بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 21

ولقد دفعه هذا الفهم إلى أن يسوق طائفة من خطب الرسول - صلى الله عليه وسلم- ورسائله, ومن خطب الصحابة وغيرهم.. ليلمس القارئ فرق ما بين ذلك كله وبين القرآن.
ولا يقف عند حدود النثر.. بل ينطلق إلى آفاق الشعر، فيدرس معلقة امرئ القيس –إمام الشعراء -, ويبين ما فيها من تكلف وحشو، وخلل وتطويل، ولفظ غريب، وكيف تتفاوت أبياتها بين الجودة والرداء، والسلامة والغرابة، والسلامة والانحلال والاسترسال والتوحش والاستكراه.. "مع أنه قد أبدع في طرق الشعر أموراً اتبع فيها"1
بعد ذلك.. يعود بنا ليتحدث عن جمال نظم القرآن وحسن تأليفه ورصفه وكيف أنه وُزّع على كل آياته بقسطاس سواء منها القصص وغير القصص، بينما يتفاوت كلام البلغاء من الشعراء حتى في القصيدة الواحدة. ويتناول قصيدة بديعة للبحتري الذي اشتهر بجمال ديباجته وحلاوة أنغامه وعذوبة ألفاظه، وهي لاميته المشهورة:
أهْلاً بذلكمُ الخيالِ المقبل ... فَعَلَ الذي نَهْواه أوْ لم يفعلِ
ويشرِّح أبياتها تشريحا، مبيِّنا ما يجري فيها من ثِقل وتطويل وحشو وتكلف وألفاظ وحشية جافية، ومن تناقض وكزازة وتعسف ورداءة صوغ وسبك. ويهاجم الباقلاني كذلك ما يقال من بلاغة الجاحظ مبيِّناً أنه دائما يستعين بغيره، ويفزع إلى ما يوشِّح به كلامه من مثل نادر، وبيت سائر، وحكمة منقولة، وقصة مأثورة.. كل ذلك ليدل الباقلاني على أن بلاغة القرآن لا تسمو إليها أي بلاغة لشاعر أو كاتب وكأنه في كل ذلك يشرح ما ذكره الرمّاني في رسالته - التي تحدثنا عنها في المقال السابق - من أن للكلام ثلاث طبقات: عليا وهي طبقة القرآن، ووسطى ودُنيا، وهما طبقتا البلغاء على اختلاف بلاغتهم، وما ينظمونه أو يخطبون به أو يكتبونه. ونسمعه دائما يردِّدُ أنّ كلام البلغاء يتفاوت، بينما القرآن لا تتفاوت آياته، وإن العبارة لتُجْلَبُ منه إلى كلام البليغ.. فإذا هي تتلألأُ كأنها الدرّة الواسطة في العقد.. ويمضي الباقلاني قائلا: ".. إنّ القرآن ليس معجزاً لأهل العصر الأول الذي نزل فيهم فحسب، بل هو أيضا معجز لأهل كل العصور..
1 إعجاز القرآن ص184.


صفحه 22

" هذا هو مفهوم الباقلاني للإعجاز القرآني.. وواضح أنه لم يزد في كتابه عن شرحه - أو قل بعبارة أدق - عن محاولة شرحه لما قاله الجاحظ من جمال النظم القرآني، وما قاله الرَّماني من أنه في المرتبة الرفيعة من البلاغة والبيان، ومضى يردُّ تفسير هذه المرتبة بوجوه البديع التي عدَّها ابن المعتز وقدامة وأبو أحمد العسكري وغيرهم، كما ردّ تفسيرها بوجوه البلاغة التي ذكرها الرماني..
وبالطبع, فهذا لا يقلّل من شأن الباقلاني.. أو يبهرج علمه.. فيكفي أن نعلم أنّ الرجل أوّل من هاجم في قوة نظرية إعجاز القرآن عن طريق تصوير ما فيه من وجوه البديع، وأيضا وجوه البلاغة التي أحصاها الرماني.
ومن هنا تأتي أهمية الباقلاني، إذ أعدّ للبحث عن أسرار في نَظْم القرآن من شأنها حين تَوضح توضيحا دقيقاً أن تقف الناسَ على إعجازه.