بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 32

جوابه7يرجع إلى ما ذكر في السؤال من يوم الشك الذي كانت السماء غائمة في ليلته لم يكن وجه لذكر الاستثناء بقوله:«إلا أن تراه»[1]. إذاً يتعين البناء على أنه7لم يجعل موضوع حكمه خصوص ما ورد في السؤال بل ذكر كبرى كلية تعم مورده، وهي النهي عن صوم يوم الشك إلا مع رؤية الهلال في ليلته، ومع عدم الرؤية وشهادة أهل بلد آخر لاحقاً على رؤيته فيها يجب القضاء.

وعلى ذلك يتجه البناء على إطلاق الجواب لغير ما ذكره السائل من ستر الغيم لمطلع الهلال في بلده، وشموله لما إذا كانت السماء مصحية ولكن لم ير الهلال فيه لاختلاف الأفق هناك عن أفق البلد الذي شهد أهله برؤية الهلال فيه في تلك الليلة.

هذا ولكن يمكن أن يقال: إن مرجع قوله7:«فإن شهد أهل بلد آخر أنهم رأوه فاقضه»إلى أنه (إن لم تر الهلال في بلدك وشهد أهل بلد آخر أنهم رأوه فاقضه)، ولا إشكال في انعقاد الإطلاق له ـ بلحاظ كون عدم الرؤية في بلد المكلف من جهة اختلاف أفقه عن أفق بلد الرؤية ـ لو لم يكن كلامه7مسبوقاً بالسؤال عن حكم يوم الشك فيما إذا لم ير الهلال في ليلته من جهة وجود الغيم، وأما مع كونه مسبوقاً به ـ كما في الروايتين ـ فيمكن المنع من انعقاد الإطلاق له، لاحتفافه بما يصلح للقرينية أي ما يصلح أن يتكل عليه المتكلم في إرادة عدم الإطلاق، بل يقرب دعوى كون المتفاهم العرفي منه هو إرادة خصوص الصورة المذكورة في

[1]قد يقال: إنه لا مانع من البناء على كونه من قبيل الاستثناء المنقطع ليكون المعنى (لا تصم ذلك اليوم الذي كانت السماء في ليلته غائمة إلا أن ترى الهلال في ليلته وهي غير غائمة)، ولكنه بعيد، والأقرب ما ذكرناه من عدول الإمام7عن بيان حكم مورد السؤال بخصوصه إلى ذكر كبرى كلية تعمه، فإن هذا أخف مؤونة، ولا سيما أنه متداول في أجوبة الأئمة:على أسئلة الرواة كما يعلم بالتتبع.


صفحه 33

السؤال، وكأنه قال7: (فإن لم تر الهلال في بلدك لما ذكرت من وجود الغيم وشهد أهل بلد آخر أنهم رأوه فاقضه).

ولعل هذا هو المقصود بما تقدم عن سيدي الأستاذ الوالد (دامت بركاته) في مناقشة الاستدلال بالروايتين، فليتدبر.

هذا ويمكن المناقشة في الاستدلال المذكور بوجه آخر أيضاً، وهو أنه لو كان الإمام7في هاتين الروايتين في مقام بيان ثبوت أول الشهر في بلد المكلف بثبوت رؤية الهلال في بلد آخر لكان بالإمكان دعوى إطلاقه لما إذا كان البلد الآخر مختلفاً في الأفق عن بلد المكلف، ولكن الظاهر أنه7كان في مقام بيان أمر آخر، وهو أن صيام شهر رمضان لا بد فيه أداءً وقضاءً من ثبوت دخول الشهر بالرؤية المحققة، ففي ليلة الشك إن رأى المكلف بنفسه هلال شهر رمضان صام غده بنية هذا الشهر، وإلا لم يصمه أي بهذه النية. وإن لم ير الهلال فلم يصمه فإن شهد أهل بلد آخر على رؤيته أي شاعت رؤيته بينهم ـ لا مجرد شهادة اثنين منهم بالرؤية ـ قضى ذلك اليوم، وإلا فلا مورد للقضاء.

وبالجملة: المستفاد من الروايتين كون الإمام7في مقام التأكيد على أمرين ..

أحدهما: عدم صوم يوم الشك بنية شهر رمضان إلا مع رؤية المكلف لهلال الشهر في بلده.

ثانيهما: عدم قضاء يوم الشك عند عدم رؤيته في بلده إلا مع ثبوت شياع رؤيته في بلد آخر.

والوجه في كلا الأمرين هو ما أشير إليه في بعض الروايات الأخرى من أن صوم شهر رمضان من فرائض الله فلا يؤتى به بالتظني أداءً أو قضاءً. وإذا كان الإمام7في مقام ما ذكر مع المفروغية عن أصل كفاية


صفحه 34

الرؤية في بلد آخر فلا ينعقد لكلامه إطلاق من حيث كون البلد الآخر مختلفاً عن بلد المكلف في الأفق، لعدم كونه في مقام البيان من هذه الجهة، ولا أقل من عدم إحراز ذلك، وقد مرّ عند الكلام حول موثقة عبد الله بن بكير عدم إمكان التمسك بالإطلاق في مثل هذه الحالة[1].

والحاصل: أن التمسك بإطلاق الروايتين المبحوث عنهما للقول بوحدة الآفاق غير تام[2].

[1]قد يقال: إن هذا مما لا يلتفت إليه في الغالب، ومن هنا نجد أن الفقهاء القائلين باختلاف الآفاق بين من كان يستوضح الملازمة بين اختلافها في رؤية الهلال واختلافها في بداية الأشهر القمرية، وبذلك منع من إطلاق الروايتين وما ماثلهما، وبين من ادعى انصرافها بحكم الغلبة إلى البلدان القريبة فمنع من إطلاقها من هذه الجهة. وأما المناقشة في انعقاد الإطلاق لها بلحاظ عدم كون الإمام7في مقام البيان من الجهة المذكورة فقل من تنبه لها، مما يكشف عن كونها من الأمور الخفية التي لا عبرة بها في انعقاد الظهور عند أرباب المحاورة.

ولكن هذا الكلام غير تام، فإن التفريق بين الجهات المختلفة في كون المتكلم في مقام بيان أي منها وانعقاد الإطلاق لكلامه بالنظر إليه فقط أمر عرفي، نعم يحتاج إلى إعمال النظر والدقة في بعض الموارد ولا سبيل إلى القول بخفاء مثله على الأجلاء من أصحاب الأئمة:، وأما خفاؤه على الرواة العاديين فمما لا أثر له، وقد ورد في معتبرة ابن أبي يعفور عن أبي عبد الله7«أن رسول الله6خطب الناس في مسجد الخيف فقال: نضر الله عبداً سمع مقالتي فوعاها وحفظها وبلغها من لم يسمعها، فربّ حامل فقه غير فقيه، وربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه»(الكافي ج:1 ص:403).

[2]يمكن تقريب الاستدلال بالروايتين للقول باتحاد الآفاق ببيانين آخرين ..

البيان الأول: أنه لا شك في أن هذه المسألة كانت من المسائل الخلافية في عصر الصادقين8ـ كما ظهر مما تقدم نقله من أقوال فقهاء الجمهور في ذلك العصر ـ والملاحظ أن من ذهب منهم إلى القول باتحاد الآفاق كان قد عبَّر ـ كما مرَّ عن ابن عبد البر ـ بنظير ما ورد في الروايتين المبحوث عنهما وهو (لزوم قضاء يوم إذا ثبت أن أهل بلد آخر قد رأوه).


صفحه 35

وعلى ذلك يمكن أن يقال: إن المتفاهم العرفي من تعبير الإمام7بمثل ما كان يعبر به أصحاب القول باتحاد الآفاق في ذلك العصر هو موافقته7على هذا القول.

ولكن هذا الكلام مخدوش، فإن ما يمكن التأكد منه هو اختلاف فقهاء ذلك العصر في أصل الاعتداد بالرؤية في غير بلد المكلف، حيث كان البعض لا يعتد بالرؤية في أي بلد آخر ولو كان قريباً من بلده، كما مرَّ نقل ذلك عن بعض فقهاء المدينة كالقاسم وسالم، ولا يوجد في ما حكي من كلمات فقهاء عصر الصادقين8ما يشير إلى وقوع الاختلاف بينهم في حكم الرؤية في البلدان البعيدة، بل تقدم عن ابن رشد المالكي أن أصحاب مالك الذين اختلفوا في أنه كان يعتد بالرؤية في بلد آخر أو لا أجمعوا على أنه لا عبرة بالرؤية في البلدان المتباعدة كالأندلس والحجاز.

وعلى ذلك فلا يكاد يستفاد من تعبير الإمام7بمثل ما عبَّر به فقهاء ذلك الزمان الموافقة على القول باتحاد الآفاق المتباعدة كما هو محل البحث.

البيان الثاني: أنه وإن لم ينعقد الإطلاق اللفظي للروايتين ليتمسك به للقول بوحدة الآفاق إلا أنه يمكن دعوى انعقاد الإطلاق المقامي لهما وفيه غنى وكفاية، فإن الإمام7كان فيهما في مقام الإفتاء لا التعليم، وفي مثله لا يصح الاعتماد على القرينة المنفصلة في بيان وظيفة المستفتي بل لا بد من التعرض لكل ما له دخل فيها مما هو محل ابتلائه، ولا شك في أن مجيء الخبر من بلد مختلف أفقاً عن بلد المكلف برؤية الهلال فيه في ليلة سابقة كان موضع ابتلاء المسلمين في ذلك العصر، فلو لم يكن يكتفي برؤية الهلال فيه في الحكم بدخول الشهر في بلد المكلف لكان ينبغي للإمام7بيان ذلك وحيث لم يفعل دل على الاكتفاء بها، نعم لو بني على أن وجود القدر المتيقن في مقام التخاطب يمنع من انعقاد الإطلاق في ما يكون من قبيل الإفتاء وإن لم يمنع منه في ما يكون من قبيل التعليم أمكن أن يقال: إنه لما كان القدر المتيقن من البلاد التي كان المسلمون يبتلون بمجيء الأخبار منها برؤية الهلال هو بلاد العالم القديم أو البلاد الإسلامية خاصة لم ينعقد الإطلاق للروايتين بحيث يمكن التمسك به للقول بوحدة الآفاق في جميع البلدان بل في خصوص بلدان العالم الإسلامي أو بلدان العالم القديم.

ولكن هذا الكلام غير تام لوجوه ..


صفحه 36

1 ـ إن كون الإمام7في مقام الإفتاء دون التعليم يعني كونه في مقام بيان الوظيفة العملية للسائل الذي رجع إليه لحلّ مشكلته القائمة بالفعل، كما لو كان السؤال في معتبرة إسـحاق بن عمار بهذه الصـورة: (غمّ علينا الهلال في تسع وعشرين من شعبان الماضي فلم نصمه) فأجابه الإمام7بقوله: (لا تقضه إلا إذا جاءت البينة من مصر آخر برؤية الهلال في تلك الليلة)، ولكن السؤال في المعتبرة وفي غيرها من الروايات ليس على النحو المذكور أو ما يشبهه، بل السؤال فيها جميعاً عن واقعة كلية ولا سيما بملاحظة استخدام الفعل المضارع (يغم) فيها.

مع أن ما يميز الإفتاء عن التعليم هو أنه لا يصح في الإفتاء إطلاق الحكم الترخيصي والاعتماد في تقييده على القرينة المنفصلة، وهذا غير ما نحن فيه، فإنه من قبيل إطلاق الحكم الإلزامي وهو وجوب القضاء عند قيام البينة على رؤية الهلال في بلد آخر، ولا إشكال في مثله في الاعتماد على القرينة المنفصلة في التقييد حتى في الفتاوى، لأنه لا يؤدي إلى إيقاع المكلف في خلاف وظيفته الإلزامية.

2 ـ المفروض في المقام عدم انعقاد الإطلاق اللفظي لقوله: (بلد آخر) من حيث الشمول للبلد المختلف أفقاً عن بلد المكلف، لعدم كون الإمام7في مقام البيان من هذه الجهة، وفي مثله يتعين على المستفتي الأخذ بالقدر المتيقن وهو البلد القريب المتفق أفقاً مع بلده أو سؤال الإمام7عن حكم غيره، وأما دعوى انعقاد الإطلاق المقامي عندئذٍ لكي يشمل الحكم حتى البلاد غير المتفقة مع بلده في الأفق لكونها محل ابتلائه فغريبة جداً، فإنه بعد فرض عدم كون الإمام7في مقام البيان كيف ينعقد الإطلاق المذكور؟!

وبعبارة أخرى: قد نصّوا في الأصول على لزوم إحراز كون المتكلم في مقام البيان في كلا الإطلاقين اللفظي والمقامي، أقصى الأمر أنه في الأول يمكن إحراز ذلك بالأصل العقلائي وأما في الثاني فلا بد لإحرازه من قيام قرينة خاصة، وأين هي في المقام؟

3 ـ إن ما ينفى اعتباره بالإطلاق المقامي هو خصوص ما لو كان له دخلٌ في غرض المولى لكان من المناسب جداً التعرض له، لكون السكوت عن بيانه مؤدياً إلى الإخلال بغرضه ولو في بعض الموارد، وهذا إنما يكون في ما يقع مورداً لابتلاء المكلف عادة، ولكن الابتلاء بمجيء البينة على صيام أهل بلد مختلف أفقاً عن بلد المكلف ـ لرؤية الهلال فيه في ليلة سابقة ـ لم يكن يحصل في الأزمنة السابقة إلا قليلاً، كمجيء البينة من خراسان أو الشام أو مصر إلى الحجاز أو العراق، وأما الكوفة وبغداد والبصرة ونحوها فمن النادر اختلاف أفقها كما يعلم بالتتبع.

وبما تقدم يظهر الجواب عما ذكر من أن مقتضى الالتزام بأن وجود القدر المتيقن في مقام التخاطب في أجوبة الاستفتاءات يمنع من انعقاد الإطلاق لها هو الأخذ في المقام بالقدر المتيقن مما يراد بالبلد الآخر في الروايات وهو بلاد العالم القديم أو البلاد الاسلامية في عصر الأئمة:، للمنع من كون روايات المقام من قبيل ما ذكر، مضافاً إلى خروج كثير من العالم القديم عن القدر المتيقن في مقام التخاطب في ذلك العصر لعدم التواصل بينها وبين بلاد المسلمين أصلاً، بل الظاهر أن بعض بلاد المسلمين النائية جداً عن البلدان الرئيسة كان الحال فيها كذلك أي من حيث عدم التواصل بين بعضها وبين البعض الآخر، اللهم إلا أن يلحق بغيرها من جهة القطع بعدم الفرق، فليتأمل.


صفحه 37

نعم لو ثبت وجود انطباع واسع لدى الناس في عصر الإمام7بأن رؤية الهلال في بلد تستلزم إمكانية رؤيته في سائر البلدان ـ حتى البعيدة منها ـ لولا الموانع من غيم ونحوه أمكن أن يقال: إنه لو كان الاكتفاء بشهادة أهل بلد آخر على رؤية الهلال مختصاً بما إذا كان ذلك البلد قريباً من بلد المكلف لكان من المتعين أن ينبه الإمام7على ذلك، لئلا يقع السائل في توهم الاكتفاء بها مطلقاً.

وتوضيح ذلك: أنه مرّ في موضع آخر[1]أن ما ذكر من أنه مع كون المتكلم في مقام البيان من جهة دون جهة أخرى لا ينعقد لكلامه الإطلاق من الجهة الثانية وإن كان صحيحاً في حدِّ ذاته إلا أن هناك موارد لا يسع المتكلم أن يغض النظر فيها عن الجهة الثانية ويقتصر على بيان الحكم من الجهة الأولى، لأنه يؤدي إلى إغراء المخاطبين بالجهل.

مثلاً: إذا سأل المقلد مرجعه في التقليد عن حكم الدجاج المذبوح بالماكنة الآلية الموجود في الأسواق، فالسؤال ظاهر في كونه من جهة الاجتزاء بالذبح الآلي بالتذكية وعدم الاجتزاء به، فإذا كانت فتوى

[1]بحوث في شرح مناسك الحج ج:6 ص:513 ط:2.


صفحه 38

المرجع أنه لا يشترط في الذبح أن يكون يدوياً بل يجوز أن يكون آلياً، ولكن كان الواقع الخارجي أن معظم الدجاج المذبوح آلياً فاقد لشرط آخر معتبر في التذكية والسائل غافل عن ذلك، فليس للمرجع في مقام الجواب وبيان الوظيفة العملية للمستفتي في تلك الواقعة، التي هي موضع ابتلائه أن يقتصر على قوله: (حلال)، من دون التنبيه على فقدان ذلك الشرط الآخر في معظم الدجاج الموجود في السوق، بذريعة أنه في مقام البيان من جهة واحدة، وهي عدم كون الذبح باليد شرطاً في التذكية، وليس في مقام البيان من جميع الجهات لينعقد لكلامه الإطلاق من جهة عدم شرطية ذلك الأمر الآخر، فإن هذا غير مقبول في مثل المورد، ويعدُّ إغراءً بالجهل.

ونظير هذا يأتي في المقام إذا فرض وجود انطباع واسع لدى الناس في عصر الإمام7بأن رؤية الهلال في بلد تستلزم إمكانية رؤيته في سائر البلدان حتى التي تكون بعيدة جداً.

ولكن الملاحظ أنه لا يوجد شاهد يعتدّ به على وجود الانطباع المذكور على نطاق واسع في عصر الإمام7، حتى لو فرض أن الناس كانوا آنذاك يعتقدون بأن الأرض مسطحة وساكنة وأن القمر والشمس يمران عليها، فإن هذا الاعتقاد لا يستلزم الانطباع المذكور، إذ إنهم كما كانوا يعلمون باختلاف مطلع الشمس ومغربها باختلاف الأماكن ربما كانوا ملتفتين أيضاً إلى اختلاف مطلع الهلال باختلاف البلاد، بل هذا غير بعيد ولا سيما عن أهل النباهة والالتفات منهم، حيث كانوا يلاحظون بطبيعة الحال أن الهلال لا يرى أحياناً في بلدهم ـ كمكة المكرمة ـ بالرغم من صفاء الجو وعدم وجود مانع عن الرؤية ثم تأتيهم الأخبار من أماكن أخرى ـ كاليمن ـ كانوا يتواصلون معها للتجارة ونحوها برؤية الهلال في تلك الليلة، فلا بد من أن ذلك كان ينبههم على اختلاف مطلع الهلال


صفحه 39

كالشمس.

وبالجملة: لا دليل على اعتقاد معظم الناس آنذاك بالملازمة بين رؤية الهلال في مكان وإمكانية رؤيته في سائر الأمكنة بالرغم من البعد الفاحش بينهما حتى يلزم تنبيه الإمام7على خلافه بالرغم من كونه في مقام البيان من جهة أخرى.

هذا مضافاً إلى أن مجيء البينة على رؤية الهلال من البلدان البعيدة كان قليل الحصول في تلك الأزمنة، فوجود الانطباع المذكور ـ لو سُلِّم ـ لم يكن يؤثر في وقوع المكلفين في خلاف وظيفتهم الشرعية إلا في موارد قليلة لا يتعين على الإمام7ملاحظتها إذا كان بصدد بيان الحكم من جهة أخرى.

فالنتيجة: أنه لا سبيل إلى الاستدلال بالروايتين المبحوث عنهما على كفاية الرؤية في البلد البعيد عن بلد المكلف من جهة عدم تقييد البلد بالقريب في كلام الإمام7.

(الرواية السادسة): صحيحة هشام بن الحكم[1]عن أبي عبد الله7أنه قال في من صام تسعة وعشرين. قال:«إن كانت له بينة عادلة على أهل مصر أنهم صاموا ثلاثين على رؤية قضى يوماً».

قال السيد الأستاذ (قدس سره)[2]في وجه الاستدلال بها: (إن هذه الصحيحة بإطلاقها تدلنا بوضوح على أن الشهر إذا كان ثلاثين يوماً في مصرٍ كان كذلك في بقية الأمصار، بدون فرق بين كون هذه الأمصار متفقة في آفاقها أو مختلفة. إذ لو كان المراد من كلمة (مصر)[3]فيها المصر المعهود المتفق مع

[1]تهذيب الأحكام ج:4 ص:158.

[2]منهاج الصالحين ج:1 ص:281.

[3]عرَّف الخليل المصر بقوله: (كل كورة تقام فيها الحدود وتغزى منها الثغور، ويقسم فيها الفيء والصدقات من غير مؤامرة الخليفة. وقد مصَّر عمر سبعة أمصار منها البصرة والكوفة، فالأمصار عند العرب تلك) (العين ج:7 ص:123).

ولكن الظاهر أن (مصر) أطلق لاحقاً على كل بلد ممصور أي محدود، كما نص على ذلك الراغب في مفردات ألفاظ القران الكريم (ص:769)، وهو الذي يناسبه مختلف موارد الاستعمال في الروايات ومنها موثقة سماعة الآتية، فلاحظ.