يتعرض للمطر إناءً متنجساً بالولوغ من غير أن يعفر مسبقاً بالتراب هو رفع اليد عن إطلاق ما دل على عدم تطهر الإناء المتنجس بالولوغ من دون تعفيره بالتراب قبل غسله بالماء.
ومن هذا القبيل أيضاً النص الدال على الأمر بالوضوء لأداء الصلاة الفريضة، فإن مقتضى البناء على إطلاقه لما إذا كان الماء مأخوذاً من الأنهار الكبار المملوكة للغير هو رفع اليد عن إطلاق ما دل على عدم جواز التصرف في مال الغير بدون رضاه.
وفي هذه الموارد وما يشبهها يمكن أن يقال ـ بدواً ـ: إنه ينعقد الإطلاق للنصوص المذكورة، ويقع التعارض بينها وبين أدلة الأحكام المشار إليها بالعموم والخصوص من وجه.
مثلاً: النص الدال على أن المأموم الواحد يقف على يمين الإمام مطلق من حيث كون موقفه مساوياً له أو متأخراً عنه قليلاً، وما دل على أن المأموم يقف متأخراً عن الإمام مطلق من حيث كونه واحداً أو أزيد، فيتعارضان في المأموم الواحد في أنه هل يلزمه الوقوف متأخراً عن الإمام أو يجوز له الوقوف متساوياً له، وهكذا الحال في الموارد الأخرى المذكورة، أقصى الأمر أن في بعض الموارد يوجد ما يقتضي تقدم أحد الإطلاقين على الآخر في مورد التعارض، كما في المثال الأخير فإن الغصب لما كان من العناوين الثانوية الطارئة يتقدم دليل حرمته على أدلة الأحكام الأولية، كما هو محقق في محله.
وبالجملة: حكم الموارد المذكورة حكم ما إذا ورد في دليل (أكرم العالم) وفي آخر (لا تكرم الفاسق) فكما ينعقد الإطلاق للأول ويتعارض بالعموم من وجه مع الثاني كذلك الحال في الأمثلة المذكورة.
ولكن قد يقال ـ في مقابل ما ذكر ـ بأن النصوص المشار إليها وما
يماثلها مما ورد على سبيل القضية الحقيقية إنما تكون مسوقة لبيان حكم الأفراد من حيث اندراجها في ما ورد فيها من العناوين وليست بصدد إفادة حكمها الفعلي.
مثلاً: ما دل على لزوم أن يقف المأموم الواحد على يمين الإمام إنما يستفاد منه أن المأموم الواحد إذا وقف على يمين الإمام ولو مساوياً له يكون قد تحقق لصلاة جماعته الشرط المذكور، ولا يستفاد منه أنه لا يكون فيها عندئذٍ خلل من جهة أخرى كاشتراط كون موقف المأموم متأخراً عن موقف الإمام.
إلا أن هذا البيان غير مقبول، لأن مقتضاه عدم التعارض بين قوله: (أكرم العالم) وقوله: (لا تكرم الفاسق) في مورد العالم الفاسق، بل كون ذلك من موارد التزاحم الملاكي بين الحكمين، وهذا مخالف للمتفاهم العرفي وغير قابل للتصديق.
وبالجملة: دعوى كون النصوص المذكورة بصدد إفادة الحكم الحيثي لا الفعلي غير تامة في المقام ونظائره، وإنما تتم في مثل ما ورد لإفادة حكم الأشياء وفق عناوينها الأولية كالنص الدال على حلية لحم الغنم، فإنه لا ينعقد له الإطلاق بلحاظ العنوان الثانوي كالغصب كما هو واضح.
هذا والأولى أن يقال: إن مقتضى المقيد اللبي الارتكازي هو عدم شمول المطلق لما يكون في شموله له من الأفراد مؤونة زائدة، بأن يقتضي رفع اليد عن حكم ثابت فيه بعنوان آخر.
ففي مثال مطهرية ماء المطر يلاحظ أن شمول النص للإناء المتنجس بالولوغ غير المعفر بالتراب يقتضي مؤونة زائدة، وهي رفع اليد عن إطلاق عدم تطهر الإناء المتنجس بالولوغ إلا بالتعفير بالتراب قبل غسله بالماء، إذ لولا رفع اليد عن إطلاقه في خصوص ما يصيبه المطر لا يمكن البناء على
مطهريته له بالفعل كما هو ظاهر.
ولأجل المقيد اللبي المذكور لا يرى العرف أي تعارض بين الدليلين المذكورين، بل يبنى على عدم شمول ما دل على مطهرية ماء المطر لآنية الولوغ غير المعفرة بالتراب مسبقاً.
وهذا بخلاف ما إذا فرض في المثال نفسه أنه لم يكن لدليل اشتراط التعفير في تطهير الآنية المتنجسة بالولوغ إطلاق يشمل ما يراد تطهيره بماء المطر، فإنه على هذا التقدير إذا شك في مطهرية ماء المطر وحده في غسل الآنية المذكورة لا يبرز مانع من التمسك بإطلاق النص الدال على مطهريته للبناء على عدم اعتبار التعفير في تطهيرها، لأن شموله لها عندئذٍ لا يقتضي مؤونة زائدة، فليتأمل جيداً.
والحاصل: أنه لا ينبغي الشك في عدم المعارضة بين الدليلين بالعموم من وجه في موارد القسم الثاني المذكور، وليس السر فيه إلا ما مرّ في غير موضع[1]من أنه متى ما كان شمول المطلق لبعض أفراده مستـلزماً لمؤونة زائدة، فإنه لا يمكن البناء على شموله له وإثبات تلك المؤونة استناداً إلى الإطلاق.
وبذلك يعرف أنه لا ينبغي إدراج هذا القسم في ما هو محل البحث، لأن عدم شمول المطلق فيه لبعض الأفراد ليس بسبب كون المتكلم في مقام البيان من جهة دون جهة أخرى، إذ ليس فيه إلا حكم واحد وجهة واحدة فقط وكان المتكلم بصدد البيان بلحاظها، ولكن مع ذلك لا يشمل كلامه بعض الأفراد لوجه آخر، فليتأمل.
القسم الثالث: أن يكون المتكلم في مقام بيان حكم وأحرز إطلاقه بالنسبة إلى بعض أفراد الموضوع ولم يحرز بالنسبة إلى بعض آخر.
[1]لاحظ ص:84.
ومن هذا القسم ما تقدم برقم (10) من أنه لو ورد في دليل (أكرم العالم) وأحرز إطلاقه من حيث العدالة والفسق وشك في ذلك من حيث السيادة وعدمها، أو ورد في دليل (غسّلوا الموتى) وأحرز إطلاقه من حيث الذكورة والأنوثة وشك في ذلك من حيث كون الميت قاتلاً لنفسه وعدمه.
ولا ينبغي الريب في خروج هذا القسم عن محل البحث، إذ ليس فيه إلا حكم واحد قد تصدى المتكلم لبيانه، أقصى الأمر أنه يشك في كونه بصدد بيان تمام مرامه بشأنه، أي بلحاظ كافة الخصوصيات المعتبرة في ثبوته، ولا توجد جهـتان يحرز كون المتـكلم بصدد البيان بلحاظ إحداهما ويشك في كونه بصدد البيان بلحاظ الأخرى، ليدعي أحد أنه لا يوجد ما يقتضي البناء على كونه في مقام البيان بلحاظ الثانية.
وبذلك يظهر الخدش في ما ورد في كلام العلمين (قُدِّس سرُّهما) ـ في المنتقى والدروس ـ من إدراج المثالين المتقدمين في محل الكلام، ثم الاعتراض على المحقق النائيني (قدس سره) بأن مقتضى بنائه على عدم جواز التمسك بالإطلاق فيما إذا أحرز كون المتكلم في مقام البيان من جهة ولم يحرز ذلك من جهة أخرى هو عدم جواز التمسك بإطلاق الأمر بإكرام العالم والأمر بتغسيل الموتى في موردي الشك أي العالم غير السيد والميت القاتل لنفسه، مع أن هذا واضح المنع.
القسم الرابع: أن يكون المتكلم في مقام بيان حكم مع المفروغية عن ثبوت حكم آخر يبتني عليه الحكم الأول.
ومن هذا القسم ما مرّ برقم (4) من النص الدال على النهي عن شرب سؤر الطير إذا كان في منقاره دم، فإنه مسوق لبيان أمارية وجود الدم في منقار الطير على كونه من الدماء النجسة الموجبة لنجاسة ملاقيها، وليس بصدد بيان نجاسة الدم حتى يتمسك بإطلاقه في ما يشك في كونه
نجساً من الدماء كالدم الذي يكون في بيض الدجاج، أي أن أصل نجاسة الدم قد اعتبر أمراً مفروغاً منه في كلام الإمام7وبني عليه أمارية وجود الدم في منقار الطير على كونه من الدم النجس، فلا وجه لدعوى دلالة الرواية بالإطلاق على نجاسة الدم كما بنى عليه السيد الأستاذ (قدس سره) .
ومن هذ القسم أيضاً ما تقدم برقم (8) من النص الدال على النهي عن الشرب من الماء المتغير برائحة الجيفة، فإنه مسوق لبيان انفعال الماء الكثير إذا تغيرت رائحته بعين النجاسة، وليس بصدد بيان نجاسة الميتة لكي يتمسك بإطلاقه في ما يشك في نجاسته منها كالسقط قبل ولوج الروح فيه، أي إن أصل نجاسة الجيفة قد اعتبر أمراً مفروغاً منه في كلام الإمام7وبنى عليه الحكم بانفعال الماء، فلا سبيل إلى القول بدلالة الرواية بإطلاقها على نجاسة كل ميتة.
ومن هذا القسم أيضاً ما مرّ برقم (9) من النص الدال على أن الإناء الذي يشرب منه الخنزير يغسل سبعاً، فإنه مسوق لبيان كيفية غسل ذلك الإناء مع المفروغية عن تنجسه، وليس بصدد بيان أصل تنجس ما يلاقي فم الخنزير لكي يدعى أن مقتضى الإطلاق نجاسته وإن كان من المضاف البالغ مقدار الكر.
ويمكن أن يعدّ من هذا القسم أيضاً ـ كما مرّ في محله ـ ما دل على وجوب قضاء صوم يوم الشك لمن لم يصمه إذا شهد أهل بلد آخر على رؤيته، فإن الظاهر كونه مسوقاً لبيان اشتراط تحقق الشياع على الرؤية في ثبوت الهلال، مع المفروغية عن أصل كفاية الرؤية في بلد آخر، ولا أقل من الشك في ذلك، فلا يحرز انعقاد الإطلاق له من حيث كون ذلك البلد مختلفاً في الأفق عن بلد المكلف.
وبما تقدم يظهر اندراج هذا القسم في محل البحث، إذ المفروض فيه
كون المتكلم في مقام البيان من جهة وعدم كونه في مقام البيان ـ بل في مقام الإجمال أو الإبهام ـ من جهة أخرى، بالنظر إلى اعتبارها أمراً مفروغاً عنه، أو الشك في ذلك الموجب لعدم إحراز تحقق الإطلاق من الجهة الثانية.
القسم الخامس: أن يكون المتكلم في مقام بيان عدم ثبوت حكم إلا في بعض الموارد، أي نفي ثبوته في غيرها، مما يمكن أن يدعى ظهوره في المفروغية عن ثبوته فيها.
ومن هذا القسم ما تقدم برقم (2) من النص الدال على حصر نواقض الوضوء في البول والغائط والريح، فإنه مسوق لبيان عدم ناقضية ما عدا الثلاثة ـ مما كان يذهب فقهاء الجمهور إلى عدها من النواقض ـ ويمكن أن يقال: إنه ليس بصدد بيان ناقضية الثلاثة لينعقد له الإطلاق ويرجع إليه في ما يشك في ناقضيته منها كالبول الخارج من غير المخرج بآلة، وذلك لأن المتفاهم العرفي من الكلام المسوق لإفادة الحصر هو كونه بصدد بيان العقد السلبي، أي عدم ثبوت الحكم في ما عدا المذكورات، وليس بصدد بيان العقد الإيجابي، أي ثبوت الحكم فيها.
وبذلك يظهر الحال في قوله (ع):«إنما الغسل من الماء الأكبر»، فإنه يمكن أن يقال: إنه بصدد نفي وجوب الغسل في خروج الوذي وأشباهه، وليس بصدد بيان وجوبه في خروج الماء الأكبر لكي يتمسك بإطلاقه لو شك في وجوب الغسل على المرأة بالإنزال من غير جماع.
ونظير ذلك ـ كما مرّ في محله ـ ما دل على حصر الصيام والإفطار برؤية الهلال في مقابل الرأي والتظني، فإنه ظاهر في كونه مسوقاً لإفادة عدم الاعتداد بغير الرؤية ـ التي هي طريق حسي لإحراز ظهور الهلال على الأفق ـ في دخول شهري رمضان وشوال، فلا إطلاق له من حيث
كون الرؤية في بلد مختلف أفقاً عن بلد المكلف.
وهكذا ما دل على حصر وجوب القضاء على من صام رمضان تسعة وعشرين يوماً بمورد قيام البينة على رؤية الهلال قبل ذلك، فإنه مسوق لبيان بطلان توهم أن شهر مضان لا ينقص أبداً ليجب القضاء على من صام تسعة وعشرين يوماً وإن لم تكن بينة على رؤية الهلال قبل شروعه في الصوم، وعلى ذلك فلا إطلاق له من حيث انبعاث البينة من بلد آخر يختلف في الأفق عن بلد المكلف.
ولا ينبغي الإشكال في اندراج هذا القسم في محل البحث أيضاً، إذ المفروض فيه كون المتكلم في مقام البيان من جهة وعدم كونه في مقام البيان ـ بل في مقام الإجمال ـ من جهة أخرى، أو الشك في كونه في مقام البيان بلحاظها أيضاً.
وهكذا يتضح أن ما ينبغي عده مورداً للكلام في ما نحن بصدده هو خصوص القسمين الرابع والخامس من الأقسام الخمسة المتقدمة، وأما الأقسام الثلاثة الأولى فهي خارجة عن محل البحث، وإن كان لا ينبغي الشك في عدم جواز التمسك بالإطلاق في القسمين الأول والثاني وجوازه في القسم الثالث.
وبذلك يتضح أيضاً أنه يمكن بيان ضابط كلي لتشخيص موارد كون الكلام مسوقاً للبيان من جهة وعدم كونه مسوقاً للبيان من جهة أخرى ـ خلافاً لما يظهر من المحقق العراقي (قدس سره)[1]من عدم وجود ضابط لذلك يؤخذ به في جميع الموارد ـ وهو ما يستفاد مما مرّ في القسمين الأخيرين، من اشتمال الكلام على جهتين: إحداهما حكم مفروغ عن ثبوته أو يشك في كونه كذلك، والأخرى ما يحرز كون الكلام مسوقاً للبيان بلحاظها.
[1]نهاية الأفكار ج:1ــ2 ص:578.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن بعض الأعلام (قدس سره)[1]قد ذكر في معرض حديثه عن المقدمة الأولى من مقدمات الحكمة ـ وهي كون المتكلم في مقام البيان ـ أن ظاهر حال كل متكلم أنه في مقام بيان تمام مرامه بكلامه، ثم قال: (إن هذا الظهور الذي ترمز إليه المقدمة الأولى لا يعين أن المتكلم في مقام بيان أي شيء وإنما يعين أن الشيء الذي هو في مقام بيانه يكون هو بصدد بيان تمامه، فإن كل كلام يصدر من المتكلم لا بد وأن يكون بصدد معنى وبعد أن يتعين ذلك المعنى بالظهورات اللفظية يأتي دور ظهور حال المتكلم في أنه في مقام بيان تمام ذلك المعنى، فمثلاً عندما يقول المولى: (كلوا مما افترسه الكلب) يجب أن نعين أولاً أنه هل بصدد الإرشاد إلى تذكية فريسته أو إلى طهارة فريسته وبعد استظهار المعنى الأول مثلاً يأتي دور ظهور حال المولى في أنه بصدد بيان كل ما له دخل في المعنى الذي عيناه بالاستظهار، والمدلول الالتزامي لهذا الظهور حينئذٍ أنه لا يقصد نوعاً معيناً من ماهية الكلب، وإلا لكان تركه لذكر القيد الذي يعين ذلك النوع خلفاً للظهور المذكور.
والخلاصة: أن دور المقدمة الأولى إنما يبدأ بعد تعيين أصل المرام. وهذا هو المعني بكلمات الفقهاء في الاستدلالات الفقهية من المنع أحياناً عن التمسك بدلالة إطلاقية بدعوى عدم كون المطلق مسوقاً لبيان هذه الجهة مع اعترافهم بأن مقتضى الأصل كون المتكلم في مقام البيان).
ويلاحظ على هذا البيان ..
أولاً: أن ما تضمنه من أنه يلزم في البداية تحديد معنى الكلام بالظهورات اللفظية ثم البناء على كون المتكلم في مقام بيان تمام ذلك المعنى وانعقاد الإطلاق له بلحاظ جميع الخصوصيات المحتملة فيه إنما يتم فيما إذا
[1]بحوث في علم الأصول ج:3 ص:418.