بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 196

مقام بيان حكم ما يكفي في كونه فائدة لكلامه ومخرجاً له عن الإهمال، فيحتاج إثبات أنه في مقام بيان حكم آخر غير هذا الحكم المعلوم كونه في مقام بيانه إلى دليل مفقود في المقام على الفرض).

وعلّله السيد الأستاذ (قدس سره)[1]بأنه إذا شك في كون المتكلم في مقام البيان أو الإهمال، فحيث إن الإهمال الثبوتي غير معقول .. بل لا بد من الإطلاق أو التقييد، ومقام الإثبات واللفظ تابع لمقام الثبوت إبرازاً .. فلا محالة لا يكون الإهمال ثابتاً في مرحلة الإثبات واللفظ أيضاً، إلا إذا كان هناك غرض على الإهمال ونصب عليه قرينة .. ومن هنا استقر بناء العقلاء على الحكم بكون المتكلم في مقام البيان لا الإهمال مهما شك في ذلك. وهذا بخلاف ما إذا أحرز كونه في مقام البيان من جهة واحتمل كونه في مقام البيان من جهات أُخر، فإن الشك حينئذٍ في سعة مقام الثبوت وضيقه، ومن ثم لم يستقر بناء من العقلاء على كونه في مقام البيان من جميع الجهات، وهذا هو الفارق بين القسمين.

واعترض بعض الأعلام (طاب ثراه)[2]على ما ذكره المحقق النائيني بأن استدلاله (قدس سره) بعدم اللغوية في غير محله، إذ لم يكن البناء على أن المتكلم في مقام البيان من جهة صون كلامه عن اللغوية، كيف وقد التزم (قدس سره) بإمكان ورود الكلام في مقام التشريع لا أكثر.

ولكن هذا الاعتراض غير وارد، إذ ليس مقصوده (رضوان الله عليه) بالفائدة المترتبة على كون المتكلم في مقام البيان هو ما يقابل اللغوية، بل ما يقابل الإهمال ـ كما صرح به ـ ومن الواضح ترتبها على كون المتكلم في مقام البيان ولو من جهة واحدة.

[1]دراسات في علم الأصول ج:2 ص:337.

[2]منتقى الأصول ج:3 ص:442.


صفحه 197

ومهما يكن فالظاهر أن أصل ما ذكره العلمان ـ المحقق النائيني والسيد الأستاذ (قُدِّس سرُّهما) ـ في المقام تام[1]، لأن إحراز كون المتكلم في مقام البيان إما أن يستند فيه إلى ظهور حاله في ذلك، وإما إلى الأصل المدعى كونه من الأصول العقلائية، وأي منهما مما لا مجال له في مورد الكلام ..

أما ظهور الحال فلأن أقصى ما يمكن الجزم به هو ظهور حال المتكلم في أصل كونه في مقام البيان ـ في مقابل كونه في مقام الإجمال والإبهام ـ وأما ظهور حاله في أنه في مقام البيان من جميع الجهات فهو غير ثابت إلا إذا قامت قرينة عليه في بعض الموارد.

وأما الأصل العقلائي فالدليل عليه لبّي وهو السيرة العقلائية، ومن الواضح أنه عند الشك لا بد من الاقتصار على القدر المتيقن من موردها وهو غير ما نحن فيه.

هذا وأما ما أبداه السيد الأستاذ (طاب ثراه) من الفرق الثبوتي بين مورد الشك في كون المتكلم في مقام البيان أو في مقام الإجمال وبين مورد الشك في كونه في مقام البيان من جهة مع إحراز كونه في مقام البيان من جهة أخرى فهو لا يخلو من مناقشة.

وذلك لأن المنع من الإهمال بدعوى أنه غير معقول في الواقعيات غير تام على إطلاقه، لاختصاصه بما إذا قيست الماهية إلى ما يصح أن

[1]تجدر الإشارة إلى أنه لو بني على انعقاد الظهور في الإطلاق ولو من دون إحراز كون المتكلم في مقام البيان، فإن ذلك يختص بما إذا لم يكن الكلام محتفاً بما يناسب وروده في مقام البيان من بعض الجهات، وإلا تعين البناء على انعقاد الإطلاق له من غير تلك الجهة كما صرح به بعض القائلين بالمبنى المذكور (لاحظ المحكم في أصول الفقه ج:2 ص:63). ويمكن أن يقال: إن ما تقدم من القسمين الرابع والخامس إنما هو من هذا القبيل، فليتدبر.


صفحه 198

يقسمها إلى قسمين، وأما الماهية غير المقيسة إليه فلا تتصف بالإطلاق أو التقييد اللحاظيين. ومن هنا خصّ (قدس سره) ـ في بعض كلماته[1]ـ الحكم بامتناع الإهمال في متعلق الشوق ـ الذي هو من مبادئ الإرادة التي يستند إليها كل حكم ـ بما إذا كان المشتاق ملتفتاً إلى انقسامات الماهية.

ومع الغض عن ذلك فمن الواضح أنه لا فرق في امتناع الإهمال وتعين الإطلاق أو التقييد بين جهة وأخرى، ولا معنى للقول بأنه لا يجوز كون الحكم مهملاً من جميع الجهات ويجوز أن يكون مطلقاً بلحاظ بعضها ومهملاً بلحاظ البعض الآخر، فإن دليل امتناع الإهمال لو تم فإنه يعم جميع انقسامات الماهية ولا يفرق فيه بين جهة وجهة غيرها كما لا يخفى.

(المورد الخامس): تقدم أن المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) ذكر أنه إذا كان المتكلم في مقام البيان من جهة دون جهة أخرى فلا سبيل إلى الأخذ بالإطلاق من الجهة الثانية إلا إذا كان بين الجهتين ملازمة عقلاً أو شرعاً أو عادة.

وعقّب عليه المحقق المشكيني (قدس سره)[2]قائلاً: (والأول كما إذا ورد: (لا بأس بالصلاة في عذرة غير المأكول ناسياً)، فإن نفي مانعيتها من حيث النجاسة ملازم عقلاً لنفيها من حيث الجزئية لغير المأكول، فإذا فرض كون المولى في مقام البيان من الجهة الأولى، يحمل على الإطلاق من الجهة الثانية أيضاً للملازمة العقلية.

والثاني مثل قوله: (إذا سافرت فقصّر) بناءً على شمول التقصير للإفطار، فإذا فرض كونه في مقام البيان من جهة الصلاة، يحمل على الإطلاق من جهة الإفطار أيضاً، للملازمة الشرعية المستفاد من قوله7:

[1]أجود التقريرات ج:1 ص:103 (الهامش).

[2]كفاية الأصول مع حواشي المشكيني ج:3 ص:502.


صفحه 199

«إذا قصرت أفطرت».

والثالث مثل ما إذا ورد: (أنه لا بأس بالصلاة في جلد الميتة)، وفرضنا أن الغالب فيه النجاسة، فإذا فرض كونه مسوقاً في بيان عدم مانعية عنوان الميتة، يحمل على الإطلاق من جهة النجاسة أيضاً وأنها غير مانعة.

ولا إشكال في ذلك، وإنما الإشكال في أن هذه الملازمة هل تصير سبباً لكون المولى في مقام البيان التخاطبي من الجهة المذكورة أيضاً، لأنه لا يمكن للحكيم الملتفت إلى تلازم الجهتين حكماً التفكيك بحسب البيان التخاطبي، أو لا؟ وجهان.

ذهب الأستاذ ـ يعني المحقق الشيخ علي القوجاني (قدس سره) ـ إلى الأول، متمسكا بما ذكر، والأقوى هو الثاني .. لأن الملازمة بين الجهتين بحسب الحكم لبّاً لا توجب كون المولى في مقام البيان من الجهتين معاً، لعدم لزوم قبح من التفكيك عقلاً).

أقول: أما في مورد الملازمة العقلية فالتفكيك بين الجهتين ـ بكون المولى في المثال المذكور بصدد استثناء عذرة غير مأكول اللحم من عدم جواز الصلاة في النجاسة وعدم كونه بصدد استثنائها من عدم جواز الصلاة في أجزاء ما لا يؤكل لحمه ـ وإن كان ممكناً إلا أنه بعيد عن الأذهان العرفية، بل المستظهر فيه كونه بصدد بيان الاستثناء من كلا الحكمين.

وأما في مورد الملازمة الشرعية فلا وجه لما ذكر من التفكيك في المثال المذكور بعد فرض أن لفظ التقصير شامل للإفطار وأعم منه لغة، اللهم إلا إذا ادعي انصرافه إلى التقصير في الصلاة وإن أمكن أن يراد به الأعم منه ومن الإفطار، ولكن بناءً عليه يتجه التفكيك بينهما في البيان، أي أن يكون الإمام7بصدد بيان حكم المسافر من حيث القصر في الصلاة فقط، بل


صفحه 200

لا وجه لدعوى كونه بصدد بيان حكمه من حيث الإفطار وعدم الصيام أيضاً إلا إذا فرض أن الملازمة بين القصر والإفطار بمثابة من الوضوح في أذهان المتشرعة بحيث يكون الأمر بأحدهما أمراً بالآخر، ولكن هذا مجرد فرض لا واقع له.

وأما في مورد الملازمة العادية فحيث إنه يحتمل التفكيك في الحكم بأن يكون الترخيص في الصلاة في جلد الميتة في المثال المذكور استثناءَ من عدم جواز الصلاة في الميتة وإن كانت طاهرة، بلا استثناء من عدم جواز الصلاة في النجس حتى إذا كان من قبيل جلد الميتة، فبالإمكان دعوى انعقاد الإطلاق المقامي لكلام الإمام7في استثناء جلد الميتة من الحكم الثاني أيضاً، لأنه بعد فرض أن الغالب فيه هو النجاسة يكون من المناسب جداً مع عدم جواز الصلاة في أفراده الغالبة ـ لهذا السبب ـ هو التنبيه على ذلك وعدم السكوت عن بيانه، حذراً من وقوع المخاطب في خلاف وظيفته الشرعية ـ بتوهم ثبوت الاستثناء من كلا الحكمين لقلة جدواه بغير ذلك ـ فمع ترك التنبيه يستفاد إطلاق الترخيص وشمول الاستثناء حتى للميتة النجسة.

وبالجملة: إنه يمكن في مورد الملازمة العادية البناء على كون المتكلم في مقام البيان حتى من الجهة الثانية، ولكنه إنما يحقق الإطلاق المقامي لا اللفظي، فليتدبر.


صفحه 201

فهرس المحتويات

المقدمة ... 7

اتحاد الآفاق أو اختلافها في بداية الأشهر القمرية ... 9

أقوال فقهاء الإمامية ... 10

أقوال فقهاء الجمهور ... 18

أدلة القول باتحاد الآفاق ... 21

الرواية الأولى: موثقة عبد الله بن بكير ... 21

الرواية الثانية: معتبرة الحلبي ... 24

الرواية الثالثة: صحيحة الخزاز ... 27

الرواية الرابعة: معتبرة إسحاق بن عمار ... 30

الرواية الخامسة: صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله ... 30

الرواية السادسة: صحيحة هشام بن الحكم ... 39

الرواية السابعة: موثقة سماعة ... 43

الرواية الثامنة: صحيحة أبي بصير ... 44

الرواية التاسعة: معتبرة محمد بن عيسى ... 51

الرواية العاشرة: خبر ابن أبي حمزة ... 60

وجوه أخرى للقول باتحاد الآفاق ... 69

الوجه الأول: وحدة ليلة القدر ويوم العيد ... 69

الوجه الثاني: سكوت النصوص عما يدل على الاختلاف في بداية الأشهر ... 72

الوجه الثالث: روايات عدم نقصان شهر رمضان ... 77

الوجه الرابع: روايات رؤية الهلال قبل الزوال ... 79


صفحه 202

الوجه الخامس: عدم إمكان تطبيق نظرية اختلاف الآفاق في جميع البلاد الإسلامية ... 80

تفاصيل القول باتحاد الآفاق ... 81

التفصيل الأول ... 81

التفصيل الثاني ... 89

التفصيل الثالث ... 103

أدلة القول باختلاف الآفاق ... 117

الرواية الأولى: معتبرة معمر بن خلاد ... 117

الرواية الثانية: صحيحة الخزاز ... 128

الرواية الثالثة: صحيحة محمد بن مسلم ... 134

مبعدات القول باتحاد الآفاق ... 139

الأمر الأول ... 139

الأمر الثاني ... 141

الأمر الثالث ... 146

هل هناك ما يبعد القول باختلاف الآفاق؟ ... 150

رؤية الهلال في مكان هل هو أمارة شرعية على إمكانية رؤيته في أماكن أخرى؟ ... 152

كيف يكون الموقف من أدلة القولين مع تماميتها في حدّ ذاتها؟ ... 158

مقتضى الأصل اللفظي في المسألة ... 163

مقتضى الأصل العملي في المسألة ... 167

ملحق في حكم الأخذ بالإطلاق إذا كان المتكلم في مقام البيان من جهة ولم يحرز كونه في مقام البيان من جهة أخرى ... 171

فهرس المحتويات ... 201