اين صفحه در کتاب اصلي بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
ذكر المحقق صاحب الكفاية (قدس سره)[1]: (أنه يمكن أن يكون للمطلق جهات عديدة، كان وارداً في مقام البيان من جهة منها وفي مقام الإهمال أو الإجمال من أخرى، فلا بد في حمله على الإطلاق بالنسبة إلى جهة من كونه بصدد البيان من تلك الجهة، ولا يكفي كونه بصدده من جهة أخرى، إلا إذا كان بينهما ملازمة عقلاً أو شرعاً أو عادة).
وهذا البحث مطروح في كلمات السابقين ـ كالمحقق الوحيد البهبهاني (قدس سره) وغيره[2]ـ بعنوان مختلف، وهو أنه يشترط في المطلق أن لا يكون وارداً لبيان حكم آخر وإلا لم يمكن الأخذ فيـه بالإطلاق. ومثّلوا له بقوله تعالى:(فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ)من جـهة أنه وارد في بيـان حلية ما يصطاده الكلب المعلَم من حيث التذكية، فلا ينعقد له الإطلاق من حيث غسل موضع الإمساك وعدمه.
وقد ذكر المحقق النائيني (قدس سره)[3]نظير ما أفاده المحقق صاحب الكفاية (طاب ثراه) وأورد المثال المذكور، وأضاف: أنه إذا أحرز كون المتكلم في مقام البيان من جهة وشك في كونه في مقام البيان من جهة أخرى فلا سبيل إلى التمسك بالإطلاق من الجهة الثانية، ثم قال ما نصه: (فإن قلت: إن بناء العقلاء إنما هو على حمل كلام المتكلم على أنه في مقام البيان عند الشك فيه، إذ على ذلك يدور التمسك بالإطلاقات في المحاورات العرفية، ضرورة أنه قل ما يتفق مورد يحرز فيه كون المولى في مقام البيان مع قطع
[1]كفاية الأصول ص:249.
[2]لاحظ الفوائد الجديدة ص:2، ومفاتيح الأصول ص:530، وعوائد الأيام ص:751، والقواعد الشريفة ج:1 ص:81.
[3]أجود التقريرات ج:1 ص:529.
النظر عن هذا الأصل العقلائي، وعليه فتكون الجهة التي نشك في كون المتكلم في مقام البيان من تلك الجهة مع إحراز كونه في مقام بيان حكم آخر من موارد الأصل العقلائي، فيثبت بذلك كونه في مقام البيان من كلتا الجهتين فيصح التمسك بالإطلاق بلحاظ كل منهما.
قلت: بناء العقلاء وإن استقر على ذلك، إلا أنه يختص بما إذا احتمل كون المتكلم في مقام الإهمال والإجمال وعدم كونه في مقام البيان أصلاً، كما إذا دار الأمر بين كون المولى في مقام البيان أو كونه في مقام التشريع فقط، وأما إذا كان المولى في مقام بيان حكم آخر فليس من العقلاء بناء على كونه في مقام البيان في غير ما ثبت كونه في مقام بيان، لأن كونه في مقام بيان حكم ما يكفي في كونه فائدة لكلامه ومخرجاً له عن الإهمال، فيحتاج إثبات أنه في مقام بيان حكم آخر غير هذا الحكم المعلوم كونه في مقام بيانه إلى دليل مفقود في المقام على الفرض).
ونظير هذا ما أفاده السيد الأستاذ (قدس سره) في بعض كلماته[1]قائلاً: (لو
[1]دراسات في علم الأصول ج:2 ص:337. وتجدر الإشارة إلى أنه قد حكي عنه (قدس سره) في (مباني الاستنباط ج:1 ص:326) ما نصه: (أن الأصل في كل كلام أن يكون في مقام البيان من جميع الجهات لاستقرار طريقة العقلاء على حمل الكلام على ذلك ما لم تقم قرينة على عدم كونه في مقام البيان من جهة أو أكثر، كما في ما دل على حلية ما يصيده الكلب المعلم فإن القرينة فيه قائمة على أنه وارد في مقام بيان الحلية الذاتية دون نفي النجاسة العرضية بملاقاة الكلب مع رطوبة مسرية).
ولكن هذا الكلام يشك في صدوره من السيد الأستاذ (قدس سره) بهذه الصورة، ولا سيما ما ورد في ذيله، فإن عدم كون قوله تعالى:(فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ)في مقام نفي النجاسة العرضية ليس من أجل قيام القرينة على ذلك، بل لعدم ظهوره في حدّ ذاته إلا في كونه مسوقاً لبيان تذكية ما يصيده الكلب المعلم لا غير.
هذا وورد في (محاضرات في أصول الفقه ج:5 ص:366ـ367) ما نصه: (إذا كان المتكلم في مقام البيان من جهة ولم يكن في مقام البيان من جهة أخرى لا مانع من التمسك بإطلاق كلامه من الجهة التي كان في مقام البيان من تلك الجهة دون الجهة الأخرى، وهذا في الآيات والروايات كثير ..
أما في الآيات فكقوله تعالى:(فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ)فإنه إذا شك في اعتبار الإمساك من الحلقوم في تذكيته وعدم اعتباره لا مانع من التمسك بإطلاق الآية الكريمة من هذه الناحية والحكم بعدم اعتبار الإمساك من الحلقوم. وأما إذا شك في طهارة محل الإمساك وعدمها فلا يمكن التمسك بإطلاق الآية من هذه الناحية، لأن إطلاقها غير ناظر إليها أصلاً فلا تكون الآية في مقام البيان من هذه الجهة، فلا محالة عندئذٍ يحكم بنجاسته.
وأما في الروايات فمنها قوله7:«لا بأس بالصلاة في دم إذا كان أقل من درهم»، فإنه في مقام البيان من جهة أن هذا المقدار من الدم غير مانع من ناحية النجاسة، حيث إن المتفاهم العرفي كون هذا استثناءً من مانعية الدم من هذه الناحية، ولا يكون في مقام البيان من جهة أخرى ـ وهي كونه من دم المأكول أو غير المأكول ـ وعليه فإذا شك في صحة الصلاة فيه وعدم صحتها لم يجز التمسك بإطلاق الرواية، لعدم كون إطلاقها ناظراً إلى هذه الناحية.
فالنتيجة: أنه لا إشكال في ذلك وأن المتكلم من أي جهة كان في مقام البيان جاز التمسك بإطلاق كلامه من هذه الجهة وإن لم يكن في مقام البيان من الجهات الأخرى).
والملاحظ أنه لم يرد فيه التعرض لحكم صورة الشك في كون المتكلم في مقام البيان من جهة مع إحراز كونه في مقام البيان من جهة أخرى، وإنما ذكر فيه أن كون المتكلم في مقام البيان من جهة دون جهة أخرى لا يمنع من الأخذ بالإطلاق من الجهة الأولى. وهذا لا يخلو من غرابة، فإن جواز التمسك بالإطلاق من الجهة التي يحرز كون المتكلم في مقام البيان بلحاظها وإن لم يكن في مقام البيان بلحاظ جهة أخرى من الواضحات الغنية عن الذكر، وما ينبغي التعرض له هو التمسك بالإطلاق من الجهة التي يشك في كون المتكلم في مقام بيانها مع إحراز كونه في مقام البيان من جهة أخرى، فيستغرب عدم تعرض السيد الأستاذ (قدس سره) لهذا وتعرضه لذلك، وأظن ـ والله العالم ـ وقوع اشتباه في هذا التقرير في تحرير ما أفاده (طاب ثراه)، ولا سيما مع اشتمال سائر تقريراته ـ من مختلف الدورات الأصولية ـ على التعرض لما أشير إليه.
شككنا في كون المتكلم في مقام البيان من جميع الجهات بعد إحراز كونه في مقام البيان من جهة خاصة معينة، فهل هناك بناء من العقلاء على كونه
في مقام البيان من جميع الجهات أم لا؟
أما إذا شك في أصل كون المولى في مقام البيان في مقابل كونه في مقام الإهمال فبناء العقلاء ثابت على كونه في مقام البيان، فإن الغرض من وضع الألفاظ إنما هو بيان المرادات بها، وهو واضح، وأما إذا أحرزنا كونه في مقام البيان من جهة واحتملنا كونه في مقام البيان من بقية الجهات ـ ويعبر عنه بالإطلاق الوارد في مقام بيان حكم آخر ـ فلم يثبت بناء من العقلاء على إثبات ذلك أصلاً، بل كثيراً ما لا يلتفت المتكلم إلى جميع جهات الكلام فضلاً عن أن يكون في مقام بيانها، فلا بد حينئذٍ من الاقتصار في الأخذ بالإطلاق على الجهة التي أحرز كون المولى في مقام بيانها).
أقول: ينبغي البحث في موارد ..
(المورد الأول): هل أن التمسك بالإطلاق يتوقف على إحراز كون المتكلم في مقام البيان أو لا؟
المشهور بين الأصوليين أنه يتوقف على ذلك، ولكن أنكر ذلك جمع من المتأخرين.
قال بعض الأعلام (طاب ثراه)[1]ما ملخصه: إن الإطلاق يستفاد من ظهور ترتيب الحكم على الطبيعة في كونها تمام الموضوع بلا دخل للخصوصية، فلا يعتبر إحراز كون المتكلم في مقام البيان. وذلك لأن بناء العقلاء ـ بلا تشكيك ـ على العمل بظاهر الكلام بلا توقف وتردد، فمع الشك في إرادة الظاهر يرجع إلى أصالة الحقيقة كما هو الحال في كل مورد يشك في إرادة ظاهر الكلام منه. نعم إذا أحرز أنه ليس في مقام البيان من بعض الجهات وأنه في مقام الإهمال من تلك الجهة لا يكون الظاهر حجة
[1]منتقى الأصول ج:3 ص:442.
على مراده من تلك الجهة، وهو واضح، فإن بناء العقلاء على حجية الظاهر ما لم يحرز أنه لا يقصد الكشف عن مراده الواقعي به.
وقال بعض آخر[1]ما حاصله: إن بناء العرف على توقف التمسك بالإطلاق على إحراز كون المتكلم في مقام بيان تمام المراد غير ثابت، بل لا يبعد ابتناؤه على أن الإهمال كالتقييد خلاف الأصل لا يحمل عليه المطلق إلا بدليل، بل التأمل في المرتكزات العرفية الاستعمالية قاضٍ بأن ورود المطلق في مقام البيان بالنحو المذكور مقتضى ظهوره في العموم والسريان وتابع له ـ كالعام الوضعي ـ لا من مقدمات الظهور في العموم التي يلزم إحرازها في رتبة سابقة على الظهور فيه من دون أن تستفاد منه ـ نظير عدم وجود القيد المتصل الذي هو مقتضى أصالة عدم القرينة من دون أن يستفاد من نفس الكلام ـ ولذا لو ثبت من الخارج عدم كون المتكلم في مقام البيان من دون قرينة على ذلك محتف بها الكلام لم ينكشف عدم ظهور المطلق في السريان، بل الظهور باقٍ وإن سقط عن الحجية، بخلاف ما لو ثبت احتفافه بقرينة متصلة حالية أو مقالية دالة على التقييد، حيث ينكشف بذلك عدم الظهور في السريان وكذب أصالة عدم القرينة، لا أن الظهور باقٍ وإن سقط عن الحجية.
أقول: يمكن الخدش في البيان الأول بأن دعوى انعقاد الظهور للكلام في كون الطبيعي تمام الموضوع للحكم بلا دخل للخصوصية لمجرد عدم ذكر القيد ممنوعة، فإن العرف ـ كما يظهر بالرجوع إلى المرتكزات ـ لا يرى انعقاد الظهور للكلام في الإطلاق إلا بملاحظة كون المتكلم في مقام بيان تمام مرامه بكلامه وعدم كونه في مقام الإجمال والإبهام.
لا يقال: ما الفرق بين ظهور الكلام في المعنى الحقيقي ـ مثلاً ـ
[1]المحكم في أصول الفقه ج:2 ص:62.
وظهوره في الإطلاق لكي يفرق العرف بينهما فيبني على اشتراط كون المتكلم في مقام البيان في الثاني وعدم اشتراطه في الأول؟
فإنه يقال: إن أصل كون المتكلم في مقام بيان مرامه بما يتلفظ به معتبر حتى في الأول، وإنما الذي يزيد عليه الثاني هو اعتبار كونه في مقام بيان تمام مرامه في مقابل كونه في مقام بيان أصل ثبوت الحكم للطبيعي أي في الجملة.
وبهذا يظهر الخدش أيضاً في ما ورد في البيان الثاني ـ من دعوى أن كون المتكلم في مقام بيان تمام مراده ليس من مقدمات ظهور المطلق في العموم والسريان ليلزم إحرازه في رتبة سابقة على الظهور فيه، بل وروده في مقام البيان كذلك هو مقتضى ظهوره في الشمول والسريان وتابع له ـ فإن ظهور المطلق في كون الطبيعي هو تمام الموضوع للحكم لا يتم عرفاً إلا مع عدم التقييد من جهة وبملاحظة كون المتكلم بصدد بيان تمام مرامه من جهة أخرى، ولا وجه للقول بأن كونه في مقام البيان كذلك من مقتضيات ظهوره في العموم.
وأما ما استشهد به ـ من أنه لو ثبت من الخارج عدم كون المتكلم في مقام البيان من دون قرينة على ذلك محتف بها الكلام لم ينكشف عدم ظهور المطلق في السريان، بل الظهور باقٍ وإن سقط عن الحجية ـ فهو وإن كان تاماً ولكن لا يشهد على تمامية الدعوى المذكورة، إذ ينسجم أيضاً مع ما ذكرناه من إناطة انعقاد ظهور المطلق في الإطلاق بتوفر ما يقتضي كون المتكلم في مقام بيان تمام مرامه ـ كظهور حاله في ذلك على ما سيأتي ـ إذ بناءً عليه يكون قيام دليل منفصل على أنه لم يكن في مقام البيان موجباً لسقوط ظهور كلامه في الإطلاق عن الحجية ولا يكشف عن عدم انعقاده من الأول.
(المورد الثاني): إذا شك في كون المتكلم في مقام بيان تمام مرامه أو في مقام الإجمال والإبهام، فلا شك في أن بناء العقلاء قائم على كونه في مقام البيان وبالتالي انعقاد الإطلاق لكلامه، ولكن هل ذلك لأصل عقلائي مستقل برأسه أو من جهة ظهور حال كل متكلم في أنه بصدد بيان تمام مرامه بكلامه؟ فيه وجهان.
ربما يلوح الأول من كلام المحقق النائيني (قدس سره) وغيره. ولكن ناقش فيه بعض الأعلام (طاب ثراه)[1]بأنه لا يوجد في المقام أصل عقلائي تعبدي، بأن يكون العقلاء قد تبانوا على حمل كلام المتكلم على أنه صادر في مقام البيان بحيث يكون كل كلام حجة تعبداً على أن صاحبه في مقام بيان تمام مرامه، بل ليس تباني العقلاء على الحمل المذكور إلا صغرى من صغريات أصالة الظهور.
ويلاحظ على ما أفاده (قدس سره) بأنه يمكن أن لا يراد بالأصل العقلائي عند القائل به ما يكون مبنياً على التعبد المحض ـ ليقال: إنه ليس للعقلاء تعبدات عملية بل أصولهم اللفظية كلها بملاك الكاشفية النوعية ـ بل يراد به ما يكون مبنياً على ضرب من الكاشفية، نظير أصالة عدم القرينة المتصلة إذا كان احتمالها ناشئاً من احتمال خطأ الراوي وغفلته عن نقلها، حيث يبني (قدس سره)[2]على أنها بملاك الكاشفية النوعية ولذلك ينقح بها موضوع أصالة الظهور. فما المانع هنا من الالتزام بأن أصالة كون المتكلم في مقام البيان لا الإجمال أصل عقلائي مثل أصالة عدم الغفلة في الحسيات، والملاك فيه أيضاً الكاشفية النوعية بملاحظة قلة كون المتكلم في مقام الإبهام والإجمال وغلبة كونه في مقام البيان؟
[1]بحوث في علم الأصول ج:3 ص:418.
[2]بحوث في علم الأصول ج:4 ص:269.