وعلى ذلك فإذا رئي الهلال في غرب أوربا أو أفريقيا أمكن البناء على دخول الشهر الجديد في اليابان وشرق الصين وما بعدهما من الأمصار، وأما إذا رئي في أمريكا فلا يمكن البناء على دخول الشهر الجديد في القارات الثلاث، لعدم إحراز وحدة ليلة الرؤية مع ليلة الشك فيها.
إن قلت: إن من يبحر ليلاً من إيرلندا أو البرتغال أو السنغال أو نحوها في المحيط الأطلسي باتجاه الأمريكيتين فإنه مهما ابتعد عن الساحل يعدّ العرف ليله هو ليل المناطق التي انطلق منها، وإذا وصل في ذلك الليل إلى إحدى الأمريكيتين فإنه يعدّه العرف واصلاً إليها في نفس الليلة، ألا يكفي هذا الصدق العرفي في البناء على أن ليل الأمريكيتين يعدّ استمراراً لليل القارات الثلاث؟
قلت: الصدق العرفي المذكور مما لا عبرة به، لأنه مبني على عدم الالتفات الى كروية الأرض ودورانها حول نفسها مما يحتم وجود خط لبدء الأيام، وإلا تستمر ليلة الجمعة ـ مثلاً ـ ما بقيت الأرض تدور حول نفسها.
مضافاً إلى أن مثل ما ذكر يأتي بالنسبة إلى من يبحر ليلاً من اليابان في المحيط الهادي باتجاه الأمريكتين، فإنه إذا وصل في ذلك الليل إلى إحداهما يعدّه العرف واصلاً إليها في الليلة نفسها، مما يقتضي أن يعدّ ليل اليابان استمراراً لليلهما، ومن الواضح أنه لا يمكن الجمع بين الأمرين.
وبالجملة: إن هذا الموضوع بحاجة إلى اعتبار قانوني ولا يجدي فيه الصدق العرفي المذكور، والاعتبار القانوني العقلائي موجود في زماننا هذا، وقد قرر أن خط بدء الأيام يكون في المحيط الهادي في شرق نيوزلندا. وأما الاعتبار القانوني الشرعي فأصل وجوده أمر محتم، لأن أمور الناس
في معاشهم ومعادهم مما يتعلق بوجوده، ولكن لا سبيل لنا إلى العلم بمكانه لأن النصوص لا تفي ببيان ذلك.
ومن هنا يشكل حكم المسلمين الساكنين في أمريكا في ما يتعلق بأعمال أيام الأسبوع، مثلاً: لا تحرز صحة صلاة الجمعة المأتي بها في ما يعدّ يوم الجمعة فيها، لاحتمال أن يكون هذا اليوم هو يوم السبت شرعاً لبدء خط الأيام في المحيط الأطلسي لا في المحيط الهادي. وأما غسل الجمعة فيمكن إحراز صحته بالإتيان به بقصد الأعم من الأداء والقضاء لمشروعية قضائه في يوم السبت.
وكيف ما كان فإن التقريب المذكور هو الذي ينبغي أن يعتمده من يتبنى التفصيل الثالث المتقدم، دون ما قيل من لزوم الاقتصار في مفاد النصوص الدالة على وحدة الآفاق على رقعة الأرض المكتشفة حين صدورها.
والإنصاف أن ما ذكر من التقريب لا يخلو في أصله من وجاهة، بمعنى أنه يفي بالرد على من يقول إنه إذا رئي الهلال في إحدى الأمريكيتين يكفي ـ على القول بوحدة الآفاق ـ للحكم بدخول الشهر في القارات الثلاث، لأن هذا يبتني على أن يكون ليل الأمريكيتين استمراراً لليل القارات الثلاث، وهو أمر غير محرز شرعاً وفق ما بيّن في التقريب.
ولكن مع ذلك يمكن أن يلاحظ على التفصيل المتقدم بعدة أمور ..
الأول: أن مقتضى التقريب المذكور هو عدم البت بكون أستراليا ملحقة بالقارات الثلاث في حساب الأيام كما هو الحال في نيوزلندا، فالتفريق بينهما ـ كما تبناه في المصباح ـ مما لا وجه له، أي كما يجوز أن يكون خط بدء الأيام المقبول شرعاً يمرّ مما قبل نيوزلندا كذلك يحتمل أنه يمرّ متعرجاً بحيث يفصل أستراليا وتيمور الشرقية وغينيا الجديدة ونحوها
من الجزر الصغيرة الواقعة في المحيط الهادي عن آسيا ويجعلها قبل خط بدء الأيام. ولذلك لا يمكن البناء على كفاية رؤية الهلال في آسيا لدخول الشهر الجديد في هذه المناطق، كما لا يمكن الاكتفاء برؤية الهلال في أستراليا للحكم بدخول الشهر الجديد في آسيا إلا بناءً على أنه إذا رئي الهلال في مكان أمكن رؤيته في البلاد الغربية له بطريق أولى، ولكن مرّ أنه ليس بتام. ومثله الاكتفاء برؤية الهلال في القارات الثلاث للحكم بدخول الشهر الجديد في أمريكا، فإنه مما لا سبيل إليه إلا إذا تمت الأولوية القطعية المذكورة، ولكنها غير تامة.
الأمر الثاني: أن مقتضى إطلاق القول بأنه إذا رئي الهلال في بقعة ما من القارات الثلاث كفى للحكم بدخول الشهر في بقية بقاعها هو أنه إذا رئي الهلال بعد غروب الشمس في السنغال الواقعة غرب أفريقيا وكان الوقت آنذاك أوائل شروق الشمس أو أوائل طلوع الفجر في اليابان[1]يحكم بدخول الشهر في اليابان أيضاً مع أن لازمه أن يكون نهار شهر رمضان في ذلك اليوم في اليابان من دون ليل، أو يلتزم بأن ليل ذلك النهار يكون أيضاً من شهر رمضان بالرغم من عدم كون الهلال حتى انتهائه قابلاً للرؤية في أي مكان في العالم، وكلا الأمرين مستبعد جداً كما مرّ آنفاً.
الأمر الثالث: أن مرور خط بدء الأيام في المحيط الأطلسي وإن كان أمراً محتملاً ـ كما مرّ ـ إلا أنه من المستبعد جداً أن يكون هو خط ساحل أوربا وأفريقيا المطل على هذا المحيط، لتكون النتيجة ما يستفاد من ذيل
[1]الأول يحصل في بعض أيام حزيران حيث تغرب الشمس في داكار في الساعة السابعة واثنتين وأربعين دقيقة ويكون الوقت آنذاك في طوكيو في الساعة الرابعة واثنتين وأربعين دقيقة وهو بعد شروق الشمس فيها بستة عشرة دقيقة، وأما الثاني فيحصل في العديد من أيام السنة.
عبارة المصباح من أنه إذا رئي الهلال في هذا المحيط لا يكفي للحكم بدخول الشهر في القارات الثلاث، فإن هذا يقتضي أن سكنة إيرلندا أو البرتغال أو السنغال أو أمثالها إذا ركبوا البحر ولو لمسافة عشرات الأمتار ينتقلون من يوم إلى يوم آخر، وهذا بعيد جداً. بل إذا كان الخط المذكور ماراً في المحيط الأطلسي فهو إنما يمرّ في أواسطه حيث يكون بعيداً عن الساحل في الجانبين، ولذلك إذا رئي الهلال في سفينة عائمة قريباً من ساحل إيرلندا أو موريتانيا مثلاً ينبغي للقائل بوحدة الآفاق أن يكتفي به في دخول الشهر في القارات الثلاث.
الأمر الرابع: أن ما ربما توهمه عبارة المنهاج من عدم كفاية رؤية الهلال في مكان ما في الأمريكيتين للأمكنة الشرقية له مطلقاً لا ينبغي أن يكون مقصوداً، فإنه لا ينبغي الريب في أنه إذا رئي الهلال في غرب أمريكا يكفي لدخول الشهر في شرقها بناءً على القول بوحدة الآفاق في بداية الأشهر القمرية، لوحدة اليوم في جميع القارتين الأمريكتين، إذ لا يحتمل مرور خط بدء الأيام فيهما.
كما أن ما هو ظاهر العبارة من أنه إذا رئي الهلال في مكان ما في القارات الثلاث يكفي للبلاد الشرقية وإن لم تكن من القارات الثلاث كنيوزلندا وسائر جزر المحيط الهادي غير تام إلا إذا جزم بأن خط بدء الأيام لا يمرّ بالمحيط المذكور بل بالمحيط الأطلسي، وهو مما لا سبيل إليه كما ظهر مما سبق.
الأمر الخامس ـ وهو الأهم ـ: أن المفروض كون مكان خط بدء الأيام عند الشارع المقدس مجهولاً عندنا، أي مردداً بين كونه في المحيط الهادي وكونه في المحيط الأطلسي، ولذلك لا سبيل إلى إحراز أن ليل أمريكا هو استمرار لليل القارات الثلاث في العالم القديم، إلا أنه ليس
مقتضى ذلك هو البناء على عدم ترتب أي أثر على رؤية الهلال في أمريكا بالنسبة إلى سكنة القارات الثلاث، فإنه مع شك الساكن فيها في دخول الشهر الجديد في بلده برؤية الهلال في أمريكا لا يسعه إجراء استصحاب بقاء الشهر الأول أو عدم دخول الشهر الجديد، لأنه من قبيل الاستصحاب الموضوعي في الشبهة المفهومية ولا يجري، كما مرّ الوجه فيه في بحث سابق.
وأما إجراء أصالة البراءة عن وجوب صوم الغد لو كان المرئي في أمريكا هو هلال رمضان فهو مما لا بأس به، إلا أنه إنما يتم في غير مورد العلم الإجمالي بالحكم الإلزامي، كما إذا كان ملزماً بنذر أو شرط أو إجارة أو غير ذلك بأداء عمل معين في الثلاثين من شعبان، ولم ير الهلال في ليلة الشك في بلده في إحدى القارات الثلاث، فبنى على إكمال الثلاثين، ثم جاء الخبر بعد عدة ساعات من أمريكا برؤية الهلال فيها، فإنه عندئذٍ يعلم إجمالاً إما أنه يجب عليه صوم الغد إن كان من رمضان من جهة دخول الشهر في بلده بلحاظ رؤية الهلال في أمريكا واحتمال كون ليل أمريكا استمراراً لليل بلده، وإما يجب عليه القيام بالعمل الكذائي إذا كان هذا الغد هو الثلاثين من شعبان، وعلى ذلك يلزمه الاحتياط رعاية للعلم الإجمالي المنجز.
وهكذا الحال فيما إذا كان المرئي في أمريكا هو هلال شوال، فإنه يحصل له العلم الإجمالي بأن غداً إما آخر شهر رمضان أو أول شوال، فإن بني على أن حرمة صوم يوم العيد حرمة ذاتية يدور أمره بين محذورين: حرمة صوم هذا اليوم ووجوب صومه، والمعروف بينهم في مثل ذلك هو التخيير، ولكن يتجه الترجيح فيه بأهمية المحتمل وقوة الاحتمال مما يكون مؤثراً في وظيفته الفعلية كما هو واضح، وأما بناءً على كون
حرمة صوم العيد تشريعية فلا يسعه أن يصوم ذاك اليوم إلا برجاء المطلوبية ولا يمكنه البناء على مطلوبيته، وإذا كان ممن يجب عليه إخراج زكاة الفطرة في يوم العيد يلزمه الاحتياط بالجمع بين صيامه وإخراجها للعلم الإجمالي بوجوب أحدهما.
وأيضاً: إذا كان حاجاً وورد الخبر برؤية الهلال في أمريكا يعلم إجمالاً بوجوب الوقوف عليه في أحد يومين إما في اليوم المتقدم إذا كان ليل أمريكا استمراراً لليل القارات الثلاث، وإما في اليوم اللاحق إذا لم يكن كذلك، وفي مثله يلزمه الاحتياط بالوقوف في كلا اليومين لفعلية وجوب الوقوف في اليوم التاسع بعرفات من حين الإحرام للحج، فلا بد من إحراز امتثاله بالاحتياط المذكور، بل لو بني على عدم فعليته إلا في اليوم التاسع لزمه الاحتياط أيضاً مع إحراز استجماع شروط الوجوب في اليوم التالي، وستأتي الإشارة إلى وجهه.
وبالجملة: مع عدم إحراز موضع خط بدء الأيام لا يمكن إطلاق القول بأنه لا أثر لرؤية الهلال في أمريكا بالنسبة إلى سكنة العالم القديم.
الأمر السادس: أن الأساس في التفصيل بين البلدان الواقعة في شرق بلد الرؤية على النحو المذكور إنما هو البناء على إطلاق نصوص المسألة ـ من صحيحة هشام بن الحكم ومعتبرة إسحاق بن عمار ونحوهما مما استدل بها للقول بوحدة الآفاق ـ لما إذا كان الحكم بدخول الشهر في غير بلد الرؤية يستلزم تبعض الليلة الواحدة في مكان واحد بين شهرين أو حلول الشهر الجديد قبل إمكانية رؤية الهلال في أي مكان في الأرض، وقد مرّ الخدش في إطلاقها لهذه الصورة.
نعم إذا بني على أن معتبرة محمد بن عيسى تدل على كفاية الرؤية في مصر والأندلس وأفريقيا بدخول الشهر الجديد في العراق أمكن القول
بأنها تصلح وجهاً للالتزام بالتفصيل المذكور حتى مع المناقشة في إطلاق غيرها من النصوص للبلاد الواقعة في شرق بلد المكلف مما يسبق ليلها ليله، ولكن مرّ المنع من دلالة المعتبرة على ذلك.
هذا تمام الكلام في التفاصيل الثلاثة للقول بوحدة الآفاق، وقد ظهر بما تقدم أن أولاها وأجدرها بالقبول هو التفصيل الأول لو بني على الالتزام بهذا القول.
أدلة القول باختلاف الآفاق
(المقام الثاني): في ما يمكن أن يستدل به للقول باختلاف الآفاق في بداية الأشهر القمرية، وما يمكن أن يعضد به هذا القول مما يبعّد القول الآخر.
وينبغي ـ أولاً ـ الإشارة إلى أن المقصود باختلاف الآفاق هو أن الشهر القمري يدخل في كل مكان بإمكانية رؤية الهلال في أفق ذلك المكان، ولا أثر لإمكانية الرؤية في أفق مكان آخر. نعم إذا رئي في مكان آخر غير بلد المكلف ـ قريب منه أو بعيد عنه ـ وأُحرز أنه كان قابلاً للرؤية في بلد المكلف أيضاً إلا أنه إنما منع عنه الغيم أو نحوه من الموانع الطارئة للرؤية كفى ذلك في الحكم بدخول الشهر في بلد المكلف، ولكنه من جهة كاشفيته عن كون الهلال قابلاً للرؤية فيه لا غير.
ثم إن الروايات التي يمكن أن يستدل بها لهذا القول ثلاث ..
(الرواية الأولى): معتبرة معمر بن خلاد[1]عن أبي الحسن7قال: كنت جالساً عنده آخر يوم من شعبان فلم أره صائماً، فأتوه بمائدة. فقال:«ادن»، وكان ذلك بعد العصر. قلت له: جعلت فداك صمت اليوم.
[1]تهذيب الأحكام ج:4 ص:166.
فقال لي:«ولم؟». قلت: جاء عن أبي عبد الله7في اليوم الذي يشك فيه أنه قال:«يوم وفق الله له». قال: أليس تدرون إنما ذلك إذا كان لا يعلم أهو من شعبان أم من شهر رمضان فصامه الرجل وكان من شهر رمضان كان يوماً وفق الله له؟ فأما وليس علة ولا شبهة فلا» .
ووجه الاستدلال بها هو أن الإمام7قد جعل المناط في مطلوبية الاحتياط بصيام اليوم الذي يعقب التاسع والعشرين من شعبان مجرد عدم العلم بكونه من شعبان أو من شهر رمضان، مع أن أقصى ما يقتضيه خلو السماء من العلة وعدم الشبهة في وجود ما يمنع من رؤية الهلال في بلد المكلف هو العلم بعدم ظهور الهلال فيه بنحو قابل للرؤية، فلو كان يكتفى في دخول الشهر في هذا البلد بقابلية الهلال للرؤية ولو في أفق بلد آخر بعيد عنه، يصدق على ذلك اليوم في بلد المكلف أنه مما لا يعلم أنه من شعبان أو من شهر رمضان، فلم يكن محل للوم معمر بن خلاد على صيامه ذلك اليوم.
فمن لوم الإمام7إياه على صيامه بمجرد إحراز عدم إمكانية رؤية الهلال في بلده مع أن احتمال إمكانية رؤيته في بلد آخر لم يكن محرز العدم يعلم أن العبرة في دخول الشهر في أي بلد إنما هو بقابلية الهلال للرؤية فيه، ولا أثر لإمكانية رؤيته في سائر البلاد المختلفة عنه في الأفق، وهذا هو المطلوب.
إن قلت: لعل إحراز عدم كون ذلك اليوم من شهر رمضان لم يكن لمجرد عدم رؤية الهلال في الليلة السابقة مع خلو سماء البلد عن العلة، بل من جهة أخرى وهي أن شهر رجب كان ناقصاً ورئي هلال شعبان وهو ضعيف جداً فلم يكن يحتمل نقصان شعبان بعده أيضاً.
قلت: هذا غير تام، لأن مجرد نقصان شهر رجب في مكان وظهور