بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 155

للرؤية في بلد المكلف، أو كون موضوع الحكم بدخول الشهر في بلد المكلف هو أن يرى الهلال في مكان ما وإن لم يتحد معه في الأفق.

وعلى الأول يختص لا محالة بغير مورد العلم بالخلاف، أي ما إذا علم بأنه غير قابل للرؤية في بلد المكلف. وعلى الثاني يكون أعم من ذلك، أي سواء أكان قابلاً للرؤية في بلد المكلف أم لا. والأول هو مقتضى ما ذكره السيد الحكيم (قدس سره) وغيره من القائلين بالأمارية، والثاني هو مقتضى ما ذهب إليه القائلون بوحدة الآفاق، ولعل السيد الحكيم (قدس سره) رجح الاحتمال الأول لأن دخول الشهر في بلد المكلف مع إحراز عدم قابلية الهلال للرؤية فيه خلاف المرتكزات.

ولكن قد يقال: إن مقتضى الاحتمال الأول هو حمل إطلاق النصوص المذكورة على القليل من الموارد، لأن غالب البلدان الأخرى إما يعلم اختلاف آفاقها مع أفق بلد المكلف وهي البلاد البعيدة جداً، وإما أن يعلم اتحاد آفاقها معه وهي البلاد القريبة جداً. وأما ما يشك في اتحاد أفقه مع أفق بلد المكلف فهو قليل نسبياً، فلا يناسب أن تكون النصوص المذكورة ناظرة إليه بالخصوص.

إلا أن هذا الكلام ليس تاماً، فإن مجرد كون بلد الرؤية بعيداً جداً من بلد المكلف لا يقتضي اختلاف أفقه معه في رؤية الهلال، فإن في غالب الشهور نجد في المساحة التي يرى فيها الهلال على سطح الكرة الأرضية الكثير من البلاد المتباعدة جداً كأستراليا والعراق، وإيران وغرب أفريقيا ونحو ذلك.

والأولى أن يقال: إنه لا محل لحمل النصوص المشار إليها على خصوص البلاد التي يشك في كون رؤية الهلال فيها تستلزم إمكانية رؤيته في بلد المكلف أو لا ليتعين حملها على الأمارية، فإن القدر المتيقن من


صفحه 156

البلد الآخر في تلكم النصوص هو البلد القريب الذي تستلزم الرؤية فيه إمكانية الرؤية في بلد المكلف أيضاً، ومن الواضح أنه لا يمكن أن يستظهر من خطاب واحد أنه بصدد بيان أمرين: الكاشفية الواقعية للرؤية في البلد الآخر في مورد اتحاد الأفق، والكاشفية الظاهرية في مورد الشك في ذلك، إلا مع وجود قرينة على ذلك وهي مفقودة في المقام.

إذاً الاحتمال الأول الذي بنى عليه السيد الحكيم (قدس سره) مما لا يمكن الالتزام به، فيتعين البناء على الاحتمال الثاني لو لم يكن على خلاف المرتكزات بحدّ يمنع من الالتزام به، وإلا فلا محيص من حمل البلد الآخر على البلاد التي تتفق في الأفق مع بلد المكلف.

هذا إذا لم يخدش في إطلاق تلك النصوص من وجه آخر ـ تقدم في مناقشة الاستدلال بها للقول بوحدة الآفاق ـ وإلا فمن الواضح أنه لا محل للاستدلال بها لأمارية الرؤية في بلد على إمكانية الرؤية في سائر البلدان.

ثم إنه يمكن تقريب الاستدلال للأمارية المذكورة برواية أخرى أيضاً وهي صحيحة إبراهيم بن عثمان الخزاز المتقدمة، من جهة أن قوله7فيها:«وإذا كانت في السماء علة قبلت شهادة رجلين يدخلان ويخرجان من مصر»يدل على اختصاص مورد حجية البينة على الرؤية من خارج المصر بما إذا لم يحرز عدم قابلية الهلال للرؤية في المصر نفسه، فإن التقييد بوجود العلة إنما هو لأجل إخراج صورة عدم رؤية الهلال في الأفق مع خلوه من العلة الذي يحرز به وجداناً عدم ظهوره فيه، فلا يتأتّى في هذه الرواية احتمال أن يكون المراد بها هو الحكم بدخول الشهر في بلد المكلف ولو مع اليقين بعدم كون الهلال قابلاً للرؤية فيه في ليلة الثلاثين من شعبان، فيتعين أن يكون المراد هو أمارية الرؤية في خارج المصر على إمكانية الرؤية في المصر نفسه، وهذا هو المطلوب.


صفحه 157

ولكن يرد على هذا الاستدلال ما تقدم نظيره آنفاً من أنه لا يمكن حمل الرواية على خصوص صورة الشك في إمكانية الرؤية في البلد، لأنه حمل لها على غير القدر المتيقن من موردها، وهو البلد القريب الذي يحرز اتحاد أفقه مع أفق بلد المكلف، كما لا يمكن أن تحمل على إرادة كليهما ـ بكون الرؤية في خارج المصر كاشفاً واقعياً عن إمكانية الرؤية في المصر على تقدير وكاشفاً ظاهرياً على تقدير آخر ـ لأنه يحتاج إلى القرينة كما مرّ. فالمتعين حملها على خصوص البلاد التي تتحد في الأفق مع بلد المكلف، وقد مرّ في بحث سابق ذكر قرينة أخرى على إرادة هذا المعنى أيضاً.

تبقى الإشارة إلى أنه ربما يخطر بالبال أن مقتضى السيرة العملية المتصلة بزمن المعصومين:هو الاكتفاء بثبوت رؤية الهلال في بلد للبلدان القريبة منه مما يشك في كونه قابلاً للرؤية فيها، وسيرة المتشرعة هذه تصلح دليلاً على الأمارية المدعاة.

ولكن الإنصاف أنه لا سبيل إلى التأكد من تماميتها، بل لا يبعد القول بأن الاكتفاء برؤية الهلال في بلد للبناء على دخول الشهر في البلدان القريبة منه إنما كان مبنياً على الاطمئنان باتحادها في الأفق، وأن عدم رؤية الهلال في تلك البلدان بالرغم من قيام الناس بالاستهلال فيها إنما هو من جهة ضعف الهلال وعدم ارتفاعه ووجود بعض الشوائب غير المرئية في الأفق ونحو ذلك، فليتأمل.

وهكذا يتضح أن ما ذهب إليه جمع من الفقهاء القائلين باختلاف الآفاق من أمارية الرؤية في بلد على إمكان الرؤية في سائر البلدان مما لا يمكن إتمامه بموجب الصناعة.


صفحه 158

كيف يكون الموقف من أدلة القولين مع تماميتها في حدّ ذاتها؟

ثم إنه بعد الانتهاء من استعراض أدلة القولين المعروفين في بداية الأشهر القمرية ـ أي القول بوحدة الآفاق والقول باختلافها ـ أقول:

إن بني على تمامية أدلة القول الأول كلاً أو بعضاً دون أدلة القول الثاني، أو بني على تمامية أدلة القول الثاني كلاً أو بعضاً دون أدلة القول الأول فالأمر واضح، وإذا بني على عدم تمامية أدلة أي من القولين فلا بد من الرجوع إلى ما تقتضيه القاعدة من الأصل اللفظي إن وجد وإلا فالأصل العملي، وسيأتي الكلام فيهما.

أما إذا بني على أن أدلة كلا القولين ـ كلاً أو بعضاً ـ تامة في حدّ ذاتها، فماذا سيكون الموقف منهما عندئذٍ؟

الذي ينبغي أن يقال هو: أنه إن بني على أن المبعدات المتقدمة للقول بوحدة الآفاق واضحة وقوية بحدّ تمنع من الالتزام بهذا القول فلا محيص من البناء على حمل المطلقات التي استدل بها للقول المذكور ـ من صحيحة هشام بن الحكم ومعتبرة إسحاق بن عمار وغيرهما ـ على خصوص البلاد التي لا تختلف مع بلد المكلف في الأفق[1].

علماً أنه لا حاجة في معرفة ذلك في الجملة إلى الاستعانة بخرائط الفلكيين ومحاسباتهم، فإن ملاحظة مدى ارتفاع الهلال على الأفق ومقدار حجمه وبقائه بعد غروب الشمس يساعد على معرفة ما يشترك مع مكان الرؤية في إمكانية الرؤية من الجهات الأربع. وأما بملاحظة ما يتيسر في

[1]لا حملها على البلاد القريبة منه ـ كما ورد التعبير بذلك في كلمات غير واحد من الفقهاء ـ لكي يعترض عليه كما ذكره بعضهم بأنه مما لا ضابط له، فقد يكون بلد الرؤية قريباً من بلد المكلف ولا يشتركان في الأفق في بعض الشهور، لوقوع بلد الرؤية في حافة المسافة التي يرى فيها الهلال في ذلك الشهر ووقوع بلد المكلف في شرقه أو في شماله مثلاً ولو على بعد خمسين كيلومتراً فقط.


صفحه 159

زماننا هذا من الرجوع إلى المعلومات الفلكية الدقيقة فقد أصبح الأمر أسهل بكثير، فإنه إذا عرفت مواصفات الهلال في بلد الرؤية من ناحية ارتفاعه والقسم المنار وبُعده عن الشمس وعلم بأنه يكون بمثل هذه المواصفات أو بما هو أفضل منها في بلد آخر يحصل الاطمئنان بأنه يكون قابلاً للرؤية في ذلك البلد أيضاً، بل إذا كان بمواصفات أدنى ولكن ثبت من خلال التجارب المتكررة أنه قابل للرؤية بتلك المواصفات أيضاً يحصل الاطمئنان بذلك.

مثلاً: إذا رئي الهلال في العراق بارتفاع اثنتي عشرة درجة وبحجم (3%) من أكبر قطر يبلغه القرص، وبالنظر إلى ما بين العراق وبلاد خراسان من تفاوت في خطوط الطول والعرض أحرز أن الهلال لا يكون في أفق بلاد خراسان في تلك الليلة بارتفاع أقل من عشر درجات وبحجم أقل من (2.5%) يمكن الاطمئنان بكونه قابلاً للرؤية في بلاد خراسان أيضاً، لأن التجارب المتكررة دلتنا على إمكانية رؤية الهلال بالعين المجردة إذا كان بالمواصفات المذكورة.

وبالجملة: إن بني على أن مبعدات القول بوحدة الآفاق واضحة وقوية جداً فلا بد من حمل المطلقات على البلاد التي لا تختلف في الأفق مع بلد المكلف.

وأما معتبرة محمد بن عيسى الحاكية لمكاتبة أبي عمرو فلا بد أن تحمل على هذا التقدير على إرادة معنى آخر غير كفاية الرؤية في مصر ونحوها للعراق ونحوه، وقد مرّ بيان ما يمكن حملها عليه عند المناقشة في دلالتها على القول المذكور.

وأما إذا بني على أن المبعدات المتقدمة ليست قوية بحدّ تحتم رفع اليد عن أدلة القول بوحدة الآفاق، ولكن بني على تمامية الروايات التي


صفحه 160

استدل بها للقول باختلافها من معتبرة معمر بن خلاد وغيرها، فهنا ثلاثة وجوه ..

الوجه الأول: أن يبنى على تمامية الإطلاقات التي استند إليها في القول بوحدة الآفاق، دون معتبرة محمد بن عيسى.

الوجه الثاني: أنه يبنى على تمامية دلالة معتبرة محمد بن عيسى على القول بوحدة الآفاق دون الإطلاقات.

الوجه الثالث: أن يبنى على تمامية الاثنين معاً.

فعلى الوجه الأول يكون مقتضى الصناعة هو رفع اليد عن الإطلاقات المشار إليها وحملها على خصوص البلاد التي تتفق في الأفق مع بلد المكلف، وذلك بموجب معتبرة معمر بن خلاد الدالة على القول باختلاف الآفاق حسب الفرض.

وأما على الوجه الثاني فتستقر المعارضة بين معتبرة محمد بن عيسى وبين معتبرة معمر بن خلاد، لدلالة الأولى على القول بوحدة الآفاق ودلالة الأخيرة على القول باختلافها وعدم تيسر الجمع الدلالي، وعندئذٍ لا بد من إعمال الترجيح بينهما إن أمكن، وإلا فالرجوع بعد تساقطهما إلى ما يقتضيه الأصل اللفظي إن وجد وإلا فالأصل العملي.

والمرجحات المذكورة في مقبولة عمر بن حنظلة[1]ثلاثة ..

الأول: الشهرة.

ويمكن أن يقال: إنها لا تتوفر لأي من طرفي التعارض.

نعم قد يقال: إن ما يدل على القول باختلاف الآفاق يحظى بالشهرة الفتوائية، ولكن لم تثبت شهرة القول به عند قدماء الفقهاء أي قبل الشيخ (قدس سره) ـ كما تبيّن مما سبق نقله من الأقوال ـ والشهرة الفتوائية إن أمكن

[1]الكافي ج:1 ص:68.


صفحه 161

الترجيح بها ـ وهو محل كلام في الأصول ـ فإنما هي الشهرة القدمائية، وأما الشهرة بين المتأخرين فلا تصلح لذلك يقيناً.

الثاني: موافقة الكتاب.

وقد يقال: إنه يقتضي ترجيح القول بوحدة الآفاق، لأنه ورد في الكتاب العزيز قوله تعالى:(فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)ويصدق على المكلف أنه شهد الشهر إذا رئي الهلال في مكان ما في العالم وإن لم ير في بلده.

ولكن هذا غير واضح، بل سيأتي أنه يمكن القول بعدم صدق أن فلاناً شهد الشهر إلا إذا رئي هلاله في بلده، وعلى ذلك يكون هذا المرجح في جانب ما يدل على القول باختلاف الآفاق.

المرجح الثالث: مخالفة العامة حملاً لما وافقهم على التقية.

ويمكن أن يقال: إن هذا المرجح هو في جانب ما يدل على القول باختلاف الآفاق، وذلك لأن مكاتبة أبي عمرو المحكية في معتبرة محمد بن عيسى إنما هي إلى أحد الإمامين الجواد والهادي8ـ كما مرّ من قبل ـ في حين أن معتبرة معمر بن خلاد إنما هي مروية عن الإمام الرضا (صلوات الله عليه)، والمنقول عن أهم فقهاء الجمهور في ذلك العصر هو الالتزام بوحدة الآفاق، فإن الإمام الرضا (صلوات الله عليه) استشهد عام (202 هـ) أو (203 هـ) والإمام الجواد (صلوات الله عليه) استشهد عام (220 هـ)، والإمام الهادي (صلوات الله عليه) استشهد عام (254 هـ)، والمذكور في مصادر الجمهور ـ كما سبق نقله ـ عن أبي يوسف المتوفى سنة (182 هـ) وعن محمد بن الحسن المتوفى سنة (189 هـ) وعن الشافعي المتوفى سنة (204 هـ) وعن أحمد بن حنبل المتوفى سنة (241 هـ) ـ والذي عظم شأنه في أيام المتوكل ـ هو القول بوحدة الآفاق، فيمكن أن يقال: إن


صفحه 162

معتبرة معمر بن خلاد كانت في عصر صدورها مخالفة لما كان عليه عمدة فقهاء الجمهور في حين أن مكاتبة أبي عمرو كانت موافقة لهم، وبذلك تترجح المعتبرة على المكاتبة، فليتأمل.

وإن لم يتأكد ترجيح معتبرة معمر على مكاتبة أبي عمرو بموافقة الكتاب أو مخالفة العامة وبني على تساقط الطرفين أمكن القول بأن المرجع عندئذٍ هو إطلاق صحيحة الخزاز، حيث مرّ أن مقتضى إطلاقها عدم البناء على حلول شهر رمضان في بلد المكلف إلا بأحد أمرين: شهادة خمسين رجلاً إذا لم تكن في السماء علة، وشهادة رجلين من خارج البلد من مكان يتفق معه في الأفق إذا كانت في السماء علة، فالبناء على حلول شهر رمضان بشهادة البينة أو الخمسين رجلاً على رؤيته في خارج البلد في مكان مختلف عنه في الأفق خلاف الحصر المستفاد من الصحيحة، فإطلاقه هو المرجع بعد تساقط ما دل على القول بوحدة الآفاق أو باختلافها بالخصوص. وكذلك الحال في صحيحة محمد بن مسلم فإن مقتضاها اختصاص التعبد الشرعي بإتمام شعبان ثلاثين يوماً بصورة وجود الغيم في البلد، وأما مع خلوه من الغيم وعدم رؤية الهلال فلا محل للتعبد الشرعي بذلك، ومقتضى إطلاقه عدم الفرق بين احتمال رؤية الهلال في بلد آخر مختلف عنه في الأفق وعدمه.

فالنتيجة: أنه بناءً على الوجه الثاني المتقدم يتجه القول باختلاف الآفاق سواء أتم الترجيح لمعتبرة معمر بن خلاد الدالة عليه أو وصلت النوبة إلى الرجوع إلى الإطلاقات.

وأما على الوجه الثالث ـ وهو البناء على تمامية كل من الإطلاقات ومعتبرة محمد بن عيسى دليلاً على القول بوحدة الآفاق ـ فالحال كما تقدم في الوجه الثاني من حيث إعمال المرجحات.