لو كان الزمان فيها نهاراً أو منتصف الليل ـ مثلاً ـ مع أن العرف لا يساعد على دخول الشهر القمري في أي مكان إلا من أول الليل دون وسطه ولا في النهار.
ومن هنا لو فرض أن هلال شهر رمضان قد رئي في أقصى شرق آسيا وكان الوقت آنذاك نهاراً في غرب أفريقيا ولا يرى الهلال فيه إلا بعد ساعات طويلة ثم مات شخص فيه قبل أن تغرب الشمس ويرى الهلال لا يقال في العرف: إنه شهد شهر رمضان ثم مات، بل يقال: إنه مات قبل أن يشهده.
وكذلك إذا فرض أن الهلال قد رئي في أقصى غرب أفريقيا وكان الوقت آنذاك أواخر الليل في أقصى شرق آسيا وقد مات فيه شخصان أحدهما في أوائل الليل والآخر في أواخره لا يفرق العرف بينهما ويقول: إن الأول مات قبل أن يشهد شهر رمضان ومات الثاني بعد أن شهده.
والحاصل: أنه لا يبعد القول بأن الشهر القمري ليس موحداً عند العرف بالنسبة إلى جميع بقاع الأرض، ليتطابق ابتداؤه وانتهاؤه مع ابتداء وانتهاء كل دورة بحركة القمر حول الأرض بل هو أمر نسبي، فإذا ظهر الهلال في مكان كان بدء الشهر الجديد في ذلك المكان وينتهي بظهوره مرة أخرى في المكان نفسه، وهكذا الحال بالنسبة إلى بقية الأمكنة. وهذا هو المنسجم مع كون الأهلة مواقيت للناس عامة كما مرّ بيان ذلك.
فالنتيجة: لو كنا نحن وظاهر الآية المباركة(فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)كان الأقرب إلى المتفاهم العرفي منها هو ما يقتضيه القول باختلاف الآفاق.
هذا وقد يقال: إن مقتضى معتبرة عبد الله بن بكير[1]:«صم للرؤية
[1]تهذيب الأحكام ج:4 ص:164.
وأفطر للرؤية»هو كون العبرة في بداية الشهر وانتهائه بظهور الهلال قابلاً للرؤية في بلد المكلف، لأن ظاهرها كون المراد بالرؤية هو رؤية المكلف نفسه. ويؤكد ذلك ما ورد في صحيحة الحلبي[1]:«إذا رأيت الهلال فصم وإذا رأيته فأفطر»، ومثله عدة روايات أخر كمعتبرة عبد الله بن سنان[2]وخبر زيد الشحام[3]وخبر عمر بن الربيع البصري[4]وخبر عبد السلام بن سالم[5].
أقصى الأمر أنه قام الدليل على أن رؤية الغير تقوم مقام رؤية المكلف ولكن بشروط معينة ككون شهود الرؤية في البلد عند خلو السماء من العلة عدداً كبيراً كخمسين رجلاً، وكعدم الاكتفاء بشهادة رجلين على الرؤية إلا إذا كانا من خارج البلد وكان في سماء البلد علة.
وعلى ذلك فإذا شك في الاكتفاء برؤية الغير في مكان آخر يختلف عن بلد المكلف في الأفق فمقتضى إطلاق الروايات المذكورة عدم الاعتداد بها.
ولكن هذا البيان غير تام، فإنه لا وجه لحمل الرؤية في معتبرة ابن بكير على رؤية المكلف نفسه[6]، ولا سيما أنه قد ورد في ذيلها قوله7:«وليس رؤية الهلال أن يجيء الرجل والرجلان فيقولان رأينا، إنما الرؤية أن يقول القائل: رأيت، فيقول القوم: صدقت»فإن هذا الذيل كالنص
[1]الكافي ج:4 ص:76.
[2]تهذيب الأحكام ج:4 ص:163.
[3]تهذيب الأحكام ج:4 ص:155.
[4]تهذيب الأحكام ج:4 ص:163.
[5]تهذيب الأحكام ج:4 ص:164.
[6]مضافاً إلى أن الرائي قد يكون المكلف نفسه كما لو رأى الهلال في بلده ثم خرج إلى بلد آخر مختلف عنه في الأفق.
في كون المراد بالرؤية الأعم من رؤية الغير.
وبذلك يعلم أن ما ورد في صحيحة الحلبي وأخواتها من قوله7:«إذا رأيت الهلال فصم وإذا رأيته فأفطر»إنما هو من باب ذكر أجلى المصاديق وليس لخصوصية في رؤية المكلف نفسه، كما أن ما ورد في ذيل هذه النصوص من الاكتفاء بشهادة العدول على رؤية الهلال ليس استثناءً من اشتراط رؤية المكلف بل من جهة أن العبرة في ثبوت الهلال بالرؤية هي بالأعم من رؤية المكلف ورؤية غيره إذا ثبتت بوجه شرعي، ومرّ أن النصوص المذكورة مسوقة لبيان أنه لا يجوز الصيام بنية شهر رمضان ولا الإفطار لحلول العيد إلا مع إحراز ظهور الهلال على الأفق بالحس وعدم كفاية الحدس في ذلك، وليس لها إطلاق من حيث مكان الرؤية حتى تقتضي الاكتفاء بالرؤية في بلد آخر مختلف عن بلد المكلف في الأفق.
المقام الثاني: في الأصل العملي.
قد مرّ في بحث سابق أنه عند رؤية الهلال في مكان مختلف في الأفق عن بلد المكلف إذا شك في حكم الشارع المقدس بدخول الشهر الجديد
حتى في بلد المكلف لا مجال لاستصحاب بقاء الشهر الأول، لأنه من الاستصحاب الموضوعي في الشبهة المفهومية، والصحيح عدم جريانه، وقد تقدم وجهه في موضع سابق[1].
كما أنه لا يجري الاستصحاب الحكمي في الشبهة المفهومية، من جهة عدم إحراز بقاء الموضوع، كاستصحاب وجوب صيام شهر رمضان إذا رئي هلال شوال في بلد آخر مختلف في الأفق عن بلد المكلف، وهكذا استصحاب استحباب صوم شعبان إذا رئي هلال شهر رمضان في بلد آخر كذلك. نعم لا مانع في الموردين من استصحاب عدم وجوب صوم الغد
[1]بحوث في شرح مناسك الحج ج:9 ص:540 ط:2.
في حدّ ذاته ـ فإنه لا يواجه المحذور المشار إليه ـ إلا أنه قد لا يجري لمكان العلم الإجمالي المنجز كما سيأتي مثله في أصالة البراءة.
وأما استصحاب عدم وجوب الوقوف في عرفات في اليوم الذي يكون هو التاسع بحسب الرؤية في بلد مختلف عن مكة المكرمة في الأفق فهو غير جارٍ، من جهة أن وجوب الوقوف في اليوم التاسع يصير فعلياً على المكلف من حين إحرامه للحج، أقصى الأمر كونه على سبيل الواجب المعلق، فمع تردد اليوم التاسع بين يومين لا بد من رعاية الاحتياط بالوقوف فيهما جميعاً، ولا مجال لإجراء استصحاب عدم وجوب الوقوف في اليوم الأول منهما، كما لا مجال لإجراء أصالة البراءة عن وجوبه.
بل لو بني على عدم فعلية وجوب الوقوف إلا في يوم عرفة كان اللازم ـ مع إحراز استجماع شروط الوجوب في اليوم التالي ـ رعاية الاحتياط بالجمع بالوقوف في كلا اليومين لمنجزية العلم الإجمالي حتى في مثل ذلك من التدريجيات كما حقق في الأصول.
هذا وأما أصالة البراءة عن وجوب الصوم في اليوم الذي يشك أنه من شعبان أو من رمضان من جهة رؤية الهلال في مكان آخر يختلف عن بلد المكلف في الأفق فلا مانع منه، إلا في مورد العلم الإجمالي المنجز كما مرّ الإيعاز إليه سابقاً.
وكذلك بالنسبة إلى اليوم الذي يشك أنه من رمضان أو من شوال بسبب رؤية الهلال في بلد آخر يختلف أفقه عن بلد الرؤية، فإنه لا مانع من جريان أصالة البراءة عن وجوب صيامه إذا بني على كون حرمة صوم يوم العيد تشريعية وليست ذاتية، نعم إذا كان ممن يجب عليه إخراج زكاة
الفطرة في يوم العيد يلزمه الجمع في ذلك اليوم بين صيامه وإخراجها للعلم الإجمالي بوجوب أحدهما كما تقدم في موضع سابق.
وأما إذا بني على كون حرمة صوم يوم العيد ذاتية فيكون ذلك من دوران الأمر بين محذورين، وقد مرّ أنه يتجه فيه الترجيح بقوة الاحتمال وأهمية المحتمل.
هذا وقد ظهر من جميع ما تقدم أن مقتضى الصناعة هو البناء على أن الحكم بدخول الشهر الجديد في أي مكان يكون مع إمكانية رؤية الهلال في ذلك المكان، وأما الاكتفاء برؤيته في مكان آخر مختلف عنه في الأفق فمشكل جداً إن لم يكن ممنوعاً، وذلك ..
أولاً: من جهة عدم الوثوق بتمامية شيء مما استدل به للقول بالاكتفاء وعمدته الإطلاقات.
وثانياً: من جهة أنه لو سُلِّم تمامية بعضها في حدّ ذاته إلا أن لهذا القول مبعدات قوية ربما تمنع من البناء عليه.
وثالثاً: من جهة أنه مع الغض عن ذلك فإن هناك بعض الروايات التي يمكن الاستدلال بها للقول بعدم الاكتفاء، ومرّ أن منها ما لعله يصلح أن يكون مقيداً لما استدل به للقول بالاكتفاء أو يكون مرجحاً عليه.
ورابعاً: من جهة أنه لو لم يتم شيء من أدلة القولين أو تعارضا وتساقطا يتعين الرجوع إلى ما يستفاد من الآية الكريمة من كون العبرة في وجوب صوم شهر رمضان برؤية الهلال في بلد المكلف.
وبالجملة: البناء على الاكتفاء في دخول الشهر في بلد المكلف برؤية الهلال في بلد آخر لا يحرز كون الرؤية فيه ملازمة للرؤية في بلده لولا الموانع في غاية الإشكال.
نعم درجات الإشكال متفاوتة، فالاكتفاء برؤية الهلال في بلد غير بعيد جداً من بلد المكلف ولا يتأخر غروب الشمس فيه عن غروبها في بلده وإن كان مشكلاً إذا لم يحرز عدم كونه قابلاً للرؤية في بلده، ولكن أشكل منه الاكتفاء بالرؤية فيه إذا أحرز عدم كونه قابلاً للرؤية في بلد المكلف. وأشكل من هذا ما إذا كان بلد الرؤية بعيداً جداً كـ(سدني) في أستراليا بالنسبة إلى النجف الأشرف. وأشكل منه ما إذا كان دخول الليل في بلد المكلف يتقدم على دخوله في بلد الرؤية كما في النجف الأشرف بالنسبة إلى داكار في السنغال. وأشكل منه ما إذا كان بلد الرؤية في قارة أمريكا وبلد المكلف في إحدى القارات الثلاث.
هذا كله بحسب الصناعة العلمية، وأما الحكم الواقعي فعلمه عند الله سبحانه وتعالى وعند وليّه الأعظم7، نسأله عز وجل أن يعجل في فرجه الشريف حتى يرتفع عن المؤمنين ما هم فيه من الاختلاف من هذه الجهة وغير ذلك مما يعانونه بسبب غيبته (صلوات الله عليه)، والحمد لله أولاً وآخراً، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطاهرين.
23 / شعبان المعظم / 1437 هـ
ملحق
في حكم الأخذ بالإطلاق إذا كان المتكلم في مقام البيان من جهة ولم يحرز كونه في مقام البيان من جهة أخرى
اين صفحه در کتاب اصلي بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة