بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 149

وبالجملة: لا سبيل إلى إثبات عنوان الأولية ونحوها بالاستصحاب.

ولكن يمكن أن يقال: إن المتفاهم العرفي مما دل على أنه«إذا غم عليكم الشهر فأكملوا العدة ثلاثين»هو إجراء أحكام اليوم الأول من الشهر الجديد على ما بعد اليوم الذي بني على كونه الثلاثين، وهكذا في سائر عناوين الأيام، وإذا بني على القول بوحدة الآفاق فحيث لا يحتمل الفرق بين كون الشك في حلول أول الشهر من جهة الغيم وبين كونه من جهة احتمال ظهور الهلال في مكان آخر أمكن ترتيب آثار أول الشهر على ما بعد يوم الشك حتى في الحالة الثانية فيندفع الإشكال المذكور.

ومع الغض عن هذا البيان يمكن أن يقال: إنه بعد وضوح جريان سيرة المسلمين على ترتيب الأحكام الخاصة بعناوين الأيام وعدم التوقف في ذلك متصلاً بعصر المعصومين:يدور الأمر بين وجهين ..

أحدهما: أن يكون ذلك من جهة حجية الأصل المثبت في هذا المورد بخصوصه، فإن عدم حجيته بصورة عامة إنما هو من جهة قصور دليله لا عدم إمكان ذلك، فلا مانع من الالتزام بحجيته في بعض الموارد بقيام الدليل فيه عليها.

ثانيهما: أن يكون ذلك من جهة عدم تمامية القول بوحدة الأفاق، فإذا كانت السماء في البلد خالية من العلة ولم ير الهلال يحرز بذلك وجداناً عدم دخول الشهر الجديد، ولا أثر لاحتمال رؤيته في مكان آخر مختلف عنه في الأفق.

وعلى هذا الوجه تحرز عناوين الأيام بالوجدان من دون حاجة إلى الأصل المثبت.

ومع دوران الأمر بين هذين الوجهين لا سبيل إلى ترجيح الوجه الثاني على الأول ـ ليقتضي بطلان القول بوحدة الآفاق ـ فإنه مما لا دليل


صفحه 150

عليه، بل لو تم ما استدل به للقول بوحدة الآفاق أمكن أن يجعل ـ بضميمة السيرة العملية المذكورة ـ دليلاً على تعيّن الوجه الأول كما لا يخفى.

والحاصل: أن ما ذكر من أن مقتضى القول بوحدة الآفاق هو عدم إمكان ترتيب الآثار الشرعية المختصة بعناوين الأيام في شيء من الموارد غير تام.

نعم يمكن أن يقال: إن مقتضى القول المذكور هو أن إحراز عناوين الأيام من الأول والثالث وغيرهما كان يتم في الأزمنة السابقة اعتماداً على التعبد الشرعي في جميع الموارد، إذ لم يكن آنذاك طريق متعارف للتأكد من وضع الهلال في الأماكن البعيدة عن بلاد المكلفين، فإذا لم ير الهلال في بلد المكلف في ليلة الثلاثين احتمل لا محالة إمكانية رؤيته في بلد آخر بعيد عنه في تلك الليلة فلا بد من الاعتماد على التعبد الشرعي في البناء على كون الليلة التي بعدها هي ليلة أول الشهر. بل وكذلك إذا رئي الهلال في الليلة الثلاثين فإنه لا يحرز وجداناً أن غداً أول الشهر الجديد، لاحتمال وقوع الخطأ في بداية الشهر السابق.

وبالجملة: مقتضى القول بوحدة الآفاق هو أنه لم يكن في الأزمنة السابقة سبيل إلى إحراز عناوين الأيام إلا اعتماداً على التعبد الشرعي.

وهذا بعيد جداً عن المرتكزات، فإنه لا ريب في أن ارتكازهم كان قائماً على إمكان إحراز أول الشهر بالوجدان إذا رئي الهلال في ليلة الثلاثين أو رئي في الليلة اللاحقة ضعيفاً جداً غير مرتفع عن الأفق بحيث لم يحتمل أن يكون ابن ليلتين. وعلى ذلك فيمكن أن يعدّ هذا الأمر من مبعدات القول المذكور بالإضافة إلى الأمرين المتقدمين.

وفي مقابلها ما ذُكر مبعداً للقول باختلاف الآفاق، وهو ما ورد في ما كتب بأمرٍ من السيد الأستاذ (قدس سره) في الجواب عن الرسالة الثانية لبعض


صفحه 151

تلامذته[1]، وحاصله: أن الهلال يرى في كل شهر لأول مرة في مساحة واسعة من الكرة الأرضية ولكن تلك المساحة غير ثابتة، فربما تقع في أفريقيا وآسيا، وأخرى في أفريقيا وأمريكا، وثالثة في شرق أسيا وأستراليا وهكذا، ومقتضى ذلك اشتراك بلدين متباعدين جداً في أول الشهر الجديد وعدم الاشتراك مع بلد مجاور قريب من أحدهما.

هذا بحسب المكان، وأما بحسب الزمان فيلزم أن يكون بلدان بعيدان مشتركين في الأفق في شهر وغير مشتركين في شهر آخر وهذا كله مما لا يمكن الالتزام به لا عرفاً ولا فقهياً.

ولكن هذا الكلام غير وجيه، فإن التفريق بين بلدين مجاورين والتشريك بين بلدين متباعدين آتٍ أيضاً على القول بوحدة الآفاق وفق الضابط الذي تبناه السيد الأستاذ (قدس سره) من لزوم الاشتراك في جزء من الليل، فإن مقتضاه ـ كما تقدم ـ أن ما يقع في نهاية نصف الكرة الأرضية المشارك مع بلد الرؤية في آخر لحظات الليل يكون أول الشهر فيه مختلفاً عما يقع قبله في النصف الآخر الذي كان ذلك الزمان فيه أول لحظات النهار مع أنهما بلدان متجاوران، هذا بحسب المكان.

وأما بحسب الزمان فالأمر كذلك، فإن أول مكان يرى فيه الهلال يختلف باختلاف الشهور، فالنصف من الكرة الأرضية المشارك مع هذا المكان آنذاك في الليل يختلف باختلاف ذلك لا محالة، بل إن الاشتراك في جزء من الليل مما يختلف أيضاً باختلاف الفصول وطول الليل وقصره مما يلزم أن يكون بلدان بعيدان مشتركين في الأفق في شهر وغير مشتركين في شهر آخر، فإن كان هذا محذوراً ـ وليس كذلك ـ فهو لازم كلا القولين، فكيف يجعل مبعداً للقول باختلاف الآفاق؟!

[1]رؤيت هلال ج:2 ص:897.


صفحه 152

رؤية الهلال في مكان هل هي أمارة شرعية على إمكانية رؤيته في أماكن أخرى؟

يبقى هنا أمر، وهو أنه بناءً على القول باختلاف الآفاق ـ أي أنه لا يحكم بدخول الشهر الجديد في أي بقعة إلا مع كون الهلال قابلاً للرؤية فيها أو في مكان يتحد معها أفقاً في ذلك الشهر ـ إذا رئي الهلال في مكان وشك في أنه متحد الأفق مع بلد المكلف أو لا، أي هل كان بالإمكان رؤيته في بلد المكلف أيضاً لولا الموانع من غيم ونحوه، يكون مقتضى القاعدة عدم البناء على الاتحاد وأن الرؤية في ذلك المكان لا تكفي للحكم بدخول الشهر في بلد المكلف.

ولكن الملاحظ أن جمعاً من الفقهاء من القائلين بالقول المذكور قالوا: إذا رئي الهلال في مكان فإنه يكون دليلاً على إمكانية رؤيته في بلد المكلف ما لم يحرز خلافه. وهذا هو ظاهر العلامة (قدس سره)[1]في ذيل كلامه في المنتهى كما مرَّ النقل عنه، ومرَّ أيضاً أن السيد صاحب المدارك (قدس سره) قد استجوده وبنى عليه. وممن التزم به أيضاً من الفقهاء المتأخرين الشيخ آل ياسين (قدس سره)[2]في تعليقته الشريفة على العروة حيث علق على قول السيد (طاب ثراه): (فإن كانا متقاربين كفى وإلا فلا) بقوله: (بل كفى أيضاً إلا أن يعلم اختلاف أفقهما على إشكال).

ومنهم السيد الحكيم (قدس سره) في المستمسك[3]فإنه بعد أن بيّن أنه إذا رئي الهلال في البلاد الشرقية لبلد المكلف يكشف ذلك عن إمكانية رؤيته في بلد المكلف أيضاً قال ما لفظه: (ولو رئي في الغربية فالأخذ بإطلاق

[1]منتهى المطلب في تحقيق المذهب ج:9 ص:255.

[2]العروة الوثقى ج:3 ص:631 التعليقة:1.

[3]مستمسك العروة الوثقى ج:8 ص:470.


صفحه 153

النص ـ أي الدال على كفاية الرؤية في مصر آخر ـ غير بعيد، إلا أن يعلم بعدم الرؤية ـ يعني في بلد المكلف ـ إذ لا مجال حينئذٍ للحكم الظاهري).

ولكنه (قدس سره) لم يفت بذلك في المنهاج[1]بل قال: (إذا رئي الهلال في بلد كفى في الثبوت في غيره مع اشتراكهما في الآفاق بحيث اذا رئي في بلد الرؤية رئي فيه، أما مع اختلافهما فيها ففيه إشكال).

وبما تقدم يظهر أن نسبة القول باتحاد الآفاق إلى السيد الحكيم في المستمسك ـ كما وردت في كلام السيد الأستاذ (قدس سره) في بحثه (تفاصيل ثبوت الهلال) ـ غير تامة، فإنه (قدس سره) لم يلتزم باتحاد الآفاق بل باختلافها ولكن بنى على أنه إذا رئي الهلال في مكان وشك في أنه كان قابلاً للرؤية في بلد المكلف تكون رؤيته في ذلك المكان أمارة على إمكانية رؤيته في بلده أيضاً، وهذا أمر آخر مختلف تماماً عن القول باتحاد الآفاق كما لا يخفى، وهكذا الحال بالنسبة إلى العلامة (قدس سره) في المنتهى، كما مرّ الإيعاز إلى ذلك.

وكيف ما كان فقد يستدل للأمارية المدعاة بإطلاق ما دل على لزوم صيام يوم الشك أو قضائه بقيام البينة على ثبوت الرؤية في بلد آخر، بدعوى أنه ليس فيه ما يقتضي الاختصاص بالبلدان القريبة. نعم إذا كان البلد مما يحرز اختلاف أفقه عن أفق بلد المكلف فحيث لا محل عندئذٍ للحكم الظاهري فلا أثر لرؤية الهلال فيه بالنسبة إليه.

وقد أجيب عن هذا الاستدلال[2]بأن دليل حجية البينة إنما يقتضي حجيتها في إثبات ما أخبرت به، فإن كان ما أخبرت به عين موضوع الحكم الشرعي أو ملازماً له تعين العمل عليها، وإلا لم ينهض دليل حجيتها بلزوم العمل عليها. وحينئذٍ إن كان موضوع العمل مطلق ظهور الهلال

[1]منهاج الصالحين ج:1 ص:394.

[2]مصباح المنهاج (كتاب الصوم) ص:323.


صفحه 154

ولو في غير مكان المكلف تعين العمل بها في المقام ولو مع العلم بعدم ظهوره في مكان المكلف، وإن كان موضوعه خصوص ظهوره في مكان المكلف لم ينهض دليل حجية البينة بترتب العمل إلا أن تخبر برؤيته في مكان المكلف أو في مكان يلازم ظهوره في مكانه ولا ينفع مع الشك في ذلك، لعدم نهوضها بإثبات موضوع العمل. نعم لو ثبت أن وجود الهلال في بقعة من الأرض أمارة شرعاً على وجوده في تمام بقاعها اتجه العمل على البينة مع الشك، لحجيتها في إثبات الإمارة على موضوع العمل، ويمتنع حجية مؤداها مع العلم بعدم ثبوته، لكن الأمارية المذكورة تحتاج إلى دليل آخر غير دليل حجية البينة، وهو مفقود.

أقول: يمكن أن يقال: إن مفاد صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله‌ ومعتبرة إسحاق بن عمار في قوله7:«فإن شهد أهل بلد آخر أنهم رأوه فاقضه»هو إناطة وجوب قضاء يوم الشك بتحقق الشياع على رؤية الهلال في ليلته في البلد الآخر، لا مجرد قيام البينة على ذلك، والشياع يوجب العلم الوجداني كما هو واضح.

وكذلك مفاد صحيحة هشام بن الحكم:«إن كانت له بينة عادلة على أهل مصر أنهم صاموا ثلاثين على رؤية قضى يوماً»هو كون العبرة في وجوب القضاء بتحقق الشياع في البلد الآخر على الرؤية، أقصى الأمر أنه يكفي في إحراز الشياع قيام البينة عليه ولا حاجة إلى إحرازه بالوجدان.

وبالجملة: مفاد النصوص المذكورة ليس هو حجية البينة على الرؤية في البلد الآخر، بل كفاية ثبوت الرؤية فيه بالشياع الموجب للعلم الوجداني في وجوب صيام يوم الشك على المكلف أو وجوب قضائه عليه مع الفوت، ومن الواضح أن هذا ليس حكماً تعبدياً صرفاً، بل هو لأحد وجهين: إما كون رؤية الهلال في ذلك البلد أمارة شرعية على قابليته


صفحه 155

للرؤية في بلد المكلف، أو كون موضوع الحكم بدخول الشهر في بلد المكلف هو أن يرى الهلال في مكان ما وإن لم يتحد معه في الأفق.

وعلى الأول يختص لا محالة بغير مورد العلم بالخلاف، أي ما إذا علم بأنه غير قابل للرؤية في بلد المكلف. وعلى الثاني يكون أعم من ذلك، أي سواء أكان قابلاً للرؤية في بلد المكلف أم لا. والأول هو مقتضى ما ذكره السيد الحكيم (قدس سره) وغيره من القائلين بالأمارية، والثاني هو مقتضى ما ذهب إليه القائلون بوحدة الآفاق، ولعل السيد الحكيم (قدس سره) رجح الاحتمال الأول لأن دخول الشهر في بلد المكلف مع إحراز عدم قابلية الهلال للرؤية فيه خلاف المرتكزات.

ولكن قد يقال: إن مقتضى الاحتمال الأول هو حمل إطلاق النصوص المذكورة على القليل من الموارد، لأن غالب البلدان الأخرى إما يعلم اختلاف آفاقها مع أفق بلد المكلف وهي البلاد البعيدة جداً، وإما أن يعلم اتحاد آفاقها معه وهي البلاد القريبة جداً. وأما ما يشك في اتحاد أفقه مع أفق بلد المكلف فهو قليل نسبياً، فلا يناسب أن تكون النصوص المذكورة ناظرة إليه بالخصوص.

إلا أن هذا الكلام ليس تاماً، فإن مجرد كون بلد الرؤية بعيداً جداً من بلد المكلف لا يقتضي اختلاف أفقه معه في رؤية الهلال، فإن في غالب الشهور نجد في المساحة التي يرى فيها الهلال على سطح الكرة الأرضية الكثير من البلاد المتباعدة جداً كأستراليا والعراق، وإيران وغرب أفريقيا ونحو ذلك.

والأولى أن يقال: إنه لا محل لحمل النصوص المشار إليها على خصوص البلاد التي يشك في كون رؤية الهلال فيها تستلزم إمكانية رؤيته في بلد المكلف أو لا ليتعين حملها على الأمارية، فإن القدر المتيقن من


صفحه 156

البلد الآخر في تلكم النصوص هو البلد القريب الذي تستلزم الرؤية فيه إمكانية الرؤية في بلد المكلف أيضاً، ومن الواضح أنه لا يمكن أن يستظهر من خطاب واحد أنه بصدد بيان أمرين: الكاشفية الواقعية للرؤية في البلد الآخر في مورد اتحاد الأفق، والكاشفية الظاهرية في مورد الشك في ذلك، إلا مع وجود قرينة على ذلك وهي مفقودة في المقام.

إذاً الاحتمال الأول الذي بنى عليه السيد الحكيم (قدس سره) مما لا يمكن الالتزام به، فيتعين البناء على الاحتمال الثاني لو لم يكن على خلاف المرتكزات بحدّ يمنع من الالتزام به، وإلا فلا محيص من حمل البلد الآخر على البلاد التي تتفق في الأفق مع بلد المكلف.

هذا إذا لم يخدش في إطلاق تلك النصوص من وجه آخر ـ تقدم في مناقشة الاستدلال بها للقول بوحدة الآفاق ـ وإلا فمن الواضح أنه لا محل للاستدلال بها لأمارية الرؤية في بلد على إمكانية الرؤية في سائر البلدان.

ثم إنه يمكن تقريب الاستدلال للأمارية المذكورة برواية أخرى أيضاً وهي صحيحة إبراهيم بن عثمان الخزاز المتقدمة، من جهة أن قوله7فيها:«وإذا كانت في السماء علة قبلت شهادة رجلين يدخلان ويخرجان من مصر»يدل على اختصاص مورد حجية البينة على الرؤية من خارج المصر بما إذا لم يحرز عدم قابلية الهلال للرؤية في المصر نفسه، فإن التقييد بوجود العلة إنما هو لأجل إخراج صورة عدم رؤية الهلال في الأفق مع خلوه من العلة الذي يحرز به وجداناً عدم ظهوره فيه، فلا يتأتّى في هذه الرواية احتمال أن يكون المراد بها هو الحكم بدخول الشهر في بلد المكلف ولو مع اليقين بعدم كون الهلال قابلاً للرؤية فيه في ليلة الثلاثين من شعبان، فيتعين أن يكون المراد هو أمارية الرؤية في خارج المصر على إمكانية الرؤية في المصر نفسه، وهذا هو المطلوب.