة و الجنوح إلى العزلة، و إنّما أشياء أخر طويت عنها كشحا مراعاة للاختصار، و من أراد الاطّلاع فليراجع كتاب صلح الحسن لآل ياسين.
[2]لا بأس هنا بالإشارة إلى صورة المعاهدة التي وقّعها الفريقان:
المادّة الأولى: تسليم الأمر إلى معاوية، على أن يعمل بالكتاب و السنّة و سيرة الخلفاء الصالحين.
المادّة الثانية: أن يكون الأمر للحسن من بعده، و من بعد الحسن للحسين، و ليس لمعاوية العهد به لأحد.
المادّة الثالثة: ترك سبّ الإمام علي و القنوت عليه بالصلاة، و أن لا يذكر عليا إلاّ بخير.
المادّة الرابعة: استثناء ما في بيت مال الكوفة، فلا يشمله تسليم الأمر، و على معاوية أن يحمل للحسين كلّ عام ألفي ألف درهم، و أن يفضّل بني هاشم على بن عبد شمس في العطاء، و أن يفرّق في أولاد من قتل مع علي يوم الجمل و صفّين مليون درهم.
المادّة الخامسة: الأمان لأصحاب علي و شيعته، و أن لا يبغي معاوية لأحد من أهل بيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم غائلة. -
أنّه أغرى امرأته جعدة بنت الأشعث بسمّه، و وعدها أن يزوّجها يزيد و يعطيها مائة ألف درهم، فوفى بوعد المال و لم يف بوعد الزواج[1].
و قد أوصى الحسن رضي اللّه عنه أن يدفن عند قبر جدّه، إلاّ أن تخاف فتنة.
فلمّا توفّى أرادوا دفنه حيث أوصى، فقام مروان بن الحكم و جمع بني أميّة و زمرتهم و منعوا مشيعيه، فأنكر الحسين عليهم منع سبط النبي أن يدفن إلى جوار جدّه، فقيل له: «إنّ أخاك قال: إذا خفتم الفتنة ففي مقابر المسلمين سعة، و هذه فتنة» ، فسكت على مضض[2].
أهداف معاوية
و قد كان معاوية-و لا ريب-ينوي أن يجعلها دولة أمويّة متعاقبة في ذرّيته من بعده، منذ تصدّى للخلافة و خلاله المجال من أقوى منافسيه، إلاّ
ق-و كان الشرط الأوّل هو الشرط الوحيد الذي حظي بالوفاء من بين شروط المعاهدة! راجع صلح الحسن لآل ياسين 259-261 و 301 و ما بعدها.
[1]انظر: تاريخ اليعقوبي 2: 225، مروج الذهب 3: 5، مقاتل الطالبيين 31 و 48، دلائل الإمامة 61، الإرشاد 2: 16، الاستيعاب 1: 440، البدء و التاريخ 6: 5، تاريخ مدينة دمشق 13: 300، تذكرة الخواص 211، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 8: 212 و 224 و 236، الإصابة 2: 13.
[2]قارن: أنساب الأشراف (بتحقيق المحمودي) 3: 60، تاريخ اليعقوبي 2: 225، دلائل الإمامة 61، الإرشاد 2: 16، الاستيعاب 1: 442، البدء و التاريخ 6: 5، تذكرة الخواص 211، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 8: 213-214 و 237، كفاية الطالب 415، الحسن و الحسين لمحمّد رضا 55.
أنّه كان يتردّد و يتكتم و لا يفضي بنيّته إلى أقرب المقرّبين إليه، ثمّ كبرت سنّه و خاف أن يعجل عن قصده، فمهّد لبيعة ابنه يزيد بعض التمهيد، و توصّل إلى ذلك بما طاب له من وسيلة.
فلبّاه أهل الشام و كتب بيعته إلى الآفاق، ثمّ همّه أمر الحجاز، فكتب إلى مروان بن الحكم عامله أن يجمع من قبله لأخذ البيعة منهم ليزيد، فأبى مروان و أغرى رؤوس قريش بالإباء؛ لأنّه كان يتطلّع إلى الخلافة بعد معاوية و يحسبه أقدر عليها من يزيد؛ لما اشتهر به من نقص و عبث، فعزله معاوية و ولّى سعيد بن العاص[1]مكانه، فلم يجبه أحد إلى ما أراد.
فكتب معاوية إلى عبد اللّه بن عبّاس[2]، و عبد اللّه بن الزبير، و عبد اللّه ابن جعفر[3]، و الحسين بن علي، و أمر عامله سعيدا أن يوصل كتبه إليهم و يبعث إليه بجواباتها، و قال لسعيد: «فهمت ما ذكرت من إبطاء الناس، و قد كتبت إلى رؤسائهم كتبا فسلّمها إليهم، و لتشدّ عزيمتك و تحسن نيّتك، و عليك بالرفق. و انظر حسينا خاصّة فلا يناله منك مكروه، فإنّ له قرابة و حقّا عظيما لا ينكره مسلم و لا مسلمة، و هو ليث عرين، و لست آمنك إن ساورته ألاّ تقوى عليه» .
فأعيت سعيد بن العاص كلّ حيلة في إقناع وجهاء الناس و عامّتهم بهذه البيعة البغيضة، و خفّ معاوية إلى مكّة و معه الجند و حقائب الأموال،
[1]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (13) .
[2]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (14) .
[3]راجع في قائمة التراجم الترجمة رقم (15) .