بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 152

رؤية الهلال في مكان هل هي أمارة شرعية على إمكانية رؤيته في أماكن أخرى؟

يبقى هنا أمر، وهو أنه بناءً على القول باختلاف الآفاق ـ أي أنه لا يحكم بدخول الشهر الجديد في أي بقعة إلا مع كون الهلال قابلاً للرؤية فيها أو في مكان يتحد معها أفقاً في ذلك الشهر ـ إذا رئي الهلال في مكان وشك في أنه متحد الأفق مع بلد المكلف أو لا، أي هل كان بالإمكان رؤيته في بلد المكلف أيضاً لولا الموانع من غيم ونحوه، يكون مقتضى القاعدة عدم البناء على الاتحاد وأن الرؤية في ذلك المكان لا تكفي للحكم بدخول الشهر في بلد المكلف.

ولكن الملاحظ أن جمعاً من الفقهاء من القائلين بالقول المذكور قالوا: إذا رئي الهلال في مكان فإنه يكون دليلاً على إمكانية رؤيته في بلد المكلف ما لم يحرز خلافه. وهذا هو ظاهر العلامة (قدس سره)[1]في ذيل كلامه في المنتهى كما مرَّ النقل عنه، ومرَّ أيضاً أن السيد صاحب المدارك (قدس سره) قد استجوده وبنى عليه. وممن التزم به أيضاً من الفقهاء المتأخرين الشيخ آل ياسين (قدس سره)[2]في تعليقته الشريفة على العروة حيث علق على قول السيد (طاب ثراه): (فإن كانا متقاربين كفى وإلا فلا) بقوله: (بل كفى أيضاً إلا أن يعلم اختلاف أفقهما على إشكال).

ومنهم السيد الحكيم (قدس سره) في المستمسك[3]فإنه بعد أن بيّن أنه إذا رئي الهلال في البلاد الشرقية لبلد المكلف يكشف ذلك عن إمكانية رؤيته في بلد المكلف أيضاً قال ما لفظه: (ولو رئي في الغربية فالأخذ بإطلاق

[1]منتهى المطلب في تحقيق المذهب ج:9 ص:255.

[2]العروة الوثقى ج:3 ص:631 التعليقة:1.

[3]مستمسك العروة الوثقى ج:8 ص:470.


صفحه 153

النص ـ أي الدال على كفاية الرؤية في مصر آخر ـ غير بعيد، إلا أن يعلم بعدم الرؤية ـ يعني في بلد المكلف ـ إذ لا مجال حينئذٍ للحكم الظاهري).

ولكنه (قدس سره) لم يفت بذلك في المنهاج[1]بل قال: (إذا رئي الهلال في بلد كفى في الثبوت في غيره مع اشتراكهما في الآفاق بحيث اذا رئي في بلد الرؤية رئي فيه، أما مع اختلافهما فيها ففيه إشكال).

وبما تقدم يظهر أن نسبة القول باتحاد الآفاق إلى السيد الحكيم في المستمسك ـ كما وردت في كلام السيد الأستاذ (قدس سره) في بحثه (تفاصيل ثبوت الهلال) ـ غير تامة، فإنه (قدس سره) لم يلتزم باتحاد الآفاق بل باختلافها ولكن بنى على أنه إذا رئي الهلال في مكان وشك في أنه كان قابلاً للرؤية في بلد المكلف تكون رؤيته في ذلك المكان أمارة على إمكانية رؤيته في بلده أيضاً، وهذا أمر آخر مختلف تماماً عن القول باتحاد الآفاق كما لا يخفى، وهكذا الحال بالنسبة إلى العلامة (قدس سره) في المنتهى، كما مرّ الإيعاز إلى ذلك.

وكيف ما كان فقد يستدل للأمارية المدعاة بإطلاق ما دل على لزوم صيام يوم الشك أو قضائه بقيام البينة على ثبوت الرؤية في بلد آخر، بدعوى أنه ليس فيه ما يقتضي الاختصاص بالبلدان القريبة. نعم إذا كان البلد مما يحرز اختلاف أفقه عن أفق بلد المكلف فحيث لا محل عندئذٍ للحكم الظاهري فلا أثر لرؤية الهلال فيه بالنسبة إليه.

وقد أجيب عن هذا الاستدلال[2]بأن دليل حجية البينة إنما يقتضي حجيتها في إثبات ما أخبرت به، فإن كان ما أخبرت به عين موضوع الحكم الشرعي أو ملازماً له تعين العمل عليها، وإلا لم ينهض دليل حجيتها بلزوم العمل عليها. وحينئذٍ إن كان موضوع العمل مطلق ظهور الهلال

[1]منهاج الصالحين ج:1 ص:394.

[2]مصباح المنهاج (كتاب الصوم) ص:323.


صفحه 154

ولو في غير مكان المكلف تعين العمل بها في المقام ولو مع العلم بعدم ظهوره في مكان المكلف، وإن كان موضوعه خصوص ظهوره في مكان المكلف لم ينهض دليل حجية البينة بترتب العمل إلا أن تخبر برؤيته في مكان المكلف أو في مكان يلازم ظهوره في مكانه ولا ينفع مع الشك في ذلك، لعدم نهوضها بإثبات موضوع العمل. نعم لو ثبت أن وجود الهلال في بقعة من الأرض أمارة شرعاً على وجوده في تمام بقاعها اتجه العمل على البينة مع الشك، لحجيتها في إثبات الإمارة على موضوع العمل، ويمتنع حجية مؤداها مع العلم بعدم ثبوته، لكن الأمارية المذكورة تحتاج إلى دليل آخر غير دليل حجية البينة، وهو مفقود.

أقول: يمكن أن يقال: إن مفاد صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله‌ ومعتبرة إسحاق بن عمار في قوله7:«فإن شهد أهل بلد آخر أنهم رأوه فاقضه»هو إناطة وجوب قضاء يوم الشك بتحقق الشياع على رؤية الهلال في ليلته في البلد الآخر، لا مجرد قيام البينة على ذلك، والشياع يوجب العلم الوجداني كما هو واضح.

وكذلك مفاد صحيحة هشام بن الحكم:«إن كانت له بينة عادلة على أهل مصر أنهم صاموا ثلاثين على رؤية قضى يوماً»هو كون العبرة في وجوب القضاء بتحقق الشياع في البلد الآخر على الرؤية، أقصى الأمر أنه يكفي في إحراز الشياع قيام البينة عليه ولا حاجة إلى إحرازه بالوجدان.

وبالجملة: مفاد النصوص المذكورة ليس هو حجية البينة على الرؤية في البلد الآخر، بل كفاية ثبوت الرؤية فيه بالشياع الموجب للعلم الوجداني في وجوب صيام يوم الشك على المكلف أو وجوب قضائه عليه مع الفوت، ومن الواضح أن هذا ليس حكماً تعبدياً صرفاً، بل هو لأحد وجهين: إما كون رؤية الهلال في ذلك البلد أمارة شرعية على قابليته


صفحه 155

للرؤية في بلد المكلف، أو كون موضوع الحكم بدخول الشهر في بلد المكلف هو أن يرى الهلال في مكان ما وإن لم يتحد معه في الأفق.

وعلى الأول يختص لا محالة بغير مورد العلم بالخلاف، أي ما إذا علم بأنه غير قابل للرؤية في بلد المكلف. وعلى الثاني يكون أعم من ذلك، أي سواء أكان قابلاً للرؤية في بلد المكلف أم لا. والأول هو مقتضى ما ذكره السيد الحكيم (قدس سره) وغيره من القائلين بالأمارية، والثاني هو مقتضى ما ذهب إليه القائلون بوحدة الآفاق، ولعل السيد الحكيم (قدس سره) رجح الاحتمال الأول لأن دخول الشهر في بلد المكلف مع إحراز عدم قابلية الهلال للرؤية فيه خلاف المرتكزات.

ولكن قد يقال: إن مقتضى الاحتمال الأول هو حمل إطلاق النصوص المذكورة على القليل من الموارد، لأن غالب البلدان الأخرى إما يعلم اختلاف آفاقها مع أفق بلد المكلف وهي البلاد البعيدة جداً، وإما أن يعلم اتحاد آفاقها معه وهي البلاد القريبة جداً. وأما ما يشك في اتحاد أفقه مع أفق بلد المكلف فهو قليل نسبياً، فلا يناسب أن تكون النصوص المذكورة ناظرة إليه بالخصوص.

إلا أن هذا الكلام ليس تاماً، فإن مجرد كون بلد الرؤية بعيداً جداً من بلد المكلف لا يقتضي اختلاف أفقه معه في رؤية الهلال، فإن في غالب الشهور نجد في المساحة التي يرى فيها الهلال على سطح الكرة الأرضية الكثير من البلاد المتباعدة جداً كأستراليا والعراق، وإيران وغرب أفريقيا ونحو ذلك.

والأولى أن يقال: إنه لا محل لحمل النصوص المشار إليها على خصوص البلاد التي يشك في كون رؤية الهلال فيها تستلزم إمكانية رؤيته في بلد المكلف أو لا ليتعين حملها على الأمارية، فإن القدر المتيقن من


صفحه 156

البلد الآخر في تلكم النصوص هو البلد القريب الذي تستلزم الرؤية فيه إمكانية الرؤية في بلد المكلف أيضاً، ومن الواضح أنه لا يمكن أن يستظهر من خطاب واحد أنه بصدد بيان أمرين: الكاشفية الواقعية للرؤية في البلد الآخر في مورد اتحاد الأفق، والكاشفية الظاهرية في مورد الشك في ذلك، إلا مع وجود قرينة على ذلك وهي مفقودة في المقام.

إذاً الاحتمال الأول الذي بنى عليه السيد الحكيم (قدس سره) مما لا يمكن الالتزام به، فيتعين البناء على الاحتمال الثاني لو لم يكن على خلاف المرتكزات بحدّ يمنع من الالتزام به، وإلا فلا محيص من حمل البلد الآخر على البلاد التي تتفق في الأفق مع بلد المكلف.

هذا إذا لم يخدش في إطلاق تلك النصوص من وجه آخر ـ تقدم في مناقشة الاستدلال بها للقول بوحدة الآفاق ـ وإلا فمن الواضح أنه لا محل للاستدلال بها لأمارية الرؤية في بلد على إمكانية الرؤية في سائر البلدان.

ثم إنه يمكن تقريب الاستدلال للأمارية المذكورة برواية أخرى أيضاً وهي صحيحة إبراهيم بن عثمان الخزاز المتقدمة، من جهة أن قوله7فيها:«وإذا كانت في السماء علة قبلت شهادة رجلين يدخلان ويخرجان من مصر»يدل على اختصاص مورد حجية البينة على الرؤية من خارج المصر بما إذا لم يحرز عدم قابلية الهلال للرؤية في المصر نفسه، فإن التقييد بوجود العلة إنما هو لأجل إخراج صورة عدم رؤية الهلال في الأفق مع خلوه من العلة الذي يحرز به وجداناً عدم ظهوره فيه، فلا يتأتّى في هذه الرواية احتمال أن يكون المراد بها هو الحكم بدخول الشهر في بلد المكلف ولو مع اليقين بعدم كون الهلال قابلاً للرؤية فيه في ليلة الثلاثين من شعبان، فيتعين أن يكون المراد هو أمارية الرؤية في خارج المصر على إمكانية الرؤية في المصر نفسه، وهذا هو المطلوب.


صفحه 157

ولكن يرد على هذا الاستدلال ما تقدم نظيره آنفاً من أنه لا يمكن حمل الرواية على خصوص صورة الشك في إمكانية الرؤية في البلد، لأنه حمل لها على غير القدر المتيقن من موردها، وهو البلد القريب الذي يحرز اتحاد أفقه مع أفق بلد المكلف، كما لا يمكن أن تحمل على إرادة كليهما ـ بكون الرؤية في خارج المصر كاشفاً واقعياً عن إمكانية الرؤية في المصر على تقدير وكاشفاً ظاهرياً على تقدير آخر ـ لأنه يحتاج إلى القرينة كما مرّ. فالمتعين حملها على خصوص البلاد التي تتحد في الأفق مع بلد المكلف، وقد مرّ في بحث سابق ذكر قرينة أخرى على إرادة هذا المعنى أيضاً.

تبقى الإشارة إلى أنه ربما يخطر بالبال أن مقتضى السيرة العملية المتصلة بزمن المعصومين:هو الاكتفاء بثبوت رؤية الهلال في بلد للبلدان القريبة منه مما يشك في كونه قابلاً للرؤية فيها، وسيرة المتشرعة هذه تصلح دليلاً على الأمارية المدعاة.

ولكن الإنصاف أنه لا سبيل إلى التأكد من تماميتها، بل لا يبعد القول بأن الاكتفاء برؤية الهلال في بلد للبناء على دخول الشهر في البلدان القريبة منه إنما كان مبنياً على الاطمئنان باتحادها في الأفق، وأن عدم رؤية الهلال في تلك البلدان بالرغم من قيام الناس بالاستهلال فيها إنما هو من جهة ضعف الهلال وعدم ارتفاعه ووجود بعض الشوائب غير المرئية في الأفق ونحو ذلك، فليتأمل.

وهكذا يتضح أن ما ذهب إليه جمع من الفقهاء القائلين باختلاف الآفاق من أمارية الرؤية في بلد على إمكان الرؤية في سائر البلدان مما لا يمكن إتمامه بموجب الصناعة.


صفحه 158

كيف يكون الموقف من أدلة القولين مع تماميتها في حدّ ذاتها؟

ثم إنه بعد الانتهاء من استعراض أدلة القولين المعروفين في بداية الأشهر القمرية ـ أي القول بوحدة الآفاق والقول باختلافها ـ أقول:

إن بني على تمامية أدلة القول الأول كلاً أو بعضاً دون أدلة القول الثاني، أو بني على تمامية أدلة القول الثاني كلاً أو بعضاً دون أدلة القول الأول فالأمر واضح، وإذا بني على عدم تمامية أدلة أي من القولين فلا بد من الرجوع إلى ما تقتضيه القاعدة من الأصل اللفظي إن وجد وإلا فالأصل العملي، وسيأتي الكلام فيهما.

أما إذا بني على أن أدلة كلا القولين ـ كلاً أو بعضاً ـ تامة في حدّ ذاتها، فماذا سيكون الموقف منهما عندئذٍ؟

الذي ينبغي أن يقال هو: أنه إن بني على أن المبعدات المتقدمة للقول بوحدة الآفاق واضحة وقوية بحدّ تمنع من الالتزام بهذا القول فلا محيص من البناء على حمل المطلقات التي استدل بها للقول المذكور ـ من صحيحة هشام بن الحكم ومعتبرة إسحاق بن عمار وغيرهما ـ على خصوص البلاد التي لا تختلف مع بلد المكلف في الأفق[1].

علماً أنه لا حاجة في معرفة ذلك في الجملة إلى الاستعانة بخرائط الفلكيين ومحاسباتهم، فإن ملاحظة مدى ارتفاع الهلال على الأفق ومقدار حجمه وبقائه بعد غروب الشمس يساعد على معرفة ما يشترك مع مكان الرؤية في إمكانية الرؤية من الجهات الأربع. وأما بملاحظة ما يتيسر في

[1]لا حملها على البلاد القريبة منه ـ كما ورد التعبير بذلك في كلمات غير واحد من الفقهاء ـ لكي يعترض عليه كما ذكره بعضهم بأنه مما لا ضابط له، فقد يكون بلد الرؤية قريباً من بلد المكلف ولا يشتركان في الأفق في بعض الشهور، لوقوع بلد الرؤية في حافة المسافة التي يرى فيها الهلال في ذلك الشهر ووقوع بلد المكلف في شرقه أو في شماله مثلاً ولو على بعد خمسين كيلومتراً فقط.


صفحه 159

زماننا هذا من الرجوع إلى المعلومات الفلكية الدقيقة فقد أصبح الأمر أسهل بكثير، فإنه إذا عرفت مواصفات الهلال في بلد الرؤية من ناحية ارتفاعه والقسم المنار وبُعده عن الشمس وعلم بأنه يكون بمثل هذه المواصفات أو بما هو أفضل منها في بلد آخر يحصل الاطمئنان بأنه يكون قابلاً للرؤية في ذلك البلد أيضاً، بل إذا كان بمواصفات أدنى ولكن ثبت من خلال التجارب المتكررة أنه قابل للرؤية بتلك المواصفات أيضاً يحصل الاطمئنان بذلك.

مثلاً: إذا رئي الهلال في العراق بارتفاع اثنتي عشرة درجة وبحجم (3%) من أكبر قطر يبلغه القرص، وبالنظر إلى ما بين العراق وبلاد خراسان من تفاوت في خطوط الطول والعرض أحرز أن الهلال لا يكون في أفق بلاد خراسان في تلك الليلة بارتفاع أقل من عشر درجات وبحجم أقل من (2.5%) يمكن الاطمئنان بكونه قابلاً للرؤية في بلاد خراسان أيضاً، لأن التجارب المتكررة دلتنا على إمكانية رؤية الهلال بالعين المجردة إذا كان بالمواصفات المذكورة.

وبالجملة: إن بني على أن مبعدات القول بوحدة الآفاق واضحة وقوية جداً فلا بد من حمل المطلقات على البلاد التي لا تختلف في الأفق مع بلد المكلف.

وأما معتبرة محمد بن عيسى الحاكية لمكاتبة أبي عمرو فلا بد أن تحمل على هذا التقدير على إرادة معنى آخر غير كفاية الرؤية في مصر ونحوها للعراق ونحوه، وقد مرّ بيان ما يمكن حملها عليه عند المناقشة في دلالتها على القول المذكور.

وأما إذا بني على أن المبعدات المتقدمة ليست قوية بحدّ تحتم رفع اليد عن أدلة القول بوحدة الآفاق، ولكن بني على تمامية الروايات التي