بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 38

المرجع أنه لا يشترط في الذبح أن يكون يدوياً بل يجوز أن يكون آلياً، ولكن كان الواقع الخارجي أن معظم الدجاج المذبوح آلياً فاقد لشرط آخر معتبر في التذكية والسائل غافل عن ذلك، فليس للمرجع في مقام الجواب وبيان الوظيفة العملية للمستفتي في تلك الواقعة، التي هي موضع ابتلائه أن يقتصر على قوله: (حلال)، من دون التنبيه على فقدان ذلك الشرط الآخر في معظم الدجاج الموجود في السوق، بذريعة أنه في مقام البيان من جهة واحدة، وهي عدم كون الذبح باليد شرطاً في التذكية، وليس في مقام البيان من جميع الجهات لينعقد لكلامه الإطلاق من جهة عدم شرطية ذلك الأمر الآخر، فإن هذا غير مقبول في مثل المورد، ويعدُّ إغراءً بالجهل.

ونظير هذا يأتي في المقام إذا فرض وجود انطباع واسع لدى الناس في عصر الإمام7بأن رؤية الهلال في بلد تستلزم إمكانية رؤيته في سائر البلدان حتى التي تكون بعيدة جداً.

ولكن الملاحظ أنه لا يوجد شاهد يعتدّ به على وجود الانطباع المذكور على نطاق واسع في عصر الإمام7، حتى لو فرض أن الناس كانوا آنذاك يعتقدون بأن الأرض مسطحة وساكنة وأن القمر والشمس يمران عليها، فإن هذا الاعتقاد لا يستلزم الانطباع المذكور، إذ إنهم كما كانوا يعلمون باختلاف مطلع الشمس ومغربها باختلاف الأماكن ربما كانوا ملتفتين أيضاً إلى اختلاف مطلع الهلال باختلاف البلاد، بل هذا غير بعيد ولا سيما عن أهل النباهة والالتفات منهم، حيث كانوا يلاحظون بطبيعة الحال أن الهلال لا يرى أحياناً في بلدهم ـ كمكة المكرمة ـ بالرغم من صفاء الجو وعدم وجود مانع عن الرؤية ثم تأتيهم الأخبار من أماكن أخرى ـ كاليمن ـ كانوا يتواصلون معها للتجارة ونحوها برؤية الهلال في تلك الليلة، فلا بد من أن ذلك كان ينبههم على اختلاف مطلع الهلال


صفحه 39

كالشمس.

وبالجملة: لا دليل على اعتقاد معظم الناس آنذاك بالملازمة بين رؤية الهلال في مكان وإمكانية رؤيته في سائر الأمكنة بالرغم من البعد الفاحش بينهما حتى يلزم تنبيه الإمام7على خلافه بالرغم من كونه في مقام البيان من جهة أخرى.

هذا مضافاً إلى أن مجيء البينة على رؤية الهلال من البلدان البعيدة كان قليل الحصول في تلك الأزمنة، فوجود الانطباع المذكور ـ لو سُلِّم ـ لم يكن يؤثر في وقوع المكلفين في خلاف وظيفتهم الشرعية إلا في موارد قليلة لا يتعين على الإمام7ملاحظتها إذا كان بصدد بيان الحكم من جهة أخرى.

فالنتيجة: أنه لا سبيل إلى الاستدلال بالروايتين المبحوث عنهما على كفاية الرؤية في البلد البعيد عن بلد المكلف من جهة عدم تقييد البلد بالقريب في كلام الإمام7.

(الرواية السادسة): صحيحة هشام بن الحكم[1]عن أبي عبد الله7أنه قال في من صام تسعة وعشرين. قال:«إن كانت له بينة عادلة على أهل مصر أنهم صاموا ثلاثين على رؤية قضى يوماً».

قال السيد الأستاذ (قدس سره)[2]في وجه الاستدلال بها: (إن هذه الصحيحة بإطلاقها تدلنا بوضوح على أن الشهر إذا كان ثلاثين يوماً في مصرٍ كان كذلك في بقية الأمصار، بدون فرق بين كون هذه الأمصار متفقة في آفاقها أو مختلفة. إذ لو كان المراد من كلمة (مصر)[3]فيها المصر المعهود المتفق مع

[1]تهذيب الأحكام ج:4 ص:158.

[2]منهاج الصالحين ج:1 ص:281.

[3]عرَّف الخليل المصر بقوله: (كل كورة تقام فيها الحدود وتغزى منها الثغور، ويقسم فيها الفيء والصدقات من غير مؤامرة الخليفة. وقد مصَّر عمر سبعة أمصار منها البصرة والكوفة، فالأمصار عند العرب تلك) (العين ج:7 ص:123).

ولكن الظاهر أن (مصر) أطلق لاحقاً على كل بلد ممصور أي محدود، كما نص على ذلك الراغب في مفردات ألفاظ القران الكريم (ص:769)، وهو الذي يناسبه مختلف موارد الاستعمال في الروايات ومنها موثقة سماعة الآتية، فلاحظ.


صفحه 40

بلد السائل في الأفق لكان على الإمام7أن يبين ذلك. فعدم بيانه مع كونه7في مقام البيان كاشف عن الإطلاق).

ويمكن المناقشة في هذا الاستدلال بأحد وجهين ..

(الوجه الأول): ما أفاده سيدي الأستاذ الوالد (دامت بركاته)[1]قائلاً: (إنه لا إطلاق للصحيحة لما هو محل البحث، نظراً إلى أنها في صدد بيان أمر آخر، وهو لزوم عدم وجود معارض حكمي للشهادة على رؤية الهلال في البلد الآخر، وذلك بأن تكون الرؤية قد ثبتت فيها بالشياع القطعي أو بالبينة غير المعارضة ببينة النفي.

والقرينة على كونها بصدد بيان ما ذكر هي أنه اعتبر فيها قيام البينة على صوم أهل مصرٍ، فالتعبير بأهل مصر إنما هو بعناية اشتراط اجتماعهم على ثبوت الرؤية الذي لا يكون عادة إلا عن شياع قطعي أو بينة غير معارضة بغيرها، وهو الذي أُشير إليه في بعض الروايات الأخرى بأن (الرؤية هي أن يقول القائل: رأيت، فيقول القوم: صدقت)، أو (إذا رآه واحد رآه عشرة، وإذا رآه عشرة رآه ألف).

وبالجملة: المقصود هو التركيز على قيام الحجة على الرؤية والتأكد من ثبوتها عند أهل ذلك المصر، فلا يكفي وجود شاهدين منهم على الرؤية مطلقاً كما لو انفردا بادعاء الرؤية مع كثرة المستهلين، وإذا كان الإمام7في الصحيحة بصدد بيان ما ذكر، فلا ينعقد لكلامه إطلاق ليشمل المصر الذي لا يحرز كونه متفق الأفق مع بلد المكلف).

[1]أسئلة حول رؤية الهلال مع أجوبتها ص:23.


صفحه 41

وتوضيح مرامه: أنه لو كان الإمام7بصدد بيان أصل الاكتفاء بشهادة البينة المنبعثة من مصر آخر في ثبوت أول رمضان قبل ليلة رؤيته في بلد المكلف لكان بالإمكان دعوى انعقاد الإطلاق له من حيث كون المصر الآخر مختلفاً في الأفق عن مصر المكلف، ولكن الظاهر أنه7كان بصدد بيان أن البينة المنبعثة من مصرٍ آخر لا يكفي أن يكون موردها هو رؤية الهلال في ذلك المصر، بل صيام أهل ذلك المصر استناداً إلى رؤيته، حيث إن بذلك يحرز تحقق الشياع فيه على الرؤية أو قيام البينة غير المبتلاة بالمعارض الحكمي عليها، وإذا كان الإمام7في مقام بيان هذا المعنى فلا ينعقد لكلامه الإطلاق من حيث كون ذلك المصر مختلفاً في الأفق عن بلد المكلف.

وبالجملة: يظهر من كلام الإمام7المفروغية عن أصل حجية البينة على رؤية الهلال في بلد آخر عند عدم تيسر الرؤية في بلد المكلف وكونه7في مقام بيان أمر آخر، وهو اشتراط أن يكون ما تشهد به البينة هو صيام أهل البلد الآخر على الرؤية لا رؤية الهلال فيه، فلا ينعقد له الإطلاق من حيث كون ذلك البلد مختلفاً عن بلد المكلف في الأفق.

نظير ما إذا ورد في دليل: (إنما يحترم العالم إذا كان عاملاً بعلمه)، فإنه ظاهر في المفروغية عن أصل مطلوبية احترام العالم وكونه مسوقاً لبيان ما يشترط في العالم الذي ينبغي احترامه فقط، فلا إطلاق له ليشمل جميع العلماء في مختلف صنوف المعرفة فيتمسك به فيما إذا شك في مطلوبية احترام بعض الأصناف.

(الوجه الثاني): ما تقدم نظيره في مناقشة الاستدلال بمعتبرة عبيد الله بن علي الحلبي التي يقرب مضمونها من مضمون الصحيحة المبحوث عنها، فإن السؤال في كلتيهما عن حكم من صام تسعة وعشرين يوماً، أي


صفحه 42

هل يقضي يوماً أو لا، والجواب فيهما واحد وهو عدم وجوب القضاء إلا مع قيام البينة على رؤية الهلال في ليلة الشك، أقصى الأمر أنه لم يصرح في معتبرة الحلبي بكون البينة منبعثة من خارج بلد المكلف، بالإضافة إلى أن مفادها كفاية شهادة البينة نفسها على رؤية الهلال، في حين أن المذكور في صحيحة هشام اشتراط شهادتها على صيام أهل مصر على رؤيته.

وبالجملة: هناك تقارب بين مضموني الروايتين فيمكن المناقشة في الاستدلال بالصحيحة المبحوث عنها بنظير ما مرّ في مناقشة الاستدلال بمعتبرة الحلبي، وحاصله: أنه لو كان الإمام7في هذه الصحيحة بصدد بيان دخول شهر رمضان في بلد المكلف بقيام البينة على رؤيته في بلد آخر لكان بالإمكان دعوى انعقاد الإطلاق له من حيث كون بلد الرؤية مختلفاً عن بلد المكلف في الأفق، ولكن الظاهر أنه7كان في مقام بيان أن شهر رمضان يجوز أن يكون أقل من ثلاثين يوماً، فمن صام تسعة وعشرين يوماً ثم رأى هلال شهر شوال لا يلزمه أن يقضي يوماً بتصور فواته عليه من أول الشهر كما عليه أصحاب العدد، نعم إذا ثبت فواته عليه كأن قامت البينة على صيام أهل بلد آخر ثلاثين يوماً على رؤيته فعليه أن يقضي يوماً، وإنما فرض7قيام البينة على صيام أهل بلد آخر من جهة أنه لا معنى لصيام أهل بلد المكلف ثلاثين يوماً على رؤيته من دون أن يصوم هو معهم، وإنما يتجه ذلك فيما إذا لم ير الهلال في بلده فأكمل عدة شعبان ثلاثين يوماً ثم قامت البينة على أن أهل بلد آخر قد تمكنوا من رؤيته في ليلة الشك.

وبالجملة: إن الإمام7كان في مقام بيان عدم وجوب القضاء على من صام تسعة وعشرين يوماً ثم رأى هلال شوال إلا إذا ثبت دخول شهر رمضان قبل ذلك، للتنبيه على أن شهر رمضان كسائر الشهور يجوز


صفحه 43

أن يكون تسعة وعشرين يوماً، فلا ينعقد لكلامه7إطلاق من حيث كون المصر الذي ثبتت رؤية الهلال فيه في ليلة الشك مختلفاً في الأفق عن بلد المكلف كما يبتني عليه الاستدلال.

(الرواية السابعة): موثقة سماعة أنه سأل أبا عبد الله7عن اليوم في شهر رمضان يختلف فيه. قال:«إذا اجتمع أهل مصر على صيامه للرؤية فاقضه إذا كان أهل المصر خمسمائة إنسان». هكذا أوردها في الوسائل[1]عن الفقيه.

ولكن الموجود في المطبوع من الفقيه[2]، وفي مخطوطة له قديمة جداً، وفي الوافي[3]هكذا:«إذا اجتمع أهل المصر»أي بالألف واللام.

ولذلك توهم بعضهم أن المقصود بـ(أهل المصر) هو أهل مصر المكلف.

ولكن هذا ضعيف، فإنه لا معنى للأمر بالقضاء إذا كان أهل مصر المكلف قد صاموا للرؤية، فإن في هذه الصورة لا يتخلف هو عادة عن الصوم معهم أداءً لكي تصل النوبة إلى القضاء.

ولذلك يرجح في النظر أن الرواية إما كانت باللفظ المذكور في الوسائل وإما أن السؤال فيها كان بلفظ آخر جرى اختصاره من قبل بعض الناقلين بأن كان مشتملاً على ذكر مصر آخر غير بلد المكلف تدعى فيه رؤية الهلال، فالألف واللام في قوله:«إذا اجتمع أهل المصر»للعهد، والمقصود هو المصر الذي ذكر السائل أنه ادعي فيه رؤية الهلال.

وعلى الاحتمال الأول يمكن الخدش في الاستدلال بإطلاق الرواية

[1]وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة ج:10 ص:294.

[2]من لا يحضره الفقيه ج:2 ص:77 ط:نجف، ج:2 ص:124 ط:طهران.

[3]الوافي ج:11 ص:132.


صفحه 44

للقول بوحدة الآفاق بنظير الوجه الأول المتقدم في مناقشة الاستدلال بصحيحة هشام بن الحكم للقول المذكور، ولا حاجة إلى التكرار.

وأما على الاحتمال الثاني فمن الواضح أنه لا محل للتمسك بإطلاق الرواية للمصر المختلف أفقاً عن بلد المكلف، لاحتمال أنه ذكر له في السؤال صفة معينة ـ كالقرب من بلد المكلف ـ تمنع من شموله له.

هذا وتجدر الإشارة إلى أن العلامة المجلسي الأول (رحمه الله)[1]ذكر في شرحه الفارسي للفقيه في مفاد هذه الرواية ما ترجمته: (إن سماعة سأل الصادق7عن اليوم الأول أو الأخير من رمضان إذا حصل فيه الاختلاف، فيقول جمع: أنهم رأوا الهلال، ويقول آخرون: لم نره، وإذا كان لرأيناه. فقال7: إذا وصلتم إلى مدينة وأهل تلك المدينة كانوا متفقين على صيامه للرؤية وكانوا في الحدّ الأقل خمسمائة إنسان فاقضوا ذلك اليوم).

وما ذكره (قدس سره) لا يمكن المساعدة عليه، فإن مورد الرواية هو الاختلاف في أول شهر رمضان، ولا يشمل الاختلاف في آخره، إذ لا معنى للأمر بالقضاء عندئذٍ. وأيضاً ليس في الرواية فرض الوصول إلى مصرٍ آخر. اللهم إلا إذا بني على أنه كان مذكوراً في السؤال وقد حذف اختصاراً، ولكن لا شاهد عليه.

(الرواية الثامنة): صحيحة أبي بصير[2]عن أبي عبد الله7أنه سئل عن اليوم الذي يقضى من شهر رمضان. فقال:«لا تقضه إلا أن يثبت شاهدان عدلان من جميع أهل الصلاة متى كان رأس الشهر». وقال:«لا تصم ذلك اليوم الذي يقضى إلا أن يقضي أهل الأمصار، فإن

[1]لوامع صاحب قراني ج:6 ص:437.

[2]تهذيب الأحكام ج:4 ص:157.


صفحه 45

فعلوا فصمه».

قال السيد الأستاذ (قدس سره)[1]في تقريب الاستدلال بها: (إن الشاهد في هذه الصحيحة جملتان ..

الأولى: قوله7:«لا تقضه إلا أن يثبت شاهدان عدلان من جميع أهل الصلاة»، فإنه يدل بوضوح على أن رأس الشهر القمري واحد بالإضافة إلى جميع أهل الصلاة على اختلاف بلدانهم باختلاف آفاقها ولا يتعدد بتعددها.

والثانية: قوله7:«لا تصم ذلك اليوم إلا أن يقضي أهل الأمصار»، فإنه كسابقه واضح الدلالة على أن الشهر القمري لا يختلف باختلاف الأمصار في آفاقها، فيكون واحداً بالإضافة إلى جميع أهل البقاع والأمصار).

وذكر (قدس سره) في كلام آخر له[2]أن هذه الصحيحة هي أوضح الروايات الدالة على كفاية رؤية الهلال في بلد لدخول الشهر في جميع البلدان.

أقول: التعبير في السؤال بـ(اليوم الذي يقضى من شهر رمضان) يشير إلى أن بعض الناس كانوا لا يصومون اليوم الذي يلي التاسع والعشرين من شعبان إذا لم يروا الهلال في ليلته ولكن يقضون صيامه بعد انتهاء شهر رمضان، والظاهر أنهم إنما كانوا يقضونه فيما إذا رأوا هلال شوال بعد صيام تسعة وعشرين يوماً.

وهل كان ذلك منهم في خصوص ما إذا كان في ليلة الشك غيم أو نحوه يمنع من الاستهلال لاحتمال فوات يوم من شهر رمضان عليهم، أم كان حتى في صورة خلو السماء فيها من العلة بزعم أن شهر رمضان لا

[1]منهاج الصالحين ج:1 ص:282.

[2]مستند العروة الوثقى (كتاب الصيام) ج:2 ص:121 ط:نجف.