بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 108

دوراً كاملاً في ما يقرب من أربع وعشرين ساعة يكون على الدوام نصفها المواجه لضوء الشمس نهاراً والنصف غير المواجه له ليلاً، ولما لم يكن لكل من الليل والنهار بداية ونهاية معينة بحسب حركة الأرض بل كان كل منهما يتمادى مهما طال الزمان مست الحاجة إلى تعيين مبدأ لحساب الأيام بعد اكتشاف الأمريكيتين والالتفات إلى كروية الأرض، وأما قبل ذلك فحيث إن اليابسة كانت عندهم محصورة بالأراضي الممتدة من جزر الكناري الواقعة في المحيط الأطلسي بالقرب من المغرب إلى أقصى بلاد الصين واليابان كان مبدأ الأيام عندهم هو بزوغ الشمس في تلك البلاد ومنتهاها هو غروبها في تلك الجزر، وأما بعد اكتشاف الأمريكيتين فلم يكن محيص من تعيين مبدأ لحساب الأيام.

وقد اتفقوا على جعل المبدأ عند الخط المقابل لخط غرينيتش الذي يمرّ جنوب شرق لندن، وهذا الخط المقابل يمرّ شرق جزر نيوزلندا ـ الواقعة في المحيط الهادي شرق استراليا ـ وهذان الخطان ينصفان الكرة الأرضية بنصفين شبه متساويين، فقرروا جعل ما يقع في غرب الخط المذكور متأخراً عما يقع في شرقه يوماً واحداً، فعندما تبزغ الشمس على المناطق الواقعة في غرب خط التوقيت المذكور يكون ذلك يوم الأحد ـ مثلاً ـ في حين أنها لما بزغت على المناطق الواقعة في شرق ذلك الخط كان يوم السبت.

ومن هنا فرقوا بين جزيرتين صغيرتين تسميان بـ(ديوميد) إحداهما أكبر من الأخرى وتقعان في المحيط الهادي بين ساحل آلاسكا وسيبيريا، ويمرّ خط التوقيت المذكور بينهما، فقرروا أن يوم السبت في الجزيرة الواقعة في شرق ذلك الخط هو يوم الأحد في الجزيرة الواقعة في غربه، مع أنه ليس بينهما إلا فصل قليل جداً[1].

[1]ورد في موسوعة ويكيبيديا: (خط التاريخ الدولي) بالانجليزية (International Date Line ): هو خط وهمي على سطح الكرة الأرضية، منه يبدأ اليوم وإليه ينتهي، ويمر على خط طول (180 درجة) عن مدينة غرينتش البريطانية، مع تعرج ناحية اليمين أو اليسار، لتفادي الجُزر المأهولة بالسكان بقدر الإمكان. ويقسم خط التاريخ الدولي تقريباً المحيط الهادي إلى قسمين: شرقي وغربي، ويلزم كل مسافر عابر هذا الخط شرقاً أو غرباً تعديل التاريخ واليوم بمقدار يوم كامل أي 24 ساعة.

خط التاريخ الدولي المعمول به في الوقت الحاضر


صفحه 109

ولكن من الواضح أنه لا دليل على أن جعل خط بدء الأيام في الموضع المشار إليه في المحيط الهادي أمر مقبول من قبل الشارع المقدس. نعم لا ينبغي الريب في أن خط بدء الأيام عنده لا يمرّ بالقارات الثلاث ـ آسيا وأوربا وأفريقيا ـ لأن المتلقى خلفاً عن سلف أن اليوم في هذه القارات يوم واحد ولا يكون في شرقها يوم الجمعة وفي غربها يوم السبت ـ مثلاً ـ بل احتمال أن يكون الشارع المقدس قد قرر مرور خط بدء الأيام باليابسة ولو في الأمريكيتين مستبعد جداً، فإنه يوجب اختلال أعمال سكنة ذلك المكان في غربه وشرقه والتشويش عليهم في أمور معاشهم، ومن هنا لا يبعد أن يكون ذلك الخط وفق ما هو مقبول شرعاً إما في المحيط


صفحه 110

الهادي أو في المحيط الأطلسي، وفي كل منهما احتمالات، ففي المحيط الأطلسي يحتمل أنه يمرّ في شرقه بحيث يكون إيسلندا وغريلاندا بعد ذلك الخط أي كونهما ملحقين بأمريكا، ويحتمل أنه يمرّ في غرب المحيط بحيث يكون هذان البلدان قبل ذلك الخط ويكونان ملحقين بأوربا، وهكذا الحال في عدة جزر صغيرة في هذا المحيط. وأما في المحيط الهادي فيحتمل أنه يمرّ في المكان المحدد عالمياً ويحتمل أنه يمرّ قبل ذلك، مثلاً: في ما قبل جزر هاواي الواقعة في أواسط المحيط الهادي، ويحتمل أنه يكون متعرجاً ومنكسراً بحيث تقع نيوزلندا قبل ذلك الخط لا بعده خلافاً لما هو المقرّر عالمياً[1].

وبذلك يعلم أن ما يمكن اليقين به هو أن الليل الذي يخيم على اليابان وشرق الصين وسيبيريا ثم يحل في بقية آسيا ثم أوربا وأفريقيا هو ليلة الجمعة مثلاً، وأما كونه عند الحلول في الأمريكيتين هو ليلة الجمعة أيضاً لا ليلة السبت فهو مما لا سبيل إلى اليقين به.

فإنه إذا كان خط بدء الأيام يمرّ وفق ما قرره الشارع المقدس في المحيط الأطلسي ينتهي يوم الجمعة عند هذا الخط ويبدأ يوم السبت بعده، مما يعني أن الليل في أمريكا يكون ليلة السبت. وأما إذا كان خط بدء الأيام يمرّ في المحيط الهادي فينتهي يوم الجمعة عند هذا الخط مما يعني أن يكون ليل أمريكا هو ليل الجمعة لا السبت.

[1]تجدر الإشارة إلى أن بداية اليوم عندنا لما كانت من حين غروب الشمس وليس كل البلاد الواقعة على خط طول واحد تشترك في وقت غروبها، كما أنها تختلف في ذلك بحسب اختلاف فصول السنة، لا يكون خط بدء الأيام المرضي عند الشارع المقدس ثابتاً في مكان واحد في أحد المحيطين الهادي والأطلسي في طوال أيام السنة، وهذا بخلاف الحال عند من يبتدأ اليوم لديهم من الساعة الثانية عشرة ليلاً، فإنه لا يختلف مكان خط بدء الأيام عندهم باختلاف الأمكنة في طلوع الشمس وغروبها.


صفحه 111

وعلى ذلك فإذا رئي الهلال في غرب أوربا أو أفريقيا أمكن البناء على دخول الشهر الجديد في اليابان وشرق الصين وما بعدهما من الأمصار، وأما إذا رئي في أمريكا فلا يمكن البناء على دخول الشهر الجديد في القارات الثلاث، لعدم إحراز وحدة ليلة الرؤية مع ليلة الشك فيها.

إن قلت: إن من يبحر ليلاً من إيرلندا أو البرتغال أو السنغال أو نحوها في المحيط الأطلسي باتجاه الأمريكيتين فإنه مهما ابتعد عن الساحل يعدّ العرف ليله هو ليل المناطق التي انطلق منها، وإذا وصل في ذلك الليل إلى إحدى الأمريكيتين فإنه يعدّه العرف واصلاً إليها في نفس الليلة، ألا يكفي هذا الصدق العرفي في البناء على أن ليل الأمريكيتين يعدّ استمراراً لليل القارات الثلاث؟

قلت: الصدق العرفي المذكور مما لا عبرة به، لأنه مبني على عدم الالتفات الى كروية الأرض ودورانها حول نفسها مما يحتم وجود خط لبدء الأيام، وإلا تستمر ليلة الجمعة ـ مثلاً ـ ما بقيت الأرض تدور حول نفسها.

مضافاً إلى أن مثل ما ذكر يأتي بالنسبة إلى من يبحر ليلاً من اليابان في المحيط الهادي باتجاه الأمريكتين، فإنه إذا وصل في ذلك الليل إلى إحداهما يعدّه العرف واصلاً إليها في الليلة نفسها، مما يقتضي أن يعدّ ليل اليابان استمراراً لليلهما، ومن الواضح أنه لا يمكن الجمع بين الأمرين.

وبالجملة: إن هذا الموضوع بحاجة إلى اعتبار قانوني ولا يجدي فيه الصدق العرفي المذكور، والاعتبار القانوني العقلائي موجود في زماننا هذا، وقد قرر أن خط بدء الأيام يكون في المحيط الهادي في شرق نيوزلندا. وأما الاعتبار القانوني الشرعي فأصل وجوده أمر محتم، لأن أمور الناس


صفحه 112

في معاشهم ومعادهم مما يتعلق بوجوده، ولكن لا سبيل لنا إلى العلم بمكانه لأن النصوص لا تفي ببيان ذلك.

ومن هنا يشكل حكم المسلمين الساكنين في أمريكا في ما يتعلق بأعمال أيام الأسبوع، مثلاً: لا تحرز صحة صلاة الجمعة المأتي بها في ما يعدّ يوم الجمعة فيها، لاحتمال أن يكون هذا اليوم هو يوم السبت شرعاً لبدء خط الأيام في المحيط الأطلسي لا في المحيط الهادي. وأما غسل الجمعة فيمكن إحراز صحته بالإتيان به بقصد الأعم من الأداء والقضاء لمشروعية قضائه في يوم السبت.

وكيف ما كان فإن التقريب المذكور هو الذي ينبغي أن يعتمده من يتبنى التفصيل الثالث المتقدم، دون ما قيل من لزوم الاقتصار في مفاد النصوص الدالة على وحدة الآفاق على رقعة الأرض المكتشفة حين صدورها.

والإنصاف أن ما ذكر من التقريب لا يخلو في أصله من وجاهة، بمعنى أنه يفي بالرد على من يقول إنه إذا رئي الهلال في إحدى الأمريكيتين يكفي ـ على القول بوحدة الآفاق ـ للحكم بدخول الشهر في القارات الثلاث، لأن هذا يبتني على أن يكون ليل الأمريكيتين استمراراً لليل القارات الثلاث، وهو أمر غير محرز شرعاً وفق ما بيّن في التقريب.

ولكن مع ذلك يمكن أن يلاحظ على التفصيل المتقدم بعدة أمور ..

الأول: أن مقتضى التقريب المذكور هو عدم البت بكون أستراليا ملحقة بالقارات الثلاث في حساب الأيام كما هو الحال في نيوزلندا، فالتفريق بينهما ـ كما تبناه في المصباح ـ مما لا وجه له، أي كما يجوز أن يكون خط بدء الأيام المقبول شرعاً يمرّ مما قبل نيوزلندا كذلك يحتمل أنه يمرّ متعرجاً بحيث يفصل أستراليا وتيمور الشرقية وغينيا الجديدة ونحوها


صفحه 113

من الجزر الصغيرة الواقعة في المحيط الهادي عن آسيا ويجعلها قبل خط بدء الأيام. ولذلك لا يمكن البناء على كفاية رؤية الهلال في آسيا لدخول الشهر الجديد في هذه المناطق، كما لا يمكن الاكتفاء برؤية الهلال في أستراليا للحكم بدخول الشهر الجديد في آسيا إلا بناءً على أنه إذا رئي الهلال في مكان أمكن رؤيته في البلاد الغربية له بطريق أولى، ولكن مرّ أنه ليس بتام. ومثله الاكتفاء برؤية الهلال في القارات الثلاث للحكم بدخول الشهر الجديد في أمريكا، فإنه مما لا سبيل إليه إلا إذا تمت الأولوية القطعية المذكورة، ولكنها غير تامة.

الأمر الثاني: أن مقتضى إطلاق القول بأنه إذا رئي الهلال في بقعة ما من القارات الثلاث كفى للحكم بدخول الشهر في بقية بقاعها هو أنه إذا رئي الهلال بعد غروب الشمس في السنغال الواقعة غرب أفريقيا وكان الوقت آنذاك أوائل شروق الشمس أو أوائل طلوع الفجر في اليابان[1]يحكم بدخول الشهر في اليابان أيضاً مع أن لازمه أن يكون نهار شهر رمضان في ذلك اليوم في اليابان من دون ليل، أو يلتزم بأن ليل ذلك النهار يكون أيضاً من شهر رمضان بالرغم من عدم كون الهلال حتى انتهائه قابلاً للرؤية في أي مكان في العالم، وكلا الأمرين مستبعد جداً كما مرّ آنفاً.

الأمر الثالث: أن مرور خط بدء الأيام في المحيط الأطلسي وإن كان أمراً محتملاً ـ كما مرّ ـ إلا أنه من المستبعد جداً أن يكون هو خط ساحل أوربا وأفريقيا المطل على هذا المحيط، لتكون النتيجة ما يستفاد من ذيل

[1]الأول يحصل في بعض أيام حزيران حيث تغرب الشمس في داكار في الساعة السابعة واثنتين وأربعين دقيقة ويكون الوقت آنذاك في طوكيو في الساعة الرابعة واثنتين وأربعين دقيقة وهو بعد شروق الشمس فيها بستة عشرة دقيقة، وأما الثاني فيحصل في العديد من أيام السنة.


صفحه 114

عبارة المصباح من أنه إذا رئي الهلال في هذا المحيط لا يكفي للحكم بدخول الشهر في القارات الثلاث، فإن هذا يقتضي أن سكنة إيرلندا أو البرتغال أو السنغال أو أمثالها إذا ركبوا البحر ولو لمسافة عشرات الأمتار ينتقلون من يوم إلى يوم آخر، وهذا بعيد جداً. بل إذا كان الخط المذكور ماراً في المحيط الأطلسي فهو إنما يمرّ في أواسطه حيث يكون بعيداً عن الساحل في الجانبين، ولذلك إذا رئي الهلال في سفينة عائمة قريباً من ساحل إيرلندا أو موريتانيا مثلاً ينبغي للقائل بوحدة الآفاق أن يكتفي به في دخول الشهر في القارات الثلاث.

الأمر الرابع: أن ما ربما توهمه عبارة المنهاج من عدم كفاية رؤية الهلال في مكان ما في الأمريكيتين للأمكنة الشرقية له مطلقاً لا ينبغي أن يكون مقصوداً، فإنه لا ينبغي الريب في أنه إذا رئي الهلال في غرب أمريكا يكفي لدخول الشهر في شرقها بناءً على القول بوحدة الآفاق في بداية الأشهر القمرية، لوحدة اليوم في جميع القارتين الأمريكتين، إذ لا يحتمل مرور خط بدء الأيام فيهما.

كما أن ما هو ظاهر العبارة من أنه إذا رئي الهلال في مكان ما في القارات الثلاث يكفي للبلاد الشرقية وإن لم تكن من القارات الثلاث كنيوزلندا وسائر جزر المحيط الهادي غير تام إلا إذا جزم بأن خط بدء الأيام لا يمرّ بالمحيط المذكور بل بالمحيط الأطلسي، وهو مما لا سبيل إليه كما ظهر مما سبق.

الأمر الخامس ـ وهو الأهم ـ: أن المفروض كون مكان خط بدء الأيام عند الشارع المقدس مجهولاً عندنا، أي مردداً بين كونه في المحيط الهادي وكونه في المحيط الأطلسي، ولذلك لا سبيل إلى إحراز أن ليل أمريكا هو استمرار لليل القارات الثلاث في العالم القديم، إلا أنه ليس


صفحه 115

مقتضى ذلك هو البناء على عدم ترتب أي أثر على رؤية الهلال في أمريكا بالنسبة إلى سكنة القارات الثلاث، فإنه مع شك الساكن فيها في دخول الشهر الجديد في بلده برؤية الهلال في أمريكا لا يسعه إجراء استصحاب بقاء الشهر الأول أو عدم دخول الشهر الجديد، لأنه من قبيل الاستصحاب الموضوعي في الشبهة المفهومية ولا يجري، كما مرّ الوجه فيه في بحث سابق.

وأما إجراء أصالة البراءة عن وجوب صوم الغد لو كان المرئي في أمريكا هو هلال رمضان فهو مما لا بأس به، إلا أنه إنما يتم في غير مورد العلم الإجمالي بالحكم الإلزامي، كما إذا كان ملزماً بنذر أو شرط أو إجارة أو غير ذلك بأداء عمل معين في الثلاثين من شعبان، ولم ير الهلال في ليلة الشك في بلده في إحدى القارات الثلاث، فبنى على إكمال الثلاثين، ثم جاء الخبر بعد عدة ساعات من أمريكا برؤية الهلال فيها، فإنه عندئذٍ يعلم إجمالاً إما أنه يجب عليه صوم الغد إن كان من رمضان من جهة دخول الشهر في بلده بلحاظ رؤية الهلال في أمريكا واحتمال كون ليل أمريكا استمراراً لليل بلده، وإما يجب عليه القيام بالعمل الكذائي إذا كان هذا الغد هو الثلاثين من شعبان، وعلى ذلك يلزمه الاحتياط رعاية للعلم الإجمالي المنجز.

وهكذا الحال فيما إذا كان المرئي في أمريكا هو هلال شوال، فإنه يحصل له العلم الإجمالي بأن غداً إما آخر شهر رمضان أو أول شوال، فإن بني على أن حرمة صوم يوم العيد حرمة ذاتية يدور أمره بين محذورين: حرمة صوم هذا اليوم ووجوب صومه، والمعروف بينهم في مثل ذلك هو التخيير، ولكن يتجه الترجيح فيه بأهمية المحتمل وقوة الاحتمال مما يكون مؤثراً في وظيفته الفعلية كما هو واضح، وأما بناءً على كون