ثلاثين»ثنائية مسوقة لتحقق الموضوع فلا مفهوم لها، إذ مع عدم العلة لا موضوع للأمر التعبدي بالإتمام ثلاثين يوماً، بل إما أنه يرى الهلال فيحرز دخول الشهر الجديد، وإما أن لا يرى فيكون تكملة للشهر الأول بالوجدان.
وأما بناءً على وحدة الآفاق فتكون الشرطية المذكورة ثلاثية أي مشتملة على موضوع وشرط وجزاء، ويكون مفهومها أنه لا أمر تعبدي بالإتمام ثلاثين يوماً عند عدم العلة في السماء، مع أنه لا ريب في الحاجة إليه في صورة احتمال الرؤية في مكان آخر، وهي الصورة التي ينعقد لها المفهوم بلحاظها، دون صورة عدم احتمال الرؤية في أي مكان آخر[1]، إذ من الواضح أنه لا موضوع فيها للأمر التعبدي بذلك، لفرض إحراز عدم حلول الشهر الجديد بالوجدان بعد خلو السماء في البلد من العلة وعدم رؤية الهلال فيه وعدم احتمال رؤيته في سائر الأمكنة.
والحاصل: أنه بناءً على القول باتحاد الآفاق لا وجه لتعليق الأمر التعبدي بإتمام شعبان ثلاثين يوماً على وجود العلة في السماء، فإنه ليس من قبيل تعليق الحكم على وجود الموضوع ـ كما هو الحال على القول باختلاف الآفاق ـ بل من قبيل تعليق الجزاء على تحقق الشرط مع وجود الموضوع، في حين أن وجود العلة في السماء ليس شرطاً في ترتب الحكم المذكور، أي الأمر التعبدي بإتمام شعبان ثلاثين يوماً، فإنه مما يحتاج إليه
[1]تجدر الإشارة إلى أن مفهوم الجملة الشرطية لو كان شاملاً لهذه الصورة لأمكن البناء على كون الغرض من استخدام أداة الشرط هو إفادة عدم شمول الحكم لها ـ بقرينة ثبوت الحاجة إلى التعبد الشرعي في صورة احتمال الرؤية في مكان آخر ـ ولا يضر كونها من قبيل الفرد النادر، فإن ما لا يستساغ هو حمل المطلق على الفرد النادر، وأما حمل المفهوم ـ الذي هو مدلول تبعي للمنطوق ـ عليه فلا محذور فيه، وقد ذكر وجهه في شرح (المسألة 344) من مسائل السعي من (بحوث في شرح مناسك الحج).
على كل حال سواء أكان في سماء البلد علة أم لا، فالشرطية المذكورة تدل على تمامية القول باختلاف الآفاق لا محالة.
وبعبارة أخرى: إن الأمر بإتمام شعبان ثلاثين يوماً المذكور في ذيل الصحيحة إنما هو تعبد شرعي باستمرار شهر شعبان بعد اليوم التاسع والعشرين، ومقتضى الشرطية أنه لا مورد له فيما إذا لم تكن في السماء علة، وهذا إنما يتجه فيما لو بني على القول باختلاف الآفاق بحيث كان عدم ظهور الهلال في الأفق المحلي مع كون السماء صافية وكثرة المستهلين الموجب لإحراز عدم وجود الهلال في الأفق مغنياً عن التعبد الشرعي باستمرار الشهر الأول، وأما بناءً على القول بوحدة الآفاق فتبقى الحاجة إلى التعبد ببقاء الشهر الأول حتى لو كانت السماء صافية تماماً وأُحرز وجداناً عدم ظهور الهلال في الأفق المحلي، لاحتمال ظهوره في بلد مختلف عنه في الأفق، والمفروض أنه يكفي ذلك في دخول الشهر الجديد في الأماكن التي لم يظهر الهلال فيها، فأي مبرر لاستخدام أداة الشرط وتعليق الأمر التعبدي بإتمام شعبان ثلاثين يوماً على وجود العلة في السماء؟!
إذاً يتجه القول بدلالة الشرطية المذكورة على صحة القول باختلاف الآفاق ولكن دلالتها إنما هي بالإطلاق.
وتشبه صحيحة محمد بن مسلم المذكورة في الدلالة على ما ذكر عدة روايات أخرى ..
منها: صحيحة محمد بن قيس[1]عن أبي جعفر7قال:«قال أمير المؤمنين7أنه قال: وإن غم عليكم فعدّوا ثلاثين ثم افطروا».
[1]تهذيب الأحكام ج:4 ص:177ـ178.
ومنها: معتبرة إسحاق بن عمار[1]عن أبي عبد الله7أنه قال:«في كتاب علي7: صم لرؤيته وأفطر لرؤيته، وإياك والشك والظن، فإن خفي عليكم فأتموا الشهر الأول ثلاثين».
فإن المراد بقوله7:«خفي»هو خفي مطلع الهلال أي بالغيم أو نحوه، وليس المراد هو خفاء الهلال نفسه، فإن (خفي) بمعنى استتر كما نصوا عليه في المعاجم اللغوية مما يقتضي كون الشيء موجوداً ولكن مستوراً بشيء آخر، ومن الواضح أنه مع إحراز وجود الهلال ولو مستوراً بالغيم ونحوه يحكم بدخول الشهر الجديد، ولا محل لإتمام الشهر الأول ثلاثين.
ومنها: ما روي عن النبي6من أنه قال:«صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين».
وقد ذكره السيد المرتضى (قدس سره) في بعض رسائله[2]وقال: (هذا الخبر وإن كان من طريق الآحاد .. فقد أجمعت الأمة على قبوله ـ وإن اختلفوا في تأويله ـ فما رده أحد منهم، ولا شكك فيه).
هذا وأما ما ورد في معتبرة إسحاق بن عمار وغيرها من قوله7:«لا تصم إلا أن تراه»، فهو مسوق لبيان عدم مشروعية صوم اليوم اللاحق للتاسع والعشرين من شعبان بنية رمضان من دون رؤية الهلال في ليلته، وهو وإن كان أعم من كون عدم الرؤية من جهة وجود الغيم أو من جهة عدم ظهور الهلال في الأفق، إلا أنه لا يقتضي كون استمرار شعبان تعبدياً على التقديرين، بل يجوز أن لا يكون تعبدياً على التقدير الثاني كما هو مقتضى القول باختلاف الآفاق، وهو مورد معتبرة معمر بن خلاد
[1]تهذيب الأحكام ج:4 ص:158.
[2]رسائل الشريف المرتضى ج:2 ص:20ـ21.
المتقدمة حيث لامه الإمام7على صيامه بالرغم من عدم العلة المانعة من رؤية هلال رمضان في الأفق المحلي.
وأما قوله7:«صم للرؤية وافطر للرؤية»المذكور في عدة روايات فقد تقدم أنه مسوق لبيان لزوم إحراز ظهور الهلال على الأفق بالحس وعدم كفاية الحدس في ذلك ـ أي في ترتيب آثار رمضان أو شوال ـ ولا دلالة له على التعبد الشرعي باستمرار شعبان أو رمضان مع عدم رؤية الهلال على كل حال.
هذه هي الروايات التي يمكن أن يستدل بها للقول باختلاف الآفاق.
مبعدات القول باتحاد الآفاق
وهناك أمور يمكن أن تعدّ مبعدات للقول بوحدة الآفاق، مما يعضد القول باختلافها، وهي كما يأتي ..
(الأمر الأول)[1]: أنه لا ريب في أن العرب قبل الإسلام كان جلّ اعتمادهم في حساب الأيام على أوضاع القمر وملاحظة منازله، وكانوا يعبّرون عنه في كل ليلة من الشهر على حسب ما هو به من الضياء وغيره من الخصوصيات، كما كانوا يسمون الثلاث ليال الأولى بـ(غُرَر) والثلاث التي تليها بـ(سَمر) والثلاث التي تليها بـ(زُهر) وهكذا ـ ذكر ذلك المؤرخ المسعودي[2]ـ ولما جاء الإسلام أقرّ العرب في اعتمادهم على الأشهر القمرية، قال تعالى[3]:(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ)أي أنها أوقات مضروبة للناس في أمور معاشهم ومعادهم.
[1]لاحظ أسئلة حول رؤية الهلال مع أجوبتها ص:10.
[2]مروج الذهب ومعادن الجوهر ج:2 ص:193، 195.
[3]البقرة:189.
وفي ضوء ذلك أقول: إنه لو بني على القول باختلاف الآفاق في بداية الأشهر القمرية كان مقتضى ذلك أن الأهلة تكون مواقيت واقعية لجميع الناس، ففي كل شهر إذا ظهر الهلال في الأفق المحلي يدخل الشهر الجديد في ذلك المكان، ففي قسم من الكرة الأرضية يكون ذلك في ليلة الخميس ـ مثلاً ـ وفي قسم منها يكون في ليلة الجمعة، وفي كلا القسمين يكون الهلال ميقاتاً مطابقاً للواقع.
وأما إذا بني على القول بوحدة الآفاق فلا محالة لا يكون الهلال في ليلة الجمعة في أول ظهوره في بعض الأماكن ـ بعد سبق ظهوره في ليلة الخميس في أماكن أُخر ـ ميقاتاً مطابقاً للواقع بل ميقاتاً خاطئاً، أي أن الناس يتخيلون في تلك الأماكن أن الهلال هذا مؤشر إلى كون ليلة ظهوره هي ليلة أول الشهر مع أنها بحسب الواقع هي الليلة الثانية.
ويكون هذا في مساحات شاسعة من الكرة الأرضية في كل شهر، تزيد وتنقص بحسب اختلاف الشهور، مثلاً: في شهر شعبان من العام (1437 هـ) الجاري كان الهلال في ليلة الأحد الثامن من شهر أيار قابلاً للرؤية في معظم القارتين الأمريكيتين وقارة أفريقيا وجزء صغير من جنوب الجزيرة العربية، ولم تتيسر رؤيته في بقية البقاع كأوروبا وآسيا وأستراليا إلا في الليلة التالية. وفي شهر رمضان الآتي سيكون الهلال في ليلة الإثنين السادس من شهر حزيران قابلاً للرؤية في قسم من قارة أمريكا الجنوبية ولا يكون قابلاً للرؤية في بقية الأماكن ولا سيما آسيا وأفريقيا وأوربا وأستراليا.
وهكذا الحال في بقية الشهور، يكون الهلال قابلاً للرؤية في ليلة في قسم من البقاع ولا يكون قابلاً للرؤية في القسم الآخر إلا في الليلة اللاحقة، فإذا بني على القول بوحدة الآفاق اقتضى ذلك أن يكون ظهور
الهلال لأول مرة في القسم الثاني ميقاتاً خاطئاً، لأنه يؤشر إلى دخول الشهر الجديد في حين أن المفروض دخوله حتى في هذه البقاع في الليلة الماضية.
وهذا نظير أن يبنى على أن منتصف الليل يكون في الساعة الثانية عشرة في جميع أنحاء العالم ولكن تكون في كل بلد ساعة كبيرة يتاح للناس النظر إليها ومعرفة الوقت من خلالها فقط، وتكون هذه الساعة في قسم من العالم متأخرة بمقدار ستين دقيقة مثلاً، أي أنها لا تؤشر إلى الساعة الثانية عشرة إلا بعد مضي ساعة من ذلك في سائر الأماكن.
ويمكن أن يقال: إن من غير المقبول عقلائياً تحديد وقت موحد لجميع الناس في مختلف أرجاء المعمورة، مع كون ما جعل متاحاً للتعرف عليه خاطئاً في كثير من الحالات، ولا سيما مع عدم انكشاف ذلك للناس إلا بعد فوات الأوان أو عدم انكشافه مطلقاً، كما كان عليه الحال في الأزمنة السابقة في غالب الأحيان.
(الأمر الثاني)[1]: أن النبي6والأئمة:كان صيامهم وفطرهم وحجهم وسائر أعمالهم التي لها أيام محددة من الأشهر القمرية وفق ما تقتضيه رؤية الهلال في أماكن سكناهم أو البلاد القريبة منها، ولو كان غير ذلك لظهر وبان وتمثل في الروايات، مع أنه ليس فيها ما يشير إليه أصلاً.
بل ظاهر العديد منها هو ما ذكرناه كمعتبرة معمر بن خلاد المتقدمة، ومعتبرة أبي علي ابن راشد[2]قال: كتب إلي أبو الحسن العسكري7كتاباً وأرخه يوم الثلاثاء لليلة بقيت من شعبان، وذلك في سنة اثنين وثلاثين ومائتين، وكان يوم الأربعاء يوم شك، وصام أهل بغداد يوم
[1]لاحظ أسئلة حول رؤية الهلال مع أجوبتها ص:14.
[2]تهذيب الأحكام ج:4 ص:167.
الخميس، وأخبروني أنهم رأوا الهلال ليلة الخميس ولم يغب إلا بعد الشفق بزمان طويل. قال: فاعتقدت أن الصوم يوم الخميس وأن الشهر كان عندنا ببغداد يوم الأربعاء. قال: فكتب إلي:«زادك الله توفيقاً فقد صمت بصيامنا». قال: ثم لقيته بعد ذلك فسألته عما كتبت به إليه. فقال لي:«أو لم أكتب إليك إنما صمت الخميس، ولا تصم إلا للرؤية».
وهذه الرواية معتبرة السند، فإن أبا علي بن راشد قد وثقه الشيخ في كتاب الرجال[1]، وكان وكيلاً للإمام الهادي7كما ذكر ذلك في ترجمته[2].
والشيخ (قدس سره) قد ابتدأ هذه الرواية بـ(أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد) الذي هو من مشايخ أستاذه المفيد، فيبدو أنه أخذها من كتاب أستاذه المتقدم ذكره، والرجل وإن لم يوثق في كتب الرجال ولكن مرّ في موضع سابق[3]أنه من مشايخ الإجازة الذين لا يضر وجودهم في الأسانيد باعتبارها.
فلا خدش في سند الرواية، وقد وردت بالنص المذكور في التهذيب المطبوع وغيره، ولكن في هامش جامع الأحاديث[4]هكذا: إن في بعض النسخ: (كتبت إلى أبي الحسن العسكري كتاباً وأرخته). والظاهر أن هذا هو الصواب بقرينة قوله في الذيل: (فسألته عما كتبت به إليه).
وأما قوله: (فاعتقدت أن الصوم يوم الخميس وأن الشهر كان عندنا ببغداد يوم الأربعاء) فلا يخلو من خلل، والمقصود واضح وهو أنه اعتقد
[1]رجال الطوسي ص:375.
[2]اختيار معرفة الرجال ج:2 ص:801.
[3]قبسات من علم الرجال ج:1 ص:151 ط:2.
[4]جامع الأحاديث ج:10 ص:328 الهامش.
أن الناس قد صاموا يوم الخميس في بغداد متأخرين يوماً لأن الأربعاء كان أول الشهر بدليل أن الهلال بقي طويلاً بعد الشفق في ليلة الخميس.
هذا والمذكور في المصادر التاريخية أن الإمام الهادي7كان في سنة (232 هـ) بعدُ في المدينة المنورة وإنما أُشخص إلى العراق في العام اللاحق[1]، والملاحظ بمراجعة البرامج الكومبيوترية التي توضح أوضاع الهلال في السنين السابقة أن هلال رمضان في ذلك العام كان في ليلة الأربعاء (20 نيسان سنة 847 م) قابلاً للرؤية بوضوح في معظم القارة الأفريقية والأمريكيتين، وأما في الجزيرة العربية والعراق والشام ونحوها من المناطق فلم يكن قابلاً للرؤية بالعين المجردة إلا مع صفاء الجو تماماً، وهو ما لا يتحقق في أجواء مناطقنا إلا قليلاً، ويبدو أن هذا هو السبب في عدم رؤية الهلال في بغداد ولا في المدينة المنورة إلا في ليلة الخميس.
ومهما يكن فإن تصريح الإمام7بأنه إنما صام يوم الخميس يدل بوضوح على أنه7إنما كان يتبع ما تقتضيه رؤية الهلال في بلد سكناه دون الأماكن الأخرى.
وبالجملة: لا ينبغي الشك في أنهم:كانوا يعتمدون في بداية الأشهر الهلالية على الرؤية في بلدانهم أو ما هو قريب منها كسائر المسلمين.
هذا من جهة، ومن جهة ثانية فإنه لا ريب أن في تلك الأزمنة ـ كما في زماننا هذا ـ كانت رؤية الهلال متيسرة في كثير من الأشهر في بعض البلدان البعيدة في ليلة سابقة على ليلة تيسرها في العراق والحجاز وخراسان ونحوها ـ كما يعرف ذلك بملاحظة البرامج الكومبيوترية الحديثة التي تبيّن أوضاع القمر لمئات السنين السابقة واللاحقة، ومرّ أنموذج من
[1]المنتظم في تاريخ الأمم والملوك ج:11 ص:195.