في كتاب الصوم من التهذيب ـ الذي وردت فيه الرواية المبحوث عنها ـ يجد أنه ابتدأ العديد من رواياته بأسماء مشايخ المفيد كأبي غالب الزراري ومحمد بن أحمد بن داود القمي وأحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد وأبي القاسم جعفر بن محمد بن قولويه، والمظنون قوياً بل المطمأن به أنه اقتبس هذه الروايات من كتاب أستاذه الشيخ المفيد في أن شهر رمضان حاله حال سائر الشهور في النقص والكمال الذي سماه بـ(مصابيح النور) أو (مصباح النور)، وهذا الكتاب مما لم يصل إلينا أصله وإنما وصل مختصره الذي عمله المفيد نفسه في جوابات أهل الموصل[1]، ويبدو أن تلميذه الشيخ (قدس سره) كان بيده الكتاب الأصل وأورد جملة من رواياته في هذا الباب من التهذيب، ولذلك ابتدأها بأسماء أساتذة المفيد.
والملاحظ أن من تلك الروايات ما رواه[2]عن محمد بن أحمد بن داود، قال: أخبرنا محمد بن علي بن الفضل وعلي بن محمد بن يعقوب عن علي بن الحسن قال: حدثني معمر بن خلاد عن معاوية بن وهب.
ويقرب إلى الذهن أن المفيد (قدس سره) كان قد ذكر الرواية المبحوث عنها عقيب هذه الرواية، وقد ابتدأها باسم معمر بن خلاد معلقاً سندها على سند الرواية السابقة[3]. ولكن الشيخ (قدس سره) الذي من دأبه أن يورد الرواية
[1]جوابات أهل الموصل ص:15.
[2]تهذيب الأحكام ج:4 ص:163.
[3]وأما احتمال أن المفيد (قدس سره) كان قد ذكر لمعمر رواية ثالثة بسند غير ذلك لم يوردها الشيخ (قدس سره) وكان سند الرواية المبحوث عنها معلقاً على سندها فهو بعيد في النظر، ولا سيما إذا لوحظ أن معمر قليل الرواية نسبياً ولم يرد له في كتاب الصوم من الكتب الأربعة وسائر المصادر الموجودة بأيدينا إلا الروايتين المذكورتين.
ومثل ذلك احتمال أن الشيخ (قدس سره) قد أخرج الرواية المبحوث عنها عن غير كتاب المفيد من المصادر التي اعتمدها في باب (علامة أول شهر رمضان) ـ ككتاب سعد بن عبد الله وكتاب علي بن الحسن بن فضال ـ بأن كان سند هذه الرواية معلقاً فيه على سند رواية أخرى مروية عن معمر لم يوردها الشيخ، فإن هذا الاحتمال بعيد أيضاً، ولا سيما مع ما يلاحظ من أنه أورد هذه الرواية عقيب عدة روايات أخرجها من كتاب المفيد بقرينة أنه ابتدأها بأسماء مشايخه، فليتأمل.
كما يجدها في مصدرها لما فرّق بين الروايتين في الذكر[1]أوجب ذلك اشتباه الأمر على الناظرين حتى تخيل أن هذه الرواية مرسلة أو أنها مأخوذة من كتاب معمر.
وبالجملة: لا يبعد أن يكون سند هذه الرواية هو ما ذكر لتلك الرواية، وليس فيه من يتوقف فيه إلا علي بن محمد بن يعقوب، الذي هو من أحفاد إسحاق بن عمار الراوي الشهير، قال الشيخ[2]: (علي بن محمد بن يعقوب بن إسحاق بن عمار الصيرفي الكسائي الكوفي العجلي، روى عنه التلعكبري وسمع منه سنة خمس وعشرين وثلاثمائة، وله منه إجازة، مات سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة).
والرجل لم يوثق في كتب الرجال، ولكنه من مشايخ ابن قولويه حيث وردت روايته عنه في موضع من كامل الزيارات[3]، فيكون موثقاً
[1]ولا ينبغي أن يستغرب هذا من الشيخ (قدس سره) ، فقد وقع في كتابه ما هو أغرب منه، فقد روى في (ج:5 ص:118) عن (موسى بن القاسم عن علي عنهما عن ابن مسكان)، ومرجع الضمير في (عنهما) هو (محمد بن أبي حمزة ودرست) ولم يذكرا في سند سابق على السند المذكور بل بعده في (ص:139) هكذا: (موسى بن القاسم عن الطاطري عن محمد بن أبي حمزة ودرست عن ابن مسكان). وقد استغرب المحقق الشيخ حسن نجل الشهيد الثاني (قُدِّس سرُّهما) في (منتقى الجمان ج:1 ص:34) تفريق الشيخ بين الروايتين قائلاً: (فانظر إلى أي مرتبة انتهى الحال في البعد عن موضع التفصيل، وما أدري كيف وصلت غفلة الشيخ (رحمه الله) إلى هذا المقدار).
[2]رجال الشيخ ص:431.
[3]كامل الزيارات ص:247.
بتوثيقه، إذ المشهور بين المتأخرين أن القدر المتيقن ممن وثقهم ابن قولويه في مقدمة كتابه الكامل هم مشايخه بلا واسطة، وعلى ذلك فالسند المذكور معتبر لا إشكال فيه.
هذا مضافاً إلى أن المذكور في النسخ المتداولة من التهذيب وكذلك في بعض النسخ المخطوطة المعتبرة كالنسخة التي هي بخط الشيخ الحسين بن عبد الصمد والنسخة التي هي بخط يوسف الأبدال وهكذا في الوافي والوسائل[1]كون علي بن محمد بن يعقوب معطوفاً على محمد بن علي بن الفضل كما تقدم نقله، وعلى ذلك فلا تضر جهالة علي بن محمد بن يعقوب بصحة سند الرواية.
أقول: قد تقدم في محله[2]أنه لا يستفاد من مقدمة كتاب كامل الزيارات توثيق ابن قولويه جميع مشايخه بلا واسطة، بل توثيق بعض من وقعوا في سلسلة أسانيد روايات كتابه ولا يتعين أن يكون من مشايخه بلا واسطة، بل ربما يكون من مشايخ مشايخه.
وعلى ذلك فلا سبيل إلى إثبات وثاقة علي بن محمد بن يعقوب بهذا الوجه.
وأما ما ورد في النسخ المتداولة من التهذيب ـ المطبوعة والمخطوطة ـ وفي المصادر الأخرى من عطف علي بن محمد بن يعقوب على محمد بن علي بن الفضل فهو غلط جزماً، لأن مقتضاه رواية ابن الفضل عن علي بن الحسن ـ وهو ابن فضال ـ مباشرة، ولا يمكن ذلك بحسب الطبقات، فإن الأول ـ أي ابن الفضل ـ من كبار الطبقة العاشرة، والثاني ـ أي ابن فضال ـ من الطبقة السابعة، مضافاً إلى تكرر رواية ابن الفضل عن ابن
[1]الوافي ج:11 ص:137. وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة ج:10 ص:293.
[2]لاحظ قبسات من علم الرجال ج:1 ص:89 وما بعدها ط:2.
يعقوب في الأسانيد، مما يمنع من البناء على كونهما معاً راويين عن شخص ثالث في السند المذكور كما نبه على ذلك السيد الأستاذ (قدس سره)[1].
وبالجملة: لا سبيل إلى تصحيح السند المذكور بالبيان المتقدم.
نعم يمكن أن يقال: إن الظاهر أن علي بن محمد بن يعقوب لم يكن من المؤلفين وإنما من مشايخ الإجازة، والملاحظ أن جميع رواياته في ما وصل إلينا[2]مروية عن علي بن الحسن بن فضال، وقد ذكر النجاشي[3]أن كتاب أحمد بن رزق الغشماني مروي عن ابن يعقوب هذا عن ابن فضال أيضاً، فيبدو أنه كان شيخ إجازة في رواية كتب ابن فضال ومروياته، وكتب ابن فضال ـ كما مرّ في موضع سابق[4]ـ كانت من الكتب المشهورة المتداولة في ذلك العصر، وكان ذكر الطريق إليها عند النقل عنها لمجرد أن لا تكون الرواية مرسلة، ولذلك لا يبعد القول بأنه لا يضر عدم ثبوت وثاقة علي بن محمد بن يعقوب باعتبار الروايات المروية عن طريقه كالرواية المبحوث عنها. وعلى ذلك يمكن الاعتماد على هذه الرواية وتكون معتبرة كما وصفناها، فليتدبر.
(الرواية الثانية): صحيحة إبراهيم بن عثمان الخزاز[5]عن أبي عبد الله7قال: قلت له: كم يجزي في رؤية الهلال؟ فقال:«إن شهر رمضان فريضة من فرائض الله فلا تؤدوا بالتظني. وليس رؤية الهلال أن
[1]معجم رجال الحديث ج:16 ص:380 ط:نجف.
[2]لاحظ كامل الزيارات ص:247، وعلل الشرائع ج:2 ص:522 (في المطبوع: علي بن الحسين بدل علي بن الحسن، وهو تصحيف)، وتهذيب الأحكام ج:4 ص:162، 163، وفلاح السائل ص:168، 289، والاختصاص ص:51، 84.
[3]رجال النجاشي ص:98.
[4]لاحظ قبسات من علم الرجال ج:2 ص:275 ط:2.
[5]تهذيب الأحكام ج:4 ص:160.
يقوم عدة فيقول واحد: قد رأيته، ويقول الآخرون: لم نره، إذا رآه واحدرآه مائة، وإذا رآه مائة رآه ألف. ولا يجزي في رؤية الهلال إذا لم يكن في السماء علة أقل من شهادة خمسين، وإذا كانت في السماء علة قبلت شهادة رجلين يدخلان ويخرجان من مصر».
ونحوها خبر حبيب الخزاعي[1]قال: قال أبو عبد الله7:«لا تجوز الشهادة في رؤية الهلال دون خمسين رجلاً عدد القسامة، وإنما تجوز شهادة رجلين إذا كانا من خارج المصر وكان بالمصر علة فأخبرا أنهما رأياه وأخبرا عن قوم صاموا للرؤية».
وهذه الرواية غير نقية السند من جهة اشتماله على إسماعيل بن مرّار وهو لم يوثق على المختار كما مرّ مراراً.
بالإضافة إلى أن حبيب الخزاعي (الجماعي) لا توثيق له إلا من المفيد في الرسالة العددية، وقد مرّ في محله[2]بعض التأمل في الاعتماد على التوثيقات الواردة في هذه الرسالة.
إذاً العمدة هي الرواية الأولى، أي صحيحة إبراهيم بن عثمان الخزاز.
وجه الاستدلال بها هو أنها تدل بمقتضى مفهوم الشرط على تحديد اعتبار البينة على رؤية الهلال من خارج البلد بما إذا كان في سماء البلد علة، أي أنه إذا كانت السماء خالية مما يكون عائقاً عن رؤية الهلال فلا تقبل عندئذٍ شهادة البينة من خارج البلد على رؤية الهلال مطلقاً، مع أنه بناءً على القول بوحدة الآفاق لا وجه لعدم قبول شهادة البينة من خارج البلد في مثل ذلك على إطلاقه، إذ أقصى ما يقتضيه خلو السماء في البلد
[1]تهذيب الأحكام ج:4 ص:159، 317.
[2]قبسات من علم الرجال ج:1 ص:23.
من العلة هو عدم ظهور الهلال في أفقه قابلاً للرؤية، وهذا لا يمنع من الأخذ بشهادة البينة على رؤية الهلال من خارج البلد إذا كان يكفي في دخول الشهر في بلد المكلف إمكانية الرؤية ولو في مكان آخر مختلف عنه في الأفق.
وبالجملة: تقييد حجية البينة على رؤية الهلال المنبعثة من خارج البلد بما إذا كان في سماء البلد علة لا ينسجم على إطلاقه إلا مع القول باختلاف الآفاق في بداية الأشهر القمرية. وأما مع القول بالاتحاد فيفترض أن تقبل البينة من خارج البلد وإن لم يكن في سماء البلد علة إذا احتمل انبعاثها من بلد مختلف عنه في الأفق.
ولكن يمكن أن يناقش في هذا الاستدلال بأنه إنما يتم لو لم يكن مورد كلام الإمام7هو خصوص ما يثبت به هلال شهر رمضان لتمكين المكلف من الإتيان بصوم اليوم الأول منه أداءً، إذ لو كان7ناظراً إلى خصوص هذا المورد ـ كما يناسبه قوله7:«فلا تؤدوا بالتظني»ـ أمكن أن يقال: إنه لا إطلاق له حينئذٍ للأمكنة البعيدة التي تختلف في الأفق عن بلد المكلف، لأنه وفق وسائل النقل التي كانت متاحة في ذلك العصر لم يكن يتيسر وصول البينة من الأمكنة البعيدة قبل أن يفوت أداء صوم اليوم الأول من الشهر، فالمراد بشهادة البينة من خارج البلد هي الشهادة المنبعثة من مكان قريب التي تكون مع صفاء الجو في البلد وعدم رؤية الهلال فيه معارضة حكماً بشهادة المستهلين في البلد على عدم الرؤية، ولذلك لا يمكن الاعتماد عليها.
وبالجملة: إذا كانت الرواية ناظرة إلى ما يثبت به دخول شهر رمضان في البلد لكي يدرك به صيام اليوم الأول منه قبل فوات وقته فلا بد أن يكون موردها هو خصوص البينة المنبعثة من مكان قريب من بلد لا
يختلف عنه في الأفق ـ لعدم تيسر وصول البينة من الأماكن البعيدة جداً في ذلك العصر إلا بعد فوات صوم اليوم الأول ـ وعلى ذلك يكون وجه تحديد اعتبارها بوجود العلة المانعة من الرؤية في البلد هو تفادي وقوع المعارضة بينها وبين شهادة المستهلين في البلد على عدم ظهور الهلال في الأفق لا غير ذلك.
هذا ولكن الإنصاف أنه لا قرينة على كون مورد كلام الإمام7هو خصوص ما يثبت به هلال شهر رمضان قبل فوات صوم اليوم الأول منه، بل لا يبعد أن يكون شاملاً لما يثبت به ولو بعد ذلك الموجب لقضاء صوم ذلك اليوم، فإن قوله7:«لا تؤدوا بالتظني»ليس من الأداء في مقابل القضاء، بل من الأداء بمعنى الإتيان بالشيء الأعم من الأداء والقضاء.
ويشهد لكون المطلوب شرعاً عدم الإتيان بصوم رمضان قضاءً إلا مع إحراز الفوت وعدم الاكتفاء في ذلك بالتظني ما ورد في صحيحة هشام بن الحكم من قوله7:«إن كانت له بينة عادلة على أهل مصر أنهم صاموا ثلاثين على رؤية قضى يوماً»، وقوله7في موثقة سماعة:«إذا اجتمع أهل مصر على صيامه للرؤية فاقضه، إذا كان أهل المصر خمسمائة إنسان»، فإن إناطة القضاء بثبوت صيام أهل مصر عن رؤية لا مجرد قيام البينة عليها تدل على أن القضاء مثل الأداء لا بد فيه من إحراز كون ذلك اليوم من شهر رمضان.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن وصول البينة برؤية هلال أول رمضان من خارج المصر قبل طلوع الفجر كان أمراً قليل الوقوع عادة في تلك الأزمنة، وأما وصولها في الصباح فكان لا يجدي عادة لإدراك صوم ذلك اليوم لبناء المعظم على إكمال عدة شعبان والإفطار قبل وصول البينة.
وربما يشهد لتأخر وصول البينة على رؤية الهلال عن أول النهار عادة ما ورد في بعض النصوص[1]من أنه إذا أصبح الناس صياماً ولم يروا الهلال ـ أي هلال شوال ـ وجاء قوم عدول يشهدون على الرؤية فليفطروا وليخرجوا من الغد أول النهار إلى عيدهم، فليتأمل.
وبالجملة: كون مورد الصحيحة المبحوث عنها هو خصوص صورة وصول البينة من خارج المصر على رؤية هلال رمضان بحيث يدرك أهل المصر صيام ذلك اليوم أداءً بعيد، خصوصاً مع ما ورد في خبر حبيب الخزاعي من قوله7:«فأخبرا أنهما رأياه، وأخبرا عن قوم صاموا للرؤية»، فإن إخبار الشاهدين عن قوم صاموا للرؤية يقتضي خروجهما من بلد القوم في أثناء النهار.
والحاصل: أنه لا يبعد شمول الصحيحة لما إذا قامت البينة على رؤية الهلال من خارج البلد بعد انقضاء ذلك اليوم، مما يقتضي إطلاقها لما إذا كانت البينة من بلد بعيد مختلف عن بلد المكلف في الأفق.
بل لو بني على اختصاصها بالبينة المنبعثة من مكان قريب فإنه يمكن فرض اختلاف ذلك المكان عن بلد المكلف في الأفق، كما إذا افترض أن مكان الرؤية يقع في حافة المساحة التي يرى فيها هلال ذلك الشهر في تلك الليلة، بحيث لو ابتعد عنها شمالاً أو شرقاً ولو بمقدار خمسين كيلو متراً ـ مثلاً ـ لم يكن الهلال قابلاً للرؤية وكان بلد المكلف على البعد المذكور، فإن هذا الفرض وإن كان نادراً ولكنه يكفي في البناء على شمول الصحيحة لصورة انبعاث البينة من مكان مختلف عن بلد المكلف في الأفق، فيجري البيان المتقدم من أن تقييد الاعتماد على البينة المنبعثة من خارج البلد بما إذا كان في سماء البلد علة لا ينسجم على إطلاقه إلا مع القول
[1]الكافي ج:4 ص:169.