أصحهما لا يجب الصوم على أهل البلد الأخرى، وبهذا قطع المصنف ـ يعني به أبا إسحاق الشيرازي ـ والشيخ أبو حامد والبندنيجي وآخرون وصححه العبدري والرافعي والأكثرون ـ أي من فقهاء الشافعية ـ والثاني يجب، وبه قال الصيمري وصححه القاضي أبو الطيب والدارمي وأبو علي السنجي وغيرهم).
وقال المرداوي الحنبلي[1]: (إذا رأى الهلال أهل بلد .. لا خلاف في لزوم الصوم على من رآه، وأما من لم يره فإن كانت المطالع متفقة لزمهم الصوم أيضاً وإن اختلفت المطالع فالصحيح من المذهب ـ أي الحنبلي ـ لزوم الصوم أيضاً .. وقال في الفائق: والرؤية ببلد تلزم المكلفين كافة، وقيل: تلزم من قارب مطلعهم .. قال شيخنا ـ يعني به الشيخ تقي الدين ـ: تختلف المطالع باتفاق أهل المعرفة، فإن اتفقت لزم الصوم وإلا فلا).
هذه نبذة من كلمات الفريقين في المسألة، ثم بعد ذلك يقع الكلام في مقامين ..
أدلة القول باتحاد الآفاق
(المقام الأول): في ما يستدل به للقول باتحاد الآفاق، أي أن رؤية الهلال في مكان ما تكفي لدخول الشهر الجديد في جميع الأمكنة.
وعمدة ما استدل به لهذا القول عدد من الروايات ..
(الرواية الأولى): موثقة عبد الله بن بكير بن أعين[2]عن أبي عبد الله7قال:«صم للرؤية وأفطر للرؤية، وليس رؤية الهلال أن يجيء الرجل والرجلان فيقولان رأينا، إنما الرؤية أن يقول القائل: رأيت، فيقول القوم: صدقت».
[1]الإنصاف ج:3 ص:273.
[2]تهذيب الأحكام ج:4 ص:164.
ونحوها موثقة أبي العباس الفضل بن عبد الملك[1]عن أبي عبد الله7قال:«الصوم للرؤية والفطر للرؤية، وليس الرؤية أن يراه واحد ولا اثنان ولا خمسون»، ونحوهما روايات أخرى.
وموضع الاستدلال من هذه الروايات هو ما تضمنته من الأمر بالصوم للرؤية والإفطار للرؤية، فإنه قد قيل: إن مقتضى إطلاقه عدم الفرق بين رؤية المكلف نفسه ورؤية غيره، بلا فرق بين كون المكلف قد رأى الهلال في بلد ثم انتقل إلى بلد آخر بعيد عن بلده الأول بحيث يختلف عنه في الأفق وعدمه، وأيضاً بلا فرق في ذلك الغير بين كونه في بلد المكلف أو بلد قريب منه أو بلد بعيد عنه جداً.
وبالجملة: مقتضى إطلاق الروايات المذكورة هو الاكتفاء بالرؤية في دخول شهري رمضان وشوال في أي مكان حصلت وإن كان مختلفاً عن بلد المكلف في الأفق.
ولكن هذا الاستدلال ضعيف، فإنه قد ذكر في محله من علم الأصول وأوضحته في موضع آخر[2]أنه متى كان الكلام مسوقاً للبيان من جهة ولم يكن مسوقاً للبيان من جهة أخرى لا ينعقد له الإطلاق من الجهة الثانية، بل لو شك في كونه مسوقاً للبيان من الجهة الثانية فإنه لا يوجد أصل عقلائي يقتضي كونه في مقام البيان من هذه الجهة أيضاً، بخلاف ما إذا شك في أصل كون المتكلم في مقام البيان أو في مقام الإجمال فإن مقتضى الأصل العقلائي هو كونه في مقام البيان، فينعقد لكلامه الظهور في الإطلاق.
[1]تهذيب الأحكام ج:4 ص:156.
[2]لاحظ ص:171.
وعلى هذا الأساس أقول: إن الأمر بالصوم للرؤية والإفطار للرؤية لو كان مسوقاً لبيان أصل دخول شهري رمضان وشوال برؤية الهلال لانعقد له الإطلاق من الجهة المبحوث عنها، كما لو قيل: (أكرم العالم) المسوق لبيان وجوب إكرام العالم فإنه ينعقد له الإطلاق من جهة كون العالم طبيباً أو فقيهاً أو مهندساً أو غير ذلك.
ولكن من الظاهر أنه ليس مسوقاً لبيان ذلك، فإن أصل دخول الشهر الجديد بالرؤية من الواضحات التي لا وجه لتصدي الإمام7لبيانه، بل هو مسوق لحصر ثبوت بداية الشهرين ـ رمضان وشوال ـ في الرؤية التي سمتها أنه يحرز بها ظهور الهلال في الأفق عن حس، لإفادة عدم كفاية الحدس في ذلك[1].
ويشهد لهذا ما ورد في ذيل صحيحة محمد بن مسلم[2]«إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا وليس بالرأي ولا بالتظني». وكذلك موثقة سماعة[3]:«صيام شهر رمضان بالرؤية وليس بالظن».
[1]وقد يحتمل كون الأمر بالصوم للرؤية والفطر للرؤية مسوقاً لبيان أنه يعتبر في دخول شهري رمضان وشوال ظهور الهلال على الأفق بنحو قابل للرؤية بالعين البشرية، فلا يكفي العلم بأصل خروجه عن تحت الشعاع، أي أن الرؤية وإن كانت ظاهرة في الطريقية دون الموضوعية ولكنها إنما ذكرت طريقاً إلى ما يكون من حيث الحجم والارتفاع قابلاً للنظر إليه بالعين دون ما يكون أضعف أو أدنى من ذلك.
ولكن لا قرينة على كون شيء من النصوص المتضمنة للأمر بالصوم للرؤية والفطر للرؤية مسوقاً لبيان المعنى المذكور، فلاحظ.
[2]الكافي ج:4 ص:77.
[3]تهذيب الأحكام ج:4 ص:156.
وتجدر الإشارة إلى أن الظاهر أن عدم ذكر اسم الإمام (أبي عبد الله)7في سند الرواية وفق نسخة التهذيب المطبوعة إنما هو سهو من قلم بعض الناسخين بقرينة ذكره في الاستبصار (ج:2 ص:63)، وكذلك في رسالة الشيخ المفيد في الرد على أصحاب العدد (ص:41). وأما ما في الاستبصار من ذكر (رفاعة) بدل (سماعة) فالظاهر أنه تصحيف، بقرينة كون الراوي عنه عثمان بن عيسى الذي يروي عن سماعة دون رفاعة.
ومعتبرة إسحاق بن عمار[1]في كتاب علي7:«صم لرؤيته وافطر لرؤيته، وإياك والشك والظن، فإن خفي عليكم فأتموا الشهر الأول ثلاثين».
فإنه يظهر من هذه الروايات بوضوح أن الأمر فيها بالصوم للرؤية والإفطار للرؤية مسوق لبيان أنه لا بد من إحراز ظهور الهلال على الأفق عن حس، ولا يكفي فيه الظن ونحوه من الحدس.
وأما في موثقتي ابن بكير وأبي العباس فيبدو أن الإمام7إنما أشار إلى حصر ثبوت شهري رمضان وشوال في الرؤية تمهيداً لبيان أن الرؤية يجب أن تكون يقينية، ولذلك عقّب قوله:«صم للرؤية وأفطر للرؤية»بقوله:«وليس رؤية الهلال أن يجيء الرجل والرجلان ..»، أو بقوله:«وليس الرؤية أن يراه واحد ولا اثنان ..».
وبالجملة: إن الأمر بالصوم للرؤية والإفطار للرؤية ليس مسوقاً لبيان أصل ثبوت شهري رمضان وشوال بالرؤية ليتم له الإطلاق من الجهة المبحوث عنها، بل مسوق لبيان أمر آخر، فلا ينعقد له الإطلاق بلحاظها. ولو شك في كونه مسوقاً لبيان تلك الجهة أيضاً لم يمكن البناء على ذلك، لما تقدم آنفاً من أنه لا يوجد أصل عقلائي يقتضي البناء عليه.
فالنتيجة: أنه لا يتم الاستدلال بإطلاق قوله:«صم للرؤية وأفطر للرؤية»للقول بوحدة الآفاق، لعدم تحقق الإطلاق له، فليتدبر.
(الرواية الثانية): معتبرة عبيد الله بن علي الحلبي[2]عن أبي عبد الله7قال: سألته عن الأهلة. قال:«هي أهلة الشهور، فإذا رأيت الهلال
____________
(1) تهذيب الأحكام ج:4 ص:158.
(2) تهذيب الأحكام ج:4 ص:162. ونحوها في ص:157.
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
ذكر7الطريق المتعارف لذلك وهو قيام البينة على الرؤية. فعلى هذا لا ينعقد لكلامه7إطلاق من حيث كون البينة منبعثة من مكان بعيد يختلف أفقه في رؤية الهلال عن أفق بلد المكلف إما قطعاً أو احتمالاً.
وبعبارة أخرى: يستفاد من عدد من النصوص أن في عصر الأئمة:كان هناك توهم سائد لدى قسم من المسلمين، وهو أن شهر رمضان لا يكون أقل من ثلاثين يوماً بتصور أنه مؤدى قوله تعالى:(وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ)، ومن هنا كان هؤلاء يقضون يوماً إذا صاموا تسعة وعشرين يوماً ثم رأوا هلال شوال. وقد اعتنى الأئمة:برفع هذا التوهم وإبطاله.
ففي رواية عبد الأعلى بن أعين[1]عن أبي عبد الله7قال: سمعته يقول:«إذا صمت لرؤية الهلال وأفطرت لرؤيته فقد أكملت الشهر، وإن لم تصم إلا تسعة وعشرين يوماً، فإن رسول الله6قال: الشهر هكذا وهكذا وهكذا، وأشار بيده عشراً وعشراً وعشراً. وهكذا وهكذا وهكذا عشرة وعشرة وتسع».
وفي موثقة يونس بن يعقوب[2]قال: قلت لأبي عبد الله7: صمت شهر رمضان على رؤية تسعة وعشرين يوماً وما قضيت. قال: فقال لي:«وأنا صمته وما قضيت». قال: ثم قال لي:«قال رسول الله6الشهر شهر كذا ..».
وفي ضوء ذلك أقول: إن الظاهر كون الإمام7في صحيحة الحلبي وما بمضمونها في مقام رد التوهم المذكور من أن شهر رمضان لا يكون أقل من ثلاثين يوماً، فإذا صام المكلف تسعة وعشرين يوماً ورأى هلال شهر شوال فعليه أن يقضي يوماً لفواته عليه من أول الشهر، أي أنه7
[1]تهذيب الأحكام ج:4 ص:164ـ165.
[2]تهذيب الأحكام ج:4 ص:161.
أراد أن يبين أن شهر رمضان كسائر الشهور قد يكون تسعة وعشرين يوماً فتبرأ ذمة المكلف بصيامها، نعم إذا ثبت دخوله قبل اليوم الذي بدأ فيه بالصوم فعليه قضاء يوم واحد، وإنما ذكر قيام البينة على رؤيته قبل ذلك من حيث كونه هو الطريق المتعارف لإحراز فوات صيام أول الشهر على المكلف.
وإذا كان7في مقام بيان هذا المعنى فلا ينعقد لكلامه إطلاق من حيث انبعاث البينة على الرؤية في الليلة السابقة من مكان مختلف عن بلد المكلف في الأفق قطعاً أو احتمالاً.
وبهذا يظهر أن ما ورد في كلام السيد الأستاذ (قدس سره)[1]وغيره من الاستدلال بالروايات المشار إليها للقول بوحدة الآفاق مما لا يمكن المساعدة عليه.
(الرواية الثالثة): صحيحة إبراهيم بن عثمان الخزاز[2]عن أبي عبد الله7قال: قلت له: كم يجزي في رؤية الهلال؟ فقال:«إن شهر رمضان فريضة من فرائض الله فلا تؤدوا بالتظني، وليس رؤية الهلال أن يقوم عدة فيقول واحد: قد رأيته، ويقول الآخرون: لم نره. إذا رآه واحد رآه مائة، وإذا رآه مائة رآه ألف. ولا يجزي في رؤية الهلال إذا لم يكن في السماء علة أقل من شهادة خمسين، وإذا كانت في السماء علة قبلت شهادة رجلين يدخلان ويخرجان من مصر».
ونحوها خبر حبيب الخزاعي[3]قال: قال أبو عبد الله7:«لا تجوز الشهادة في رؤية الهلال دون خمسين رجلاً عدد القسامة، وإنما تجوز
[1]مستند العروة الوثقى (كتاب الصوم) ج:2 ص:120 ط:نجف.
[2]تهذيب الأحكام ج:4 ص:160.
[3]تهذيب الأحكام ج:4 ص:159.
شهادة رجلين إذا كانا من خارج المصر وكان بالمصر علة، فأخبرا أنهما رأياه وأخبرا عن قوم صاموا للرؤية».
وقد أشار السيد الأستاذ (قدس سره)[1]إلى الصحيحة الأولى قائلاً: (إنها تشمل الشهادة الحاصلة من غير البلد على إطلاقها)، أي أنه استدل بإطلاقها على القول بوحدة الآفاق.
ولكن قد يقال: إن هذه الصحيحة ـ على خلاف صحيحة الحلبي وما ماثلها ـ ليس فيها ما يشير إلى تعلقها بالقضاء، بل ظاهرها هو التعلق بالأداء، ولا سيما بقرينة قوله7:«فلا تؤدوا بالتظني».
وعلى ذلك يمكن أن يدعى: إنه لا ينعقد لها الإطلاق من حيث انبعاث البينة على رؤية الهلال من بلد بعيد جداً عن بلد المكلف يختلف عنه في الأفق، إذ لم يكن يتيسر في تلك الأزمنة وصول البينة على رؤية هلال أول رمضان من بلد آخر إلى بلد المكلف ليصوم ذلك اليوم إلا إذا كان ذلك البلد الآخر قريباً منه لا يختلف عنه في الأفق، لعدم توفر وسائل النقل السريعة في ذلك العصر على خلاف ما هو الحال عليه في هذا الزمان[2].
[1]مستند العروة الوثقى (كتاب الصوم) ج:2 ص:120 ط:نجف.
[2]قد يقال: إن ما ذكر إن تم لا يمنع من انعقاد الإطلاق للصحيحة بلحاظ الأزمنة المستقبلة التي كان الإمام7على علم بتيسر التواصل السريع فيها بين الأمكنة المتباعدة في وقت قصير جداً، فلو كان الحكم المذكور مختصاً بالبلد القريب المتحد أفقاً مع بلد المكلف لكان ينبغي أن يقيده الإمام7بذلك.
ولكن هذا الكلام غير واضح، فإن انعقاد الإطلاق من الجهة المذكورة إنما يتم لو كان المتكلم ملزماً ـ وفق الطريقة العقلائية ـ بأن يلاحظ ما يقع قطعاً أو احتمالاً محلاً للابتلاء ولو في الأزمنة البعيدة جداً، إلا أن هذا غير ثابت، ومن هنا ذكر غير واحد من الفقهاء بشأن صحيحة علي بن جعفر عن أخيه7قال: سألته عن رجل نسي الاحرام بالحج، فذكره وهو بعرفات، ما حاله؟ قال:«يقول: اللهم على كتابك وسنة نبيك، فقد تم إحرامه»أنه لا إطلاق لها بالنسبة إلى من يتمكن من الرجوع من عرفات إلى مكة للإحرام فيها ثم إدراك الوقوف بعرفات قبل غروب الشمس، لأن هذا لم يكن أمراً متيسراً في زمن الإمام7وإن كان متيسراً في هذه الأزمنة لتوفر وسائل النقل السريعة، فليتدبر.