يقرّر الباقلاني في الفصل الثالث من كتابه (إعجاز القرآن) أن هذا الإعجاز إنما يردّ إلى ثلاثة أوجه:
1- تضمنه الإخبار عن الغيوب.
2- وما فيه من القصص الديني وسير الأنبياء مما روتْهُ الكتب السماوية مع أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان أميّا لا يقرأ ولا يكتب.
3- ثم بلاغته.
فأما الوجه الأول: فقد استدل عليه بما وعد الله تعالى نبيه عليه السلام أنه سيظهر دينه على الأديان بقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ}[1]ففعل ذلك.. وكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه إذا أغزى جيوشه عرفهم ما وعدهم الله من إظهار دينه ليثقوا بالنصر، ويستيقنوا بالنجح، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يفعل كذلك في أيامه حتى وقف أصحاب جيوشه عليه ...
وأما الوجه الثاني: فإنه معلوم من حال النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان أميّاً لا يكتب ولا يحسن أن يقرأ، وكذلك كان معروفا من حاله أنه لم يكن يعرف شيئا من كتب المتقدمين وأقاصيصهم وأنبائهم وسيرهم، ثم أتي بجملة ما وقع وحدث من عظيمات الأمور، ومهمات السير، من حين خلق الله آدم عليه السلام إلى حين مبعثه.
وأما الوجه الثالث.. فإنه بديع النظم، عجيب التأليف، متناه في البلاغة إلى الحد الذي يعلم عجز الخلق عنه..
ولما كان الباقلاني من علماء اللغة والأدب والبلاغة، فقد ركّز شرحه على هذا الوجه الأخير، فتحدث عن جمال نظم القرآن حديثا مسهبا.. يتضح منه مفهومه ونظريته في إعجاز القرآن.
إنه لم يرض أن يترك هذا الوجه دون أن يحدّد قسماته ويبيّن معالمه، ويوضّح سماته، وما عناه بالنظم، من هنا وجدناه يحلّل هذا الوجه البلاغي تحليلا دقيقا، ينمّ عن سعة إطلاع ورسوخ في العلم، ودقة في الفهم معاً..
لقد أرجع الباقلاني جمال النظم القرآني إلى مجموعة وجوه تتسم بالدقة والعمق، وتدل على ترابط جزئيات الموضوع في ذهنه.. منها ما يرجع إلى الجملة، ومنها ما يرجع إلى الفصاحة، ومنها ما يرجع إلى النظم، واستوائه
[1]سورة التوبة 33.. ومن ذلك الآية 12 من آل عمران.. والآية 7 من سورة الأنفال.
وحسن رصفه، ومنها ما يرجع إلى غزارة المعاني، ومنها ما يرجع إلى تأثير الكلمة في الأسماع..
وواضح من تقسيماته وتفريعاته أنه متأثر في الشطر الأول من نظريته بفكرة الجاحظ، التي ذهب فيها إلى أن مرجع الإعجاز في القرآن إلى نظمه وأسلوبه العجيب المباين لأساليب العرب في الشعر والنثر وما يُطْوى فيه من سجع[1].
وأما في الشطر الثاني فقد تأثر الباقلاني بفكرة الرُّمَّاني، التي ذهب فيها إلى أن القرآن يرتفع إلى أعلى طبقة من طبقات البلاغة[2].
وعلى الرغم من أن الباقلاني قد اشبع هذه الوجوه العشر البلاغية شرحا وتحليلا وتفسيرا وتمثيلا, وألحق بكل منها ما يؤيد وجهة نظره، واستشهد بالكثير من الشواهد الشعرية والنثرية.. والآيات القرآنية.. إلاّ أنه وجد أنّ هذا الشرح غير كاف، وهذا التعليل غير شاف، فنراه يلحق بهذا الفصل الثالث فصلا رابعا، لا يتناول فيه موضوعا جديداً، بل إنه يعاود شرح ما سبق أن ذكره وبيّنه من وجوه، وواضح أنه قد فاته بعض المسائل لم يستطع أن يدرجها أثناء الشرح فألحقها به. إنه يتناول وجهاً وجهاً من الوجوه الثلاثة التي حددها للإعجاز القرآني ليعاود الكلام عليها ولكن بتركيز شديد وبشواهد جديدة.. ثم يختم هذا الفصل التفسيري المركّز بالكلام عن الإعجاز الواقع في النظم والتأليف والرصف.. ويجعل من حديثه هذا منطلقا لبدء المرحلة الأخيرة وهي مرحلة التأييد والإثبات، وتقديم المبرهنات والمؤيدات.
لقد ذكر الباقلاني مجموعة من العناصر التي جعلت من نظم القرآن وجها من وجوه الإعجاز.. منها: "أنه نظم خارج عن جميع وجوه النظم المعتاد في كلامهم، ومباين لأساليب خطابهم, ومن ادّعى ذلك لم يكن له بد من أن يصحّح أنه ليس من قبيل الشعر ولا السجع ولا الكلام الموزن غير المقفى".
وهنا نجده يشير إلى نقطة الانطلاق التي سيبدأ منها الدفاع.. فيقول:
"لأن قوماً من كفار قريش ادّعو أنه شعر، ومن الملحدة من يزعم أن فيه شعرا، ومن أهل الملة من يقول: إنه كلام مسجع إلا أنه أفصح ممّا قد اعتادوه من أسجاعهم.. ومنهم من يدّعي أنه
[1]البيان والتبين 1/373.
[2]انظر رسالته (النكت في إعجاز القرآن) .. وانظر مقالنا في العدد السابق من مجلة الجامعة الإسلامية.
كلام موزون فلا يخرج بذلك عن أصناف ما يتعارفونه من الخطاب"1
إذن فخطة الباقلاني في المرحلة الثالثة أن ينفي الشعر عن القرآن, ثم ينفي السجع عن القرآن، ثم يذكر الصور البيانية، والعناصر الجمالية التي يمكن أن يقع بها إعجاز القرآن. وهذا ما فعله الباقلاني تدعيما لوجوه الإعجاز وتأييداً لما ذهب إليه من آراء أثناء ردِّه على المزاعم التي قيلت حول القرآن.
وفي الحقيقة لم يكن نفي السجع عن القرآن من بنات أفكاره.. ولكنه ردَّد ما ذكره الرمّاني من أن فواصله تباين السجع مباينة تامة، إذ الفواصل تتبع المعنى، أمّا السجع فيتبعه المعنى، ومن أجل ذلك يتضح فيه التكلّف والثقل[2].
بعد أن انتهى الباقلاني من دفاعه عن القرآن، انتقل إلى موضوع آخر وهو: الطريق إلى معرفة الإعجاز.. أو كيفية الوقوف على إعجاز القرآن. وهو كعادته حين يتصدى لموضوع ما يتساءل: هل يمكن أن يعرف إعجاز القرآن من جهة ما يتضمنه من البديع؟
وهنا نلاحظ أنه لا يقصد بالبديع المعنى الاصطلاحي المعروف, إنما يقصد ما جاء في القرآن من ألوان الجمال المعنوي التي تشملها علوم البلاغة.
وهو في هذا الفصل يحدّد الأبواب والفصول التي ذكرها أهل الصنعة، ومن صنّف في هذا المعنى - يقصد الإعجاز القرآني - ثم يبيّن ما عجزوا عن فهمه أو الوصول إلى كنهه، ليكون الكلام – على حد تعبيره - "وارداً على أمرٍ مبين، وباب مصور".
ثم يستعرض العناصر البلاغية التي تناولها القوم، وذكروها بوصفها النوافذ التي يمكن من خلالها أن يطلُّوا على آيات الإعجاز القرآني.. فنراه يتحدث كما تحدث البلاغيون السابقون من أمثال ابن المعتز وأبي هلال العسكري عن الاستعارة، والتشبيه، والإرداف, والمماثلة ويذكر المطابقة والجناس، ويذكر ضرباً يسميه (الموازنة) , وهي مما زاده قدامة بن جعفر[3]في كتابه (جواهر الألفاظ) من حسن البلاغة، وقد سمّاها (اعتدال الوزن) .
ويذكر الباقلاني أيضا (المساواة) على أنها ضرب من البديع، مقتديا
1 إعجاز القرآن ص80.
[2]انظر رسالة الرمّاني "النكت في إعجاز القرآن" الفواصل، وانظر أيضا مقالنا في العدد السابق من مجلة الجامعة الإسلامية ص34.
[3]جواهر الألفاظ ص3 طبعة القاهرة.
بقدامة في هذا الصنيع، وتأثره في حديثه عقب ذلك عن (الإشارة) و (المبالغة) و (الغلو) و (الإيغال) و (التوشيح) و (صحة التقسيم) و (صحة التفسير) و (التقسيم) و (الترصيع) .
ويظل ينقلنا الباقلاني من موضع بلاغي إلى آخر، ومن صورة شعرية فنية إلى أخرى، ملقيا الضوء على ما فيها من أبعاد وظلال فنية، حتى يأتي على كل العناصر البلاغية التي تناولها العلماء, وظنوا أنها السبيل إلى معرفة أسرار الإعجاز القرآني.
بيد أنه في آخر المطاف.. يضع أمام الأذهان سؤالا هاما..
هل لأبواب البديع فائدة في معرفة الإعجاز؟ ويجيب على هذا السؤال إجابة صريحة فيقول: "ليس كذلك عندنا.., لأن هذه الوجوه إذا وقع التنبيه عليها أمكن التوصل إليها بالتدريب والتصنع لها". ويمضي فيقول:
"إنه لا سبيل إلى معرفة إعجاز القرآن من البديع الذي ادّعوه في الشعر ووضعوه فيه، وذلك أن هذا الفن ليس فيه ما يخرق العادة، ويخرج عن العرف، بل يمكن استدراكه بالتعليم والتدرب به والتصنع له.. أما شَأْوَ نظم القرآن فليس له مثال يُحْتَذى عليه ولا إمام يُقْتَدَى به، ولا يصح وقوع مثله اتفاقاً."
فما السبيل إذن إلى معرفة إعجاز القرآن؟
هذا هو محور الفصل الثامن الذي خصصه الباقلاني لتحديد (كيفية الوقوف على إعجاز القرآن) يقول فيه: إنه لا يقف عليه إلاّ مَنْ عرف معرفة بيِّنة وجوه البلاغة العربية، وتكوَّنت له فيها ملكة يقيس بها الجودة والرداءة في الكلام بحيث يميِّز بين نمط شاعر وشاعر، ونمط كاتب وكاتب، وبحيث يعرف مراتب الكلام في الفصاحة, وهذا كما يميز أهل كل صناعة صنعتهم "ومتى تقدم الإنسان في هذه الصنعة لم تخف عليه هذه الوجوه، ولم ثشبيه عنده هذه الطرق، فهو يميز قدر كل متكلم بكلامه، وقدر كل كلام في نفسه، ويحكم فيه بما يستحق من الحكم، وإن كان المتكلم يجود في شيء دون شيء عرف ذلك منه، وإن كان يعم إحسانه عرف."1
وبهذا المفهوم نستطيع أن نعرف أن الباقلاني يرد المسألة إلى الذوق وحُسْن تدرّبه على تمييز أصناف الكلام..
1 إعجاز القرآن ص151.
ولقد دفعه هذا الفهم إلى أن يسوق طائفة من خطب الرسول - صلى الله عليه وسلم- ورسائله, ومن خطب الصحابة وغيرهم.. ليلمس القارئ فرق ما بين ذلك كله وبين القرآن.
ولا يقف عند حدود النثر.. بل ينطلق إلى آفاق الشعر، فيدرس معلقة امرئ القيس –إمام الشعراء -, ويبين ما فيها من تكلف وحشو، وخلل وتطويل، ولفظ غريب، وكيف تتفاوت أبياتها بين الجودة والرداء، والسلامة والغرابة، والسلامة والانحلال والاسترسال والتوحش والاستكراه.. "مع أنه قد أبدع في طرق الشعر أموراً اتبع فيها"1
بعد ذلك.. يعود بنا ليتحدث عن جمال نظم القرآن وحسن تأليفه ورصفه وكيف أنه وُزّع على كل آياته بقسطاس سواء منها القصص وغير القصص، بينما يتفاوت كلام البلغاء من الشعراء حتى في القصيدة الواحدة. ويتناول قصيدة بديعة للبحتري الذي اشتهر بجمال ديباجته وحلاوة أنغامه وعذوبة ألفاظه، وهي لاميته المشهورة:
أهْلاً بذلكمُ الخيالِ المقبل ... فَعَلَ الذي نَهْواه أوْ لم يفعلِ
ويشرِّح أبياتها تشريحا، مبيِّنا ما يجري فيها من ثِقل وتطويل وحشو وتكلف وألفاظ وحشية جافية، ومن تناقض وكزازة وتعسف ورداءة صوغ وسبك. ويهاجم الباقلاني كذلك ما يقال من بلاغة الجاحظ مبيِّناً أنه دائما يستعين بغيره، ويفزع إلى ما يوشِّح به كلامه من مثل نادر، وبيت سائر، وحكمة منقولة، وقصة مأثورة.. كل ذلك ليدل الباقلاني على أن بلاغة القرآن لا تسمو إليها أي بلاغة لشاعر أو كاتب وكأنه في كل ذلك يشرح ما ذكره الرمّاني في رسالته - التي تحدثنا عنها في المقال السابق - من أن للكلام ثلاث طبقات: عليا وهي طبقة القرآن، ووسطى ودُنيا، وهما طبقتا البلغاء على اختلاف بلاغتهم، وما ينظمونه أو يخطبون به أو يكتبونه. ونسمعه دائما يردِّدُ أنّ كلام البلغاء يتفاوت، بينما القرآن لا تتفاوت آياته، وإن العبارة لتُجْلَبُ منه إلى كلام البليغ.. فإذا هي تتلألأُ كأنها الدرّة الواسطة في العقد.. ويمضي الباقلاني قائلا: ".. إنّ القرآن ليس معجزاً لأهل العصر الأول الذي نزل فيهم فحسب، بل هو أيضا معجز لأهل كل العصور..
1 إعجاز القرآن ص184.
" هذا هو مفهوم الباقلاني للإعجاز القرآني.. وواضح أنه لم يزد في كتابه عن شرحه - أو قل بعبارة أدق - عن محاولة شرحه لما قاله الجاحظ من جمال النظم القرآني، وما قاله الرَّماني من أنه في المرتبة الرفيعة من البلاغة والبيان، ومضى يردُّ تفسير هذه المرتبة بوجوه البديع التي عدَّها ابن المعتز وقدامة وأبو أحمد العسكري وغيرهم، كما ردّ تفسيرها بوجوه البلاغة التي ذكرها الرماني..
وبالطبع, فهذا لا يقلّل من شأن الباقلاني.. أو يبهرج علمه.. فيكفي أن نعلم أنّ الرجل أوّل من هاجم في قوة نظرية إعجاز القرآن عن طريق تصوير ما فيه من وجوه البديع، وأيضا وجوه البلاغة التي أحصاها الرماني.
ومن هنا تأتي أهمية الباقلاني، إذ أعدّ للبحث عن أسرار في نَظْم القرآن من شأنها حين تَوضح توضيحا دقيقاً أن تقف الناسَ على إعجازه.