بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 158

كيف يكون الموقف من أدلة القولين مع تماميتها في حدّ ذاتها؟

ثم إنه بعد الانتهاء من استعراض أدلة القولين المعروفين في بداية الأشهر القمرية ـ أي القول بوحدة الآفاق والقول باختلافها ـ أقول:

إن بني على تمامية أدلة القول الأول كلاً أو بعضاً دون أدلة القول الثاني، أو بني على تمامية أدلة القول الثاني كلاً أو بعضاً دون أدلة القول الأول فالأمر واضح، وإذا بني على عدم تمامية أدلة أي من القولين فلا بد من الرجوع إلى ما تقتضيه القاعدة من الأصل اللفظي إن وجد وإلا فالأصل العملي، وسيأتي الكلام فيهما.

أما إذا بني على أن أدلة كلا القولين ـ كلاً أو بعضاً ـ تامة في حدّ ذاتها، فماذا سيكون الموقف منهما عندئذٍ؟

الذي ينبغي أن يقال هو: أنه إن بني على أن المبعدات المتقدمة للقول بوحدة الآفاق واضحة وقوية بحدّ تمنع من الالتزام بهذا القول فلا محيص من البناء على حمل المطلقات التي استدل بها للقول المذكور ـ من صحيحة هشام بن الحكم ومعتبرة إسحاق بن عمار وغيرهما ـ على خصوص البلاد التي لا تختلف مع بلد المكلف في الأفق[1].

علماً أنه لا حاجة في معرفة ذلك في الجملة إلى الاستعانة بخرائط الفلكيين ومحاسباتهم، فإن ملاحظة مدى ارتفاع الهلال على الأفق ومقدار حجمه وبقائه بعد غروب الشمس يساعد على معرفة ما يشترك مع مكان الرؤية في إمكانية الرؤية من الجهات الأربع. وأما بملاحظة ما يتيسر في

[1]لا حملها على البلاد القريبة منه ـ كما ورد التعبير بذلك في كلمات غير واحد من الفقهاء ـ لكي يعترض عليه كما ذكره بعضهم بأنه مما لا ضابط له، فقد يكون بلد الرؤية قريباً من بلد المكلف ولا يشتركان في الأفق في بعض الشهور، لوقوع بلد الرؤية في حافة المسافة التي يرى فيها الهلال في ذلك الشهر ووقوع بلد المكلف في شرقه أو في شماله مثلاً ولو على بعد خمسين كيلومتراً فقط.


صفحه 159

زماننا هذا من الرجوع إلى المعلومات الفلكية الدقيقة فقد أصبح الأمر أسهل بكثير، فإنه إذا عرفت مواصفات الهلال في بلد الرؤية من ناحية ارتفاعه والقسم المنار وبُعده عن الشمس وعلم بأنه يكون بمثل هذه المواصفات أو بما هو أفضل منها في بلد آخر يحصل الاطمئنان بأنه يكون قابلاً للرؤية في ذلك البلد أيضاً، بل إذا كان بمواصفات أدنى ولكن ثبت من خلال التجارب المتكررة أنه قابل للرؤية بتلك المواصفات أيضاً يحصل الاطمئنان بذلك.

مثلاً: إذا رئي الهلال في العراق بارتفاع اثنتي عشرة درجة وبحجم (3%) من أكبر قطر يبلغه القرص، وبالنظر إلى ما بين العراق وبلاد خراسان من تفاوت في خطوط الطول والعرض أحرز أن الهلال لا يكون في أفق بلاد خراسان في تلك الليلة بارتفاع أقل من عشر درجات وبحجم أقل من (2.5%) يمكن الاطمئنان بكونه قابلاً للرؤية في بلاد خراسان أيضاً، لأن التجارب المتكررة دلتنا على إمكانية رؤية الهلال بالعين المجردة إذا كان بالمواصفات المذكورة.

وبالجملة: إن بني على أن مبعدات القول بوحدة الآفاق واضحة وقوية جداً فلا بد من حمل المطلقات على البلاد التي لا تختلف في الأفق مع بلد المكلف.

وأما معتبرة محمد بن عيسى الحاكية لمكاتبة أبي عمرو فلا بد أن تحمل على هذا التقدير على إرادة معنى آخر غير كفاية الرؤية في مصر ونحوها للعراق ونحوه، وقد مرّ بيان ما يمكن حملها عليه عند المناقشة في دلالتها على القول المذكور.

وأما إذا بني على أن المبعدات المتقدمة ليست قوية بحدّ تحتم رفع اليد عن أدلة القول بوحدة الآفاق، ولكن بني على تمامية الروايات التي


صفحه 160

استدل بها للقول باختلافها من معتبرة معمر بن خلاد وغيرها، فهنا ثلاثة وجوه ..

الوجه الأول: أن يبنى على تمامية الإطلاقات التي استند إليها في القول بوحدة الآفاق، دون معتبرة محمد بن عيسى.

الوجه الثاني: أنه يبنى على تمامية دلالة معتبرة محمد بن عيسى على القول بوحدة الآفاق دون الإطلاقات.

الوجه الثالث: أن يبنى على تمامية الاثنين معاً.

فعلى الوجه الأول يكون مقتضى الصناعة هو رفع اليد عن الإطلاقات المشار إليها وحملها على خصوص البلاد التي تتفق في الأفق مع بلد المكلف، وذلك بموجب معتبرة معمر بن خلاد الدالة على القول باختلاف الآفاق حسب الفرض.

وأما على الوجه الثاني فتستقر المعارضة بين معتبرة محمد بن عيسى وبين معتبرة معمر بن خلاد، لدلالة الأولى على القول بوحدة الآفاق ودلالة الأخيرة على القول باختلافها وعدم تيسر الجمع الدلالي، وعندئذٍ لا بد من إعمال الترجيح بينهما إن أمكن، وإلا فالرجوع بعد تساقطهما إلى ما يقتضيه الأصل اللفظي إن وجد وإلا فالأصل العملي.

والمرجحات المذكورة في مقبولة عمر بن حنظلة[1]ثلاثة ..

الأول: الشهرة.

ويمكن أن يقال: إنها لا تتوفر لأي من طرفي التعارض.

نعم قد يقال: إن ما يدل على القول باختلاف الآفاق يحظى بالشهرة الفتوائية، ولكن لم تثبت شهرة القول به عند قدماء الفقهاء أي قبل الشيخ (قدس سره) ـ كما تبيّن مما سبق نقله من الأقوال ـ والشهرة الفتوائية إن أمكن

[1]الكافي ج:1 ص:68.


صفحه 161

الترجيح بها ـ وهو محل كلام في الأصول ـ فإنما هي الشهرة القدمائية، وأما الشهرة بين المتأخرين فلا تصلح لذلك يقيناً.

الثاني: موافقة الكتاب.

وقد يقال: إنه يقتضي ترجيح القول بوحدة الآفاق، لأنه ورد في الكتاب العزيز قوله تعالى:(فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)ويصدق على المكلف أنه شهد الشهر إذا رئي الهلال في مكان ما في العالم وإن لم ير في بلده.

ولكن هذا غير واضح، بل سيأتي أنه يمكن القول بعدم صدق أن فلاناً شهد الشهر إلا إذا رئي هلاله في بلده، وعلى ذلك يكون هذا المرجح في جانب ما يدل على القول باختلاف الآفاق.

المرجح الثالث: مخالفة العامة حملاً لما وافقهم على التقية.

ويمكن أن يقال: إن هذا المرجح هو في جانب ما يدل على القول باختلاف الآفاق، وذلك لأن مكاتبة أبي عمرو المحكية في معتبرة محمد بن عيسى إنما هي إلى أحد الإمامين الجواد والهادي8ـ كما مرّ من قبل ـ في حين أن معتبرة معمر بن خلاد إنما هي مروية عن الإمام الرضا (صلوات الله عليه)، والمنقول عن أهم فقهاء الجمهور في ذلك العصر هو الالتزام بوحدة الآفاق، فإن الإمام الرضا (صلوات الله عليه) استشهد عام (202 هـ) أو (203 هـ) والإمام الجواد (صلوات الله عليه) استشهد عام (220 هـ)، والإمام الهادي (صلوات الله عليه) استشهد عام (254 هـ)، والمذكور في مصادر الجمهور ـ كما سبق نقله ـ عن أبي يوسف المتوفى سنة (182 هـ) وعن محمد بن الحسن المتوفى سنة (189 هـ) وعن الشافعي المتوفى سنة (204 هـ) وعن أحمد بن حنبل المتوفى سنة (241 هـ) ـ والذي عظم شأنه في أيام المتوكل ـ هو القول بوحدة الآفاق، فيمكن أن يقال: إن


صفحه 162

معتبرة معمر بن خلاد كانت في عصر صدورها مخالفة لما كان عليه عمدة فقهاء الجمهور في حين أن مكاتبة أبي عمرو كانت موافقة لهم، وبذلك تترجح المعتبرة على المكاتبة، فليتأمل.

وإن لم يتأكد ترجيح معتبرة معمر على مكاتبة أبي عمرو بموافقة الكتاب أو مخالفة العامة وبني على تساقط الطرفين أمكن القول بأن المرجع عندئذٍ هو إطلاق صحيحة الخزاز، حيث مرّ أن مقتضى إطلاقها عدم البناء على حلول شهر رمضان في بلد المكلف إلا بأحد أمرين: شهادة خمسين رجلاً إذا لم تكن في السماء علة، وشهادة رجلين من خارج البلد من مكان يتفق معه في الأفق إذا كانت في السماء علة، فالبناء على حلول شهر رمضان بشهادة البينة أو الخمسين رجلاً على رؤيته في خارج البلد في مكان مختلف عنه في الأفق خلاف الحصر المستفاد من الصحيحة، فإطلاقه هو المرجع بعد تساقط ما دل على القول بوحدة الآفاق أو باختلافها بالخصوص. وكذلك الحال في صحيحة محمد بن مسلم فإن مقتضاها اختصاص التعبد الشرعي بإتمام شعبان ثلاثين يوماً بصورة وجود الغيم في البلد، وأما مع خلوه من الغيم وعدم رؤية الهلال فلا محل للتعبد الشرعي بذلك، ومقتضى إطلاقه عدم الفرق بين احتمال رؤية الهلال في بلد آخر مختلف عنه في الأفق وعدمه.

فالنتيجة: أنه بناءً على الوجه الثاني المتقدم يتجه القول باختلاف الآفاق سواء أتم الترجيح لمعتبرة معمر بن خلاد الدالة عليه أو وصلت النوبة إلى الرجوع إلى الإطلاقات.

وأما على الوجه الثالث ـ وهو البناء على تمامية كل من الإطلاقات ومعتبرة محمد بن عيسى دليلاً على القول بوحدة الآفاق ـ فالحال كما تقدم في الوجه الثاني من حيث إعمال المرجحات.


صفحه 163

ولكن مع عدم تيسر إعمالها وتساقط الطرفين تصل النوبة إلى إطلاقات أدلة الطرفين أي ما يقتضي بإطلاقه القول بوحدة الآفاق من صحيحة هشام بن الحكم وغيرها وما يقتضي بإطلاقه القول باختلاف الآفاق من صحيحتي الخزاز ومحمد بن مسلم، وعندئذٍ يمكن أن يقال: إنه إذا كان في ما استدل به للقول بوحدة الآفاق من المطلقات ما تكون دلالته بالوضع كصحيحة أبي بصير وأما ما استدل به للقول باختلاف الآفاق من المطلقات فدلالته بمقدمات الحكمة فقط أمكن تقديم الأول على الثاني بناءً على ما ذهب إليه الشيخ الأعظم الأنصاري والمحقق النائيني (قُدِّس سرُّهما) وآخرون من تقديم ما تكون دلالته بالوضع على ما تكون دلالته بمقدمات الحكمة.

ولكن قد مرَّ الخدش في هذه الكلية في موضع آخر[1]، مضافاً إلى المنع من دلالة صحيحة أبي بصير على القول المذكور كما تقدم. وبناءً على ذلك يتساقط الطرفان لعدم ترجح أحدهما على الآخر بأي من مرجحات باب التعارض، أو لعدم إمكان إعمالها في ما يكون تعارضهما بالإطلاق ـ كما عليه السيد الأستاذ (قدس سره) ـ فيتعين الرجوع إلى ما تقتضيه القاعدة من الأصل اللفظي إن وجد وإلا فالأصل العملي، كما هو الحال بناءً على عدم تمامية أدلة أي من القولين.

مقتضى الأصلين اللفظي والعملي

وعلى ذلك فينبغي الكلام في مقامين ..

المقام الأول: في الأصل اللفظي.

وقد يقال: إن مقتضى إطلاق قوله تعالى:(فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)

[1]لاحظ بحوث في شرح مناسك الحج ج:5 ص:101 ط:2.


صفحه 164

هو كفاية الرؤية في أي مكان في دخول شهر رمضان في جميع الأمكنة، لأن المراد بشهود الشهر هو أن يدركه المكلف لا أن يرى هلاله، فإن الشهر وإن كان اسماً للقمر سمي به لشهرته وظهوره إلا أنه أطلق على ما بين الهلالين لأنه يشتهر بالقمر وفيه علامة ابتدائه وانتهائه كما ذكروا ذلك في المعاجم اللغوية[1]، ولا ريب في أن المراد بالشهر في الآية الكريمة هو الشهر بمعنى ما بين الهلالين، لأن الألف واللام فيه للعهد، والمقصود به هو شهر رمضان المذكور في صدر الآية المباركة:(شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ)، ومن المعلوم أن الشهر يبدأ بخروج القمر من تحت الشعاع وظهور قوس الهلال، فإن به تبدأ دورة جديدة في حركة القمر حول الأرض، فإذا رئي الهلال في مكان ما كشف ذلك عن دخول الشهر الجديد ويصدق على المكلف أين ما كان أنه شهده فتتوجه إليه أحكامه ومنها صوم شهر رمضان.

ولكن هذا البيان لا يمكن المساعدة عليه، فإنه لم يثبت أن الشهر عند العرف هو ما بين الهلالين أينما ظهرا، فإن هذا هو ما يمكن أن يسمى بالشهر القمري الفلكي، أي إذا خرج القمر من تحت الشعاع وولد الهلال فكان قابلاً للرؤية في مكان ما كأمريكا يبدأ الشهر الفلكي، وينتهي إذا خرج مرة أخرى من تحت الشعاع وولد الهلال فكان قابلاً للرؤية في مكان ما كأستراليا في هذه المرة.

وأما الشهر القمري العرفي فيجوز أن يكون كالليل والنهار أمراً نسبياً يختلف بدؤه وانتهاؤه باختلاف الأمكنة، بل يمكن أن يقال: إنه لا محيص من الالتزام بهذا فإن مقتضى عدم النسبية هو أن يبني العرف على أنه برؤية الهلال في مكان ما يدخل شهر رمضان في جميع الأماكن حتى

[1]المحكم والمحيط الأعظم ج:4 ص:185.


صفحه 165

لو كان الزمان فيها نهاراً أو منتصف الليل ـ مثلاً ـ مع أن العرف لا يساعد على دخول الشهر القمري في أي مكان إلا من أول الليل دون وسطه ولا في النهار.

ومن هنا لو فرض أن هلال شهر رمضان قد رئي في أقصى شرق آسيا وكان الوقت آنذاك نهاراً في غرب أفريقيا ولا يرى الهلال فيه إلا بعد ساعات طويلة ثم مات شخص فيه قبل أن تغرب الشمس ويرى الهلال لا يقال في العرف: إنه شهد شهر رمضان ثم مات، بل يقال: إنه مات قبل أن يشهده.

وكذلك إذا فرض أن الهلال قد رئي في أقصى غرب أفريقيا وكان الوقت آنذاك أواخر الليل في أقصى شرق آسيا وقد مات فيه شخصان أحدهما في أوائل الليل والآخر في أواخره لا يفرق العرف بينهما ويقول: إن الأول مات قبل أن يشهد شهر رمضان ومات الثاني بعد أن شهده.

والحاصل: أنه لا يبعد القول بأن الشهر القمري ليس موحداً عند العرف بالنسبة إلى جميع بقاع الأرض، ليتطابق ابتداؤه وانتهاؤه مع ابتداء وانتهاء كل دورة بحركة القمر حول الأرض بل هو أمر نسبي، فإذا ظهر الهلال في مكان كان بدء الشهر الجديد في ذلك المكان وينتهي بظهوره مرة أخرى في المكان نفسه، وهكذا الحال بالنسبة إلى بقية الأمكنة. وهذا هو المنسجم مع كون الأهلة مواقيت للناس عامة كما مرّ بيان ذلك.

فالنتيجة: لو كنا نحن وظاهر الآية المباركة(فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)كان الأقرب إلى المتفاهم العرفي منها هو ما يقتضيه القول باختلاف الآفاق.

هذا وقد يقال: إن مقتضى معتبرة عبد الله بن بكير[1]:«صم للرؤية

[1]تهذيب الأحكام ج:4 ص:164.