يخضع للتجارب المعتمدة على رصد الهلال ميدانياً، ولكن في غالب الشهور يكون هناك مكان ما يعدّ هو القدر المتيقن مما يمكن أن يرى فيه الهلال بالعين المجردة لكونه بالمواصفات المطلوبة يقيناً.
وملخص القول: أن العلم بوضع الهلال في مختلف البلدان في ليلة الشك وإن لم يكن علماً فعلياً لمن يعرف المعادلات الرياضية الفلكية لكي يمتنع عدم العمل بمقتضاه، بل هو مما يتوقف على إجراء تلك المعادلات كمن يسأَل عن حاصل ضرب (66) في (77) ـ مثلاً ـ فإنه وإن لم يكن يعلمه بالعلم الفعلي لكن إذا كان عارفاً بكيفية العملية الحسابية (الضرب) يمكنه خلال ثوان الوصول إلى النتيجة الصحيحة. فالعلم بأوضاع الأهلة لمن يعرف المعادلات الرياضية الفلكية بهذه المثابة فيمكن أن لا تكون وظيفته في الصيام أو الفطر القيام باستحصال العلم المذكور بل يكتفى منه بالاعتماد على ما يقتضيه التعبد الشرعي ببقاء الشهر الأول مع الشك في ظهور الهلال في مكان آخر، ولكن هذا إذا كان لا يؤدي إلى التخلف عن الواقع في موارد كثيرة ـ كما في حالات الغيم التي هي محدودة في حدّ ذاتها، والبناء على إكمال العدة فيها لا يخالف الواقع في جملة من ذلك بطبيعة الحال ـ لا يعدّ أمراً مستبعداً، وأما إذا كانت العبرة في أوائل الأشهر القمرية برؤية الهلال في مكان ما على الكرة الأرضية فالتخلف عن الواقع يقع كثيراً، ويمكن أن يستبعد عدم قيام الأئمة:بالاعتماد على هذه الطريقة لإحراز الواقع في أعمال أنفسهم ولإخبار شيعتهم أو الخواص منهم بذلك ولو في بعض الموارد والحالات.
(الأمر الثالث): ما ذكره بعض الأعلام[1]ـ كما حكي عن مجلس درسه ـ من أنه لو بني على وحدة الآفاق ودخول الشهر في بلد المكلف
[1]السيد الشبيري الزنجاني (دامت بركاته).
بإمكانية رؤية الهلال في أي مكان آخر ولو كان مختلفاً عنه في الأفق لم يكن يبقى مورد يتيقن فيه بأيام الشهور القمرية في الأزمنة السابقة، فإن أقصى ما كان هناك هو أن يرى المكلف الهلال في الكوفة أو المدينة المنورة ـ مثلاً ـ أول ما يراه ضعيفاً جداً بحيث يتيقن بأنه هلال ابن ليلة واحدة في بلده، ولكن ما كان له نفي احتمال إمكانية رؤيته في الليلة السابقة في مكان ما في العالم، فلم يكن يبقى مورد متيقن للأيام التي لها أعمال خاصة في الشرع المقدس حتى يأتي بها في تلك الأيام.
وأما استصحاب عدم دخول الشهر الجديد فهو لا يثبت أن غداً أول الشهر، وإنما أقصى ما يثبته هو عدم دخول الشهر الجديد إلى الآن، ولذلك لا يمكن ترتيب الآثار الشرعية المختصة بعناوين الأيام كاليوم الأول واليوم العاشر وأيام البيض ونحو ذلك استناداً إلى الاستصحاب المذكور. مع أن من المؤكد أن سيرة المتشرعة كانت على إجراء أحكام الأيام وفق ما تقتضيه الرؤية في بلدانهم من دون الاعتناء باحتمال الرؤية في أماكن أخرى.
أقول: يمكن أن يقال: إن اليوم الأول من الشهر هو اليوم الذي ظهر الهلال في ليلته ولم يظهر في الليلة السابقة عليه، فالموضوع مركب من جزئين والأول محرز بالوجدان والثاني يمكن إحرازه بالأصل الموضوعي ـ أي استصحاب عدم ظهور الهلال في الليلة السابقة في أي مكان في العالم ـ فيلتئم الموضوع المركب ويترتب الأثر.
ولكن هذا البيان غير تام، فإن أول الشهر ـ مثلاً ـ عنوان انتزاعي، وإجراء الاستصحاب في منشأ انتزاعه لغرض إثباته يعدّ من الأصل المثبت الذي لا يعول عليه.
نعم ذكر السيد الأستاذ (قدس سره) في أصوله[1]أن بالإمكان (إثبات عنوان الأولية بالاستصحاب بنحو لا يكون من الأصل المثبت، بتقريب أنه بعد مضي دقيقة من اليوم الذي نشك في أوليته ـ أي نشك في أنه أول الشهر الجديد أو الثاني منه ـ نقطع بدخول أول الشهر، لكنا لا ندري أنه هل هو هذا اليوم ليكون باقياً أو الذي قبله ليكون ماضياً، فنحكم ببقائه بالاستصحاب، وتترتب عليه الآثار الشرعية كحرمة الصوم ـ صوم يوم العيد ـ مثلاً).
ولكن هذا البيان لم يقبله من أتى بعده، وقد نوقش في كلماتهم بوجوه لا حاجة إلى التعرض لها. والذي ينبغي الإشارة إليه هو أنه (قدس سره) قد ذكر بنفسه في كتاب الصوم[2]ما يقتضي كون هذا الاستصحاب الوجودي معارضاً بالاستصحاب العدمي، وتقريبه أنه يعلم بعدم تحقق اليوم الأول قبل حلول هذا اليوم بأحد عدمين، إما بالعدم السابق على وجوده المعبر عنه بالعدم الأزلي، أو بالعدم اللاحق لوجوده المعبر عنه بالعدم الحادث، فعلى تقدير كون عدمه من قبيل العدم السابق فقد انتقض بوجوده قطعاً، كما أنه على تقدير كونه من قبيل العدم اللاحق يكون باقياً في هذا اليوم قطعاً فيشك في النتيجة في بقاء عدم اليوم الأول الجامع بين العدمين وهو قابل للاستصحاب، وما يناقض وجود اليوم الأول هو طبيعي عدمه لا خصوص العدم اللاحق كما هو ظاهر، فاستصحاب عدم تحقق اليوم الأول يعارض استصحاب بقائه، وهو من قبيل تعارض الاستصحابين بالذات لوحدة متعلقيهما وجوداً وعدماً، ومزيد الكلام حول هذا محله في علم الأصول.
[1]مصباح الأصول ج:3 ص:165 ط:النجف.
[2]مستند العروة الوثقى (كتاب الصوم) ج:2 ص:130 ط:النجف.
وبالجملة: لا سبيل إلى إثبات عنوان الأولية ونحوها بالاستصحاب.
ولكن يمكن أن يقال: إن المتفاهم العرفي مما دل على أنه«إذا غم عليكم الشهر فأكملوا العدة ثلاثين»هو إجراء أحكام اليوم الأول من الشهر الجديد على ما بعد اليوم الذي بني على كونه الثلاثين، وهكذا في سائر عناوين الأيام، وإذا بني على القول بوحدة الآفاق فحيث لا يحتمل الفرق بين كون الشك في حلول أول الشهر من جهة الغيم وبين كونه من جهة احتمال ظهور الهلال في مكان آخر أمكن ترتيب آثار أول الشهر على ما بعد يوم الشك حتى في الحالة الثانية فيندفع الإشكال المذكور.
ومع الغض عن هذا البيان يمكن أن يقال: إنه بعد وضوح جريان سيرة المسلمين على ترتيب الأحكام الخاصة بعناوين الأيام وعدم التوقف في ذلك متصلاً بعصر المعصومين:يدور الأمر بين وجهين ..
أحدهما: أن يكون ذلك من جهة حجية الأصل المثبت في هذا المورد بخصوصه، فإن عدم حجيته بصورة عامة إنما هو من جهة قصور دليله لا عدم إمكان ذلك، فلا مانع من الالتزام بحجيته في بعض الموارد بقيام الدليل فيه عليها.
ثانيهما: أن يكون ذلك من جهة عدم تمامية القول بوحدة الأفاق، فإذا كانت السماء في البلد خالية من العلة ولم ير الهلال يحرز بذلك وجداناً عدم دخول الشهر الجديد، ولا أثر لاحتمال رؤيته في مكان آخر مختلف عنه في الأفق.
وعلى هذا الوجه تحرز عناوين الأيام بالوجدان من دون حاجة إلى الأصل المثبت.
ومع دوران الأمر بين هذين الوجهين لا سبيل إلى ترجيح الوجه الثاني على الأول ـ ليقتضي بطلان القول بوحدة الآفاق ـ فإنه مما لا دليل
عليه، بل لو تم ما استدل به للقول بوحدة الآفاق أمكن أن يجعل ـ بضميمة السيرة العملية المذكورة ـ دليلاً على تعيّن الوجه الأول كما لا يخفى.
والحاصل: أن ما ذكر من أن مقتضى القول بوحدة الآفاق هو عدم إمكان ترتيب الآثار الشرعية المختصة بعناوين الأيام في شيء من الموارد غير تام.
نعم يمكن أن يقال: إن مقتضى القول المذكور هو أن إحراز عناوين الأيام من الأول والثالث وغيرهما كان يتم في الأزمنة السابقة اعتماداً على التعبد الشرعي في جميع الموارد، إذ لم يكن آنذاك طريق متعارف للتأكد من وضع الهلال في الأماكن البعيدة عن بلاد المكلفين، فإذا لم ير الهلال في بلد المكلف في ليلة الثلاثين احتمل لا محالة إمكانية رؤيته في بلد آخر بعيد عنه في تلك الليلة فلا بد من الاعتماد على التعبد الشرعي في البناء على كون الليلة التي بعدها هي ليلة أول الشهر. بل وكذلك إذا رئي الهلال في الليلة الثلاثين فإنه لا يحرز وجداناً أن غداً أول الشهر الجديد، لاحتمال وقوع الخطأ في بداية الشهر السابق.
وبالجملة: مقتضى القول بوحدة الآفاق هو أنه لم يكن في الأزمنة السابقة سبيل إلى إحراز عناوين الأيام إلا اعتماداً على التعبد الشرعي.
وهذا بعيد جداً عن المرتكزات، فإنه لا ريب في أن ارتكازهم كان قائماً على إمكان إحراز أول الشهر بالوجدان إذا رئي الهلال في ليلة الثلاثين أو رئي في الليلة اللاحقة ضعيفاً جداً غير مرتفع عن الأفق بحيث لم يحتمل أن يكون ابن ليلتين. وعلى ذلك فيمكن أن يعدّ هذا الأمر من مبعدات القول المذكور بالإضافة إلى الأمرين المتقدمين.
وفي مقابلها ما ذُكر مبعداً للقول باختلاف الآفاق، وهو ما ورد في ما كتب بأمرٍ من السيد الأستاذ (قدس سره) في الجواب عن الرسالة الثانية لبعض
تلامذته[1]، وحاصله: أن الهلال يرى في كل شهر لأول مرة في مساحة واسعة من الكرة الأرضية ولكن تلك المساحة غير ثابتة، فربما تقع في أفريقيا وآسيا، وأخرى في أفريقيا وأمريكا، وثالثة في شرق أسيا وأستراليا وهكذا، ومقتضى ذلك اشتراك بلدين متباعدين جداً في أول الشهر الجديد وعدم الاشتراك مع بلد مجاور قريب من أحدهما.
هذا بحسب المكان، وأما بحسب الزمان فيلزم أن يكون بلدان بعيدان مشتركين في الأفق في شهر وغير مشتركين في شهر آخر وهذا كله مما لا يمكن الالتزام به لا عرفاً ولا فقهياً.
ولكن هذا الكلام غير وجيه، فإن التفريق بين بلدين مجاورين والتشريك بين بلدين متباعدين آتٍ أيضاً على القول بوحدة الآفاق وفق الضابط الذي تبناه السيد الأستاذ (قدس سره) من لزوم الاشتراك في جزء من الليل، فإن مقتضاه ـ كما تقدم ـ أن ما يقع في نهاية نصف الكرة الأرضية المشارك مع بلد الرؤية في آخر لحظات الليل يكون أول الشهر فيه مختلفاً عما يقع قبله في النصف الآخر الذي كان ذلك الزمان فيه أول لحظات النهار مع أنهما بلدان متجاوران، هذا بحسب المكان.
وأما بحسب الزمان فالأمر كذلك، فإن أول مكان يرى فيه الهلال يختلف باختلاف الشهور، فالنصف من الكرة الأرضية المشارك مع هذا المكان آنذاك في الليل يختلف باختلاف ذلك لا محالة، بل إن الاشتراك في جزء من الليل مما يختلف أيضاً باختلاف الفصول وطول الليل وقصره مما يلزم أن يكون بلدان بعيدان مشتركين في الأفق في شهر وغير مشتركين في شهر آخر، فإن كان هذا محذوراً ـ وليس كذلك ـ فهو لازم كلا القولين، فكيف يجعل مبعداً للقول باختلاف الآفاق؟!
[1]رؤيت هلال ج:2 ص:897.
رؤية الهلال في مكان هل هي أمارة شرعية على إمكانية رؤيته في أماكن أخرى؟
يبقى هنا أمر، وهو أنه بناءً على القول باختلاف الآفاق ـ أي أنه لا يحكم بدخول الشهر الجديد في أي بقعة إلا مع كون الهلال قابلاً للرؤية فيها أو في مكان يتحد معها أفقاً في ذلك الشهر ـ إذا رئي الهلال في مكان وشك في أنه متحد الأفق مع بلد المكلف أو لا، أي هل كان بالإمكان رؤيته في بلد المكلف أيضاً لولا الموانع من غيم ونحوه، يكون مقتضى القاعدة عدم البناء على الاتحاد وأن الرؤية في ذلك المكان لا تكفي للحكم بدخول الشهر في بلد المكلف.
ولكن الملاحظ أن جمعاً من الفقهاء من القائلين بالقول المذكور قالوا: إذا رئي الهلال في مكان فإنه يكون دليلاً على إمكانية رؤيته في بلد المكلف ما لم يحرز خلافه. وهذا هو ظاهر العلامة (قدس سره)[1]في ذيل كلامه في المنتهى كما مرَّ النقل عنه، ومرَّ أيضاً أن السيد صاحب المدارك (قدس سره) قد استجوده وبنى عليه. وممن التزم به أيضاً من الفقهاء المتأخرين الشيخ آل ياسين (قدس سره)[2]في تعليقته الشريفة على العروة حيث علق على قول السيد (طاب ثراه): (فإن كانا متقاربين كفى وإلا فلا) بقوله: (بل كفى أيضاً إلا أن يعلم اختلاف أفقهما على إشكال).
ومنهم السيد الحكيم (قدس سره) في المستمسك[3]فإنه بعد أن بيّن أنه إذا رئي الهلال في البلاد الشرقية لبلد المكلف يكشف ذلك عن إمكانية رؤيته في بلد المكلف أيضاً قال ما لفظه: (ولو رئي في الغربية فالأخذ بإطلاق
[1]منتهى المطلب في تحقيق المذهب ج:9 ص:255.
[2]العروة الوثقى ج:3 ص:631 التعليقة:1.
[3]مستمسك العروة الوثقى ج:8 ص:470.
النص ـ أي الدال على كفاية الرؤية في مصر آخر ـ غير بعيد، إلا أن يعلم بعدم الرؤية ـ يعني في بلد المكلف ـ إذ لا مجال حينئذٍ للحكم الظاهري).
ولكنه (قدس سره) لم يفت بذلك في المنهاج[1]بل قال: (إذا رئي الهلال في بلد كفى في الثبوت في غيره مع اشتراكهما في الآفاق بحيث اذا رئي في بلد الرؤية رئي فيه، أما مع اختلافهما فيها ففيه إشكال).
وبما تقدم يظهر أن نسبة القول باتحاد الآفاق إلى السيد الحكيم في المستمسك ـ كما وردت في كلام السيد الأستاذ (قدس سره) في بحثه (تفاصيل ثبوت الهلال) ـ غير تامة، فإنه (قدس سره) لم يلتزم باتحاد الآفاق بل باختلافها ولكن بنى على أنه إذا رئي الهلال في مكان وشك في أنه كان قابلاً للرؤية في بلد المكلف تكون رؤيته في ذلك المكان أمارة على إمكانية رؤيته في بلده أيضاً، وهذا أمر آخر مختلف تماماً عن القول باتحاد الآفاق كما لا يخفى، وهكذا الحال بالنسبة إلى العلامة (قدس سره) في المنتهى، كما مرّ الإيعاز إلى ذلك.
وكيف ما كان فقد يستدل للأمارية المدعاة بإطلاق ما دل على لزوم صيام يوم الشك أو قضائه بقيام البينة على ثبوت الرؤية في بلد آخر، بدعوى أنه ليس فيه ما يقتضي الاختصاص بالبلدان القريبة. نعم إذا كان البلد مما يحرز اختلاف أفقه عن أفق بلد المكلف فحيث لا محل عندئذٍ للحكم الظاهري فلا أثر لرؤية الهلال فيه بالنسبة إليه.
وقد أجيب عن هذا الاستدلال[2]بأن دليل حجية البينة إنما يقتضي حجيتها في إثبات ما أخبرت به، فإن كان ما أخبرت به عين موضوع الحكم الشرعي أو ملازماً له تعين العمل عليها، وإلا لم ينهض دليل حجيتها بلزوم العمل عليها. وحينئذٍ إن كان موضوع العمل مطلق ظهور الهلال
[1]منهاج الصالحين ج:1 ص:394.
[2]مصباح المنهاج (كتاب الصوم) ص:323.