وعلى هذا الأساس أقول: إن الأمر بالصوم للرؤية والإفطار للرؤية لو كان مسوقاً لبيان أصل دخول شهري رمضان وشوال برؤية الهلال لانعقد له الإطلاق من الجهة المبحوث عنها، كما لو قيل: (أكرم العالم) المسوق لبيان وجوب إكرام العالم فإنه ينعقد له الإطلاق من جهة كون العالم طبيباً أو فقيهاً أو مهندساً أو غير ذلك.
ولكن من الظاهر أنه ليس مسوقاً لبيان ذلك، فإن أصل دخول الشهر الجديد بالرؤية من الواضحات التي لا وجه لتصدي الإمام7لبيانه، بل هو مسوق لحصر ثبوت بداية الشهرين ـ رمضان وشوال ـ في الرؤية التي سمتها أنه يحرز بها ظهور الهلال في الأفق عن حس، لإفادة عدم كفاية الحدس في ذلك[1].
ويشهد لهذا ما ورد في ذيل صحيحة محمد بن مسلم[2]«إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا وليس بالرأي ولا بالتظني». وكذلك موثقة سماعة[3]:«صيام شهر رمضان بالرؤية وليس بالظن».
[1]وقد يحتمل كون الأمر بالصوم للرؤية والفطر للرؤية مسوقاً لبيان أنه يعتبر في دخول شهري رمضان وشوال ظهور الهلال على الأفق بنحو قابل للرؤية بالعين البشرية، فلا يكفي العلم بأصل خروجه عن تحت الشعاع، أي أن الرؤية وإن كانت ظاهرة في الطريقية دون الموضوعية ولكنها إنما ذكرت طريقاً إلى ما يكون من حيث الحجم والارتفاع قابلاً للنظر إليه بالعين دون ما يكون أضعف أو أدنى من ذلك.
ولكن لا قرينة على كون شيء من النصوص المتضمنة للأمر بالصوم للرؤية والفطر للرؤية مسوقاً لبيان المعنى المذكور، فلاحظ.
[2]الكافي ج:4 ص:77.
[3]تهذيب الأحكام ج:4 ص:156.
وتجدر الإشارة إلى أن الظاهر أن عدم ذكر اسم الإمام (أبي عبد الله)7في سند الرواية وفق نسخة التهذيب المطبوعة إنما هو سهو من قلم بعض الناسخين بقرينة ذكره في الاستبصار (ج:2 ص:63)، وكذلك في رسالة الشيخ المفيد في الرد على أصحاب العدد (ص:41). وأما ما في الاستبصار من ذكر (رفاعة) بدل (سماعة) فالظاهر أنه تصحيف، بقرينة كون الراوي عنه عثمان بن عيسى الذي يروي عن سماعة دون رفاعة.
ومعتبرة إسحاق بن عمار[1]في كتاب علي7:«صم لرؤيته وافطر لرؤيته، وإياك والشك والظن، فإن خفي عليكم فأتموا الشهر الأول ثلاثين».
فإنه يظهر من هذه الروايات بوضوح أن الأمر فيها بالصوم للرؤية والإفطار للرؤية مسوق لبيان أنه لا بد من إحراز ظهور الهلال على الأفق عن حس، ولا يكفي فيه الظن ونحوه من الحدس.
وأما في موثقتي ابن بكير وأبي العباس فيبدو أن الإمام7إنما أشار إلى حصر ثبوت شهري رمضان وشوال في الرؤية تمهيداً لبيان أن الرؤية يجب أن تكون يقينية، ولذلك عقّب قوله:«صم للرؤية وأفطر للرؤية»بقوله:«وليس رؤية الهلال أن يجيء الرجل والرجلان ..»، أو بقوله:«وليس الرؤية أن يراه واحد ولا اثنان ..».
وبالجملة: إن الأمر بالصوم للرؤية والإفطار للرؤية ليس مسوقاً لبيان أصل ثبوت شهري رمضان وشوال بالرؤية ليتم له الإطلاق من الجهة المبحوث عنها، بل مسوق لبيان أمر آخر، فلا ينعقد له الإطلاق بلحاظها. ولو شك في كونه مسوقاً لبيان تلك الجهة أيضاً لم يمكن البناء على ذلك، لما تقدم آنفاً من أنه لا يوجد أصل عقلائي يقتضي البناء عليه.
فالنتيجة: أنه لا يتم الاستدلال بإطلاق قوله:«صم للرؤية وأفطر للرؤية»للقول بوحدة الآفاق، لعدم تحقق الإطلاق له، فليتدبر.
(الرواية الثانية): معتبرة عبيد الله بن علي الحلبي[2]عن أبي عبد الله7قال: سألته عن الأهلة. قال:«هي أهلة الشهور، فإذا رأيت الهلال
____________
(1) تهذيب الأحكام ج:4 ص:158.
(2) تهذيب الأحكام ج:4 ص:162. ونحوها في ص:157.
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
ذكر7الطريق المتعارف لذلك وهو قيام البينة على الرؤية. فعلى هذا لا ينعقد لكلامه7إطلاق من حيث كون البينة منبعثة من مكان بعيد يختلف أفقه في رؤية الهلال عن أفق بلد المكلف إما قطعاً أو احتمالاً.
وبعبارة أخرى: يستفاد من عدد من النصوص أن في عصر الأئمة:كان هناك توهم سائد لدى قسم من المسلمين، وهو أن شهر رمضان لا يكون أقل من ثلاثين يوماً بتصور أنه مؤدى قوله تعالى:(وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ)، ومن هنا كان هؤلاء يقضون يوماً إذا صاموا تسعة وعشرين يوماً ثم رأوا هلال شوال. وقد اعتنى الأئمة:برفع هذا التوهم وإبطاله.
ففي رواية عبد الأعلى بن أعين[1]عن أبي عبد الله7قال: سمعته يقول:«إذا صمت لرؤية الهلال وأفطرت لرؤيته فقد أكملت الشهر، وإن لم تصم إلا تسعة وعشرين يوماً، فإن رسول الله6قال: الشهر هكذا وهكذا وهكذا، وأشار بيده عشراً وعشراً وعشراً. وهكذا وهكذا وهكذا عشرة وعشرة وتسع».
وفي موثقة يونس بن يعقوب[2]قال: قلت لأبي عبد الله7: صمت شهر رمضان على رؤية تسعة وعشرين يوماً وما قضيت. قال: فقال لي:«وأنا صمته وما قضيت». قال: ثم قال لي:«قال رسول الله6الشهر شهر كذا ..».
وفي ضوء ذلك أقول: إن الظاهر كون الإمام7في صحيحة الحلبي وما بمضمونها في مقام رد التوهم المذكور من أن شهر رمضان لا يكون أقل من ثلاثين يوماً، فإذا صام المكلف تسعة وعشرين يوماً ورأى هلال شهر شوال فعليه أن يقضي يوماً لفواته عليه من أول الشهر، أي أنه7
[1]تهذيب الأحكام ج:4 ص:164ـ165.
[2]تهذيب الأحكام ج:4 ص:161.
أراد أن يبين أن شهر رمضان كسائر الشهور قد يكون تسعة وعشرين يوماً فتبرأ ذمة المكلف بصيامها، نعم إذا ثبت دخوله قبل اليوم الذي بدأ فيه بالصوم فعليه قضاء يوم واحد، وإنما ذكر قيام البينة على رؤيته قبل ذلك من حيث كونه هو الطريق المتعارف لإحراز فوات صيام أول الشهر على المكلف.
وإذا كان7في مقام بيان هذا المعنى فلا ينعقد لكلامه إطلاق من حيث انبعاث البينة على الرؤية في الليلة السابقة من مكان مختلف عن بلد المكلف في الأفق قطعاً أو احتمالاً.
وبهذا يظهر أن ما ورد في كلام السيد الأستاذ (قدس سره)[1]وغيره من الاستدلال بالروايات المشار إليها للقول بوحدة الآفاق مما لا يمكن المساعدة عليه.
(الرواية الثالثة): صحيحة إبراهيم بن عثمان الخزاز[2]عن أبي عبد الله7قال: قلت له: كم يجزي في رؤية الهلال؟ فقال:«إن شهر رمضان فريضة من فرائض الله فلا تؤدوا بالتظني، وليس رؤية الهلال أن يقوم عدة فيقول واحد: قد رأيته، ويقول الآخرون: لم نره. إذا رآه واحد رآه مائة، وإذا رآه مائة رآه ألف. ولا يجزي في رؤية الهلال إذا لم يكن في السماء علة أقل من شهادة خمسين، وإذا كانت في السماء علة قبلت شهادة رجلين يدخلان ويخرجان من مصر».
ونحوها خبر حبيب الخزاعي[3]قال: قال أبو عبد الله7:«لا تجوز الشهادة في رؤية الهلال دون خمسين رجلاً عدد القسامة، وإنما تجوز
[1]مستند العروة الوثقى (كتاب الصوم) ج:2 ص:120 ط:نجف.
[2]تهذيب الأحكام ج:4 ص:160.
[3]تهذيب الأحكام ج:4 ص:159.
شهادة رجلين إذا كانا من خارج المصر وكان بالمصر علة، فأخبرا أنهما رأياه وأخبرا عن قوم صاموا للرؤية».
وقد أشار السيد الأستاذ (قدس سره)[1]إلى الصحيحة الأولى قائلاً: (إنها تشمل الشهادة الحاصلة من غير البلد على إطلاقها)، أي أنه استدل بإطلاقها على القول بوحدة الآفاق.
ولكن قد يقال: إن هذه الصحيحة ـ على خلاف صحيحة الحلبي وما ماثلها ـ ليس فيها ما يشير إلى تعلقها بالقضاء، بل ظاهرها هو التعلق بالأداء، ولا سيما بقرينة قوله7:«فلا تؤدوا بالتظني».
وعلى ذلك يمكن أن يدعى: إنه لا ينعقد لها الإطلاق من حيث انبعاث البينة على رؤية الهلال من بلد بعيد جداً عن بلد المكلف يختلف عنه في الأفق، إذ لم يكن يتيسر في تلك الأزمنة وصول البينة على رؤية هلال أول رمضان من بلد آخر إلى بلد المكلف ليصوم ذلك اليوم إلا إذا كان ذلك البلد الآخر قريباً منه لا يختلف عنه في الأفق، لعدم توفر وسائل النقل السريعة في ذلك العصر على خلاف ما هو الحال عليه في هذا الزمان[2].
[1]مستند العروة الوثقى (كتاب الصوم) ج:2 ص:120 ط:نجف.
[2]قد يقال: إن ما ذكر إن تم لا يمنع من انعقاد الإطلاق للصحيحة بلحاظ الأزمنة المستقبلة التي كان الإمام7على علم بتيسر التواصل السريع فيها بين الأمكنة المتباعدة في وقت قصير جداً، فلو كان الحكم المذكور مختصاً بالبلد القريب المتحد أفقاً مع بلد المكلف لكان ينبغي أن يقيده الإمام7بذلك.
ولكن هذا الكلام غير واضح، فإن انعقاد الإطلاق من الجهة المذكورة إنما يتم لو كان المتكلم ملزماً ـ وفق الطريقة العقلائية ـ بأن يلاحظ ما يقع قطعاً أو احتمالاً محلاً للابتلاء ولو في الأزمنة البعيدة جداً، إلا أن هذا غير ثابت، ومن هنا ذكر غير واحد من الفقهاء بشأن صحيحة علي بن جعفر عن أخيه7قال: سألته عن رجل نسي الاحرام بالحج، فذكره وهو بعرفات، ما حاله؟ قال:«يقول: اللهم على كتابك وسنة نبيك، فقد تم إحرامه»أنه لا إطلاق لها بالنسبة إلى من يتمكن من الرجوع من عرفات إلى مكة للإحرام فيها ثم إدراك الوقوف بعرفات قبل غروب الشمس، لأن هذا لم يكن أمراً متيسراً في زمن الإمام7وإن كان متيسراً في هذه الأزمنة لتوفر وسائل النقل السريعة، فليتدبر.
ولكن هذا البيان غير تام، ولا يفي بالمنع من إطلاق الصحيحة للبلدان البعيدة عن بلد المكلف، كما سيأتي الوجه فيه في موضع آخر[1].
نعم يمكن أن يقال: إن ما دلت عليه من إناطة اعتبار البينة من خارج البلد بوجود العلة المانعة من الرؤية في البلد قرينة واضحة على كون المراد هو انبعاثها من مكان متفق مع البلد في الأفق، إذ لو كان المراد انبعاثها ولو من مكان مختلف عنه في الأفق لم يتجه إناطة اعتبارها بفرض وجود العلة في سماء البلد.
والوجه فيه: أن البينة المنبعثة من مكان متفق في الأفق مع بلد المكلف لا تبتلى بالمعارض الحكمي في فرض عدم تيسر الاستهلال في البلد لغيم أو نحوه، وأما في فرض تيسره وكثرة المستهلين فتكون معارضة بشهادتهم على عدم ظهور الهلال في الأفق، فلا يعتد بها.
وهذا بخلاف الحال في البينة المنبعثة من مكان مختلف في الأفق مع بلد المكلف، فإنها لا تبتلى بالمعارض حتى في فرض صفاء السماء في بلد المكلف كما هو واضح. فلولا أن المراد بخارج المصر في الصحيحة المبحوث عنها هو المكان المتفق مع المصر في الأفق لما كان وجه لإناطة اعتبار البينة بوجود العلة في السماء.
والحاصل: أن هذه الصحيحة لا تصلح دليلاً على القول بوحدة الآفاق بل سيأتي تقريب دلالتها على القول باختلافها، فليلاحظ.
[1]لاحظ ص:129.
(الرواية الرابعة): معتبرة إسحاق بن عمار[1]قال: سألت أبا عبد الله7عن هلال رمضان يغم علينا في تسع وعشرين من شعبان. فقال:«لا تصمه إلا أن تراه، فإن شهد أهل بلد آخر انهم رأوه فاقضه».
(الرواية الخامسة): صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله[2]قال: سألت أبا عبد الله7عن هلال رمضان يغم علينا في تسع وعشرين من شعبان. فقال:«لا تصم إلا أن تراه، فإن شهد أهل بلد آخر فاقضه».
قال السيد الأستاذ (قدس سره)[3]في تقريب الاستدلال بهاتين الروايتين: إنهما تدلان بإطلاقهما على أن رؤية الهلال في بلد تكفي لثبوته في سائر البلدان بدون فرق بين كونها متحدة معه في الأفق أو مختلفة، وإلا فلا بد من التقييد بمقتضى ورودها في مقام البيان.
ولكن ناقش في هذا الاستدلال سيدي الأستاذ الوالد (دامت بركاته)[4]قائلاً: (إن مورد السؤال في كلتا الروايتين هو ما إذا غُم هلال رمضان، و(غُمَّ) لغة بمعنى الستر ولكن من الواضح أنه ليس المقصود هنا هو ستر الغمام للهلال، إذ لو أحرز ذلك لكفى في ثبوت الشهر، فإنه لا تعتبر فيه الرؤية الفعلية كما هو ظاهر. فلا بد إذاً أن يكون إسناد الستر إلى الهلال إسناداً مجازياً يراد به الإسناد إلى محله أي ستر الغمام لمطلع الهلال، فمرجعه إلى الشك في وجود الهلال في مطلعه في أفق البلد.
وحاصل السؤال هو أنه إذا ستر الغمام ـ وهو السحاب الأبيض أو الرقيق ـ مطلع الهلال وشك في وجوده تحته، فما هي وظيفة المكلف عندئذٍ؟ فأجاب الإمام7بأنه لا يجب عليه صيام ذلك اليوم مع عدم
[1]تهذيب الأحكام ج:4 ص:178.
[2]تهذيب الأحكام ج:4 ص:157ـ158.
[3]منهاج الصالحين ج:1 ص:282.
[4]لاحظ أسئلة حول رؤية الهلال مع أجوبتها ص:22.