المسلمين إلا بضرب من التأويل، بأن يكون المراد بأهل الصلاة بلاد أهل الصلاة على سبيل حذف المضاف، ويكون المراد بلفظ الجميع الظاهر في الاستغراق معنى (أيّ) أي البدلية، ولا وجه لتأويل الرواية ثم الاستدلال بها).
وأما الجملة الثانية فناقش في الاستدلال بها بـ(أن ظاهرها وجوب صيام ذلك اليوم بقضاء أهل جميع الأمصار المغيمة[1]من بلاد المسلمين، وهذا مما لا يمكن الالتزام به، ولذلك حمل (قدس سره) الألف واللام في كلمة (الأمصار) الظاهرة في العموم الاستغراقي على العموم البدلي، ليصير المعنى: لا تصم ذلك اليوم إلا أن يقضي أهل أيّ من الأمصار.
ولكن هذا لا معين له، بل يدور الأمر بينه وبين أن يراد بالأمصار خصوص الأمصار القريبة من بلد المكلف الذي يتيسر له الاطلاع على عمل أهلها عادة).
أقول: أما الجملة الأولى فقد يستبعد كون قوله7فيها:«من جميع أهل الصلاة»لإفادة عدم اعتبار الإيمان في الشاهدين، بل يرجح أن يكون لبيان انبعاث البينة من جميع بلاد المسلمين، بأن يكون المراد بأهل الصلاة مجاميع المسلمين بلحاظ تعدد أماكن سكنهم.
[1]قد يقال: إنه لا وجه للبناء على كون المراد بالأمصار التي يقضي أهلها صيام يوم الشك هو الأمصار التي كانت السماء فيها مغيمة في ليلته، بل الظاهر كون المراد جميع الأمصار التي لم ير الهلال فيها في تلك الليلة وإن كان من جهة عدم ظهوره في أفقها بالرغم من صفاء الجو.
ولكن يمكن أن يقال: إنه مع صفاء الجو وعدم رؤية الهلال لا يجتمع أهل الأمصار على قضاء صوم ذلك اليوم، لعدم حصول القناعة ولو لقسم منهم بشهادة البينة على رؤية الهلال في مكان آخر، بل عدها معارضة بشهادة من استهلوا في أمصارهم ولم يروا الهلال بالرغم من خلوها من الغيم ونحوه من الموانع، فليتأمل.
ولكن على هذا أيضاً لا يتم الاستدلال بالصحيحة لمرام السيد الأستاذ (قدس سره) ، فإن لفظ (جميع) ظاهر في العموم الاستغراقي، ومن الواضح أن البينة الواحدة لا تنبعث إلا من مكان واحد، فلا بد أن يكون المقصود هو لزوم توفر البينة على رؤية الهلال في الليلة السابقة في عامة بلدان المسلمين من العراق والحجاز والشام واليمن ومصر ونحوها.
وأما حمله على كفاية بينة واحدة في بلد من بلدانهم فهو وإن كان مناسباً للتعبير بـ(يثبت شاهدان عدلان) إلا أنه لا ينسجم مع قوله: (من جميع أهل الصلاة) فلا يمكن البناء عليه بوجه، والظاهر أن اشتراط قيام البينة في جميع البلدان إنما هو لأجل استحصال اليقين بتحقق الرؤية، لعدم احتمال خطأ الشهود في الجميع، ولا علاقة لهذا باشتراك جميع تلك البلدان في أول الشهر، بل لما كان بعض أماكن سكنى المسلمين يشترك لا محالة مع بلد المكلف في الأفق يكون اشتراط قيام البينة على رؤية الهلال في جميعها أنسب بالقول باختلاف الآفاق.
وبعبارة أخرى: إذا قامت البينة على رؤية هلال شهر رمضان في جميع بلدان المسلمين في سنة معينة اقتضى ذلك اتحاد أفق هذه البلدان في شهر رمضان من تلك السنة ـ فإن الأماكن تختلف في الاتحاد في الأفق وعدمه باختلاف الشهور ـ ولا يستفاد من إناطة وجوب القضاء بذلك اشتراك بلدان المسلمين في رأس الشهر في جميع أشهر السنة كما ادعاه السيد الأستاذ (قدس سره) .
وأما الجملة الثانية فيمكن أن يقال: إن ظاهرها هو إناطة وجوب قضاء يوم الشك بقضاء أهل جميع الأمصار، لأن الأمصار جمع محلى بالألف واللام فهو ظاهر في العموم الاستغراقي، وحمله على إرادة بعض الأمصار خلاف الظاهر جداً ولا يمكن البناء عليه. نعم لما كان مورد
الكلام هو قضاء أهل الأمصار فلا بد أن يراد بالأمصار خصوص التي لم يصم أهلها في يوم الشك لعدم رؤية الهلال في ليلته ـ لغيم أو غيره ـ ثم قامت الحجة لديهم على رؤيته فيها في بلد آخر فقضوا صيام ذلك اليوم.
ولما لم يكن يحتمل خطأ ما استند إليه أهل جميع تلك الأمصار من الحجة على رؤية الهلال في ليلة الشك في أماكن أخرى فلا محالة يحصل اليقين للمكلف بقيام الحجة على دخول شهر رمضان في تلك الليلة فيلزمه قضاء صوم نهارها.
أي أن تقييد وجوب القضاء على المكلف بقضاء أهل الأمصار الظاهر في العموم الاستغراقي إنما هو بلحاظ مقام الإثبات واستحصال اليقين بقيام الحجة الشرعية على رؤية الهلال في ليلة الشك، ولا دلالة فيه على أن الشهر القمري لا يختلف باختلاف الآفاق كما أفاده السيد الأستاذ (قدس سره) .
وبهذا يظهر النظر في ما ذكره بعض الأعلام[1]من أن مقتضى مفهوم الجملة الثانية هو عدم كفاية ثبوت الهلال في بعض الأمصار في وجوب قضاء يوم الشك، فيكون مقيداً لإطلاق ما دل على الكفاية، مما يقتضي عدم اشتراك الآفاق في بداية الأشهر القمرية، إذ مع اشتراكهما فيها لا بد من الالتزام بكفاية ثبوت الرؤية في بعض الأمصار، ولا حاجة إلى ثبوتها في الجميع.
وجه النظر: أن إناطة وجوب القضاء على المكلف بقضاء أهل جميع الأمصار إنما هي بلحاظ مقام الإثبات، أي ليحصل له اليقين بقيام الحجة على أنه قد فاته صيام اليوم الأول من شهر رمضان، لا بلحاظ مقام الثبوت حتى يقتضي عدم كفاية ثبوت الرؤية في بعض الأمصار في دخول
[1]مباني منهاج الصالحين ج:6 ص:230.
الشهر في جميعها، خلافاً للقول بوحدة الآفاق.
والحاصل: أن الجملة الثانية من الصحيحة المبحوث عنها لا تصلح دليلاً للقول باختلاف الآفاق، كما لا تصلح دليلاً للقول بوحدة الآفاق. والوجه في ذلك هو إناطة وجوب قضاء يوم الشك فيها بقضاء أهل الأمصار الظاهر في العموم الاستغراقي، فلا يقتضي نفي اختلاف الآفاق في بداية الأشهر القمرية، وحيث إن الظاهر كون اشتراط ذلك بلحاظ مقام الإثبات لا مقام الثبوت ـ ولا أقل من التردد بين الوجهين ـ فلا يقتضي نفي وحدة الآفاق أيضاً، فليتدبر.
وهكذا يتضح أن مفاد الصحيحة المذكورة هو إناطة وجوب قضاء يوم الشك لمن لم يصمه بأحد أمرين: إما أن تقوم البينة في مختلف بلاد المسلمين على رؤية الهلال في ليلته، وإما أن يثبت أن أهل الأمصار التي لم يصم أهلها في يوم الشك قد قضوا صيامه لقيام البينة لديهم على رؤية الهلال في ليلته.
وعلى كل حال فهي أجنبية عن الدلالة على القول باشتراك الآفاق.
هذا كله إن حصل الوثوق بكون اللفظ الصادر من الإمام7هو ما حكي في الصحيحة، ولكن يمكن أن يقال: إن عدم خلو كلتا الجملتين عن الاشتباه ـ كما أشار إليه المحقق رضي الدين الخوانساري (قدس سره)[1]ـ يمنع من حصول الوثوق بذلك.
أما الجملة الأولى فلأن استخدام التعبير بـ(جميع أهل الصلاة) فيها غير مناسب إذا كان المراد به هو مختلف بلاد المسلمين، وأما إذا كان المراد (أي بلاد المسلمين) فهو أبعد عن الدلالة عليه كما تقدم.
وأما الجملة الثانية فلأن من غير المتعارف اجتماع أهل الأمصار على
[1]تكملة مشارق الشموس ص:473.
قضاء صوم يوم الشك، فمن المستبعد إناطة وجوب القضاء بذلك، فليتأمل.
(الرواية التاسعة): معتبرة محمد بن عيسى[1]قال: كتب إليه أبو عمرو: أخبرني يا مولاي أنه ربما أشكل علينا هلال شهر رمضان فلا نراه، ونرى السماء ليست فيها علة فيفطر الناس ونفطر معهم. ويقول قوم من الحُسّاب قبلنا: إنه يرى في تلك الليلة بعينها بمصر وأفريقيا والأندلس، فهل يجوز يا مولاي ما قال الحسّاب في هذا الباب حتى يختلف الفرض على أهل الأمصار، فيكون صومهم خلاف صومنا وفطرهم خلاف فطرنا؟ فوقع7:«لا تصومن الشك، أفطر لرؤيته وصم لرؤيته».
وهذه الرواية معتبرة ـ كما وصفناها ـ فإن محمد بن عيسى هو ابن عبيد اليقطيني الذي مرت ترجمته مفصلاً[2]، وقلنا: إن المختار وثاقته وإن ضعفه ابن الوليد وغيره.
وقد عُدّ من مؤلفاته كتاب التوقيعات، والظاهر أن توقيعات عدد من الأئمة:المروية عن طريقه في جوامع الحديث ـ ومنها التوقيع المبحوث عنه ـ إنما هي مقتبسة من ذلك الكتاب.
وكيف ما كان فالظاهر أن أبا عمرو صاحب المكاتبة إنما هو الحذّاء الذي وردت له مكاتبة إلى أبي جعفر أي الجواد7[3]، وأخرى إلى أبي الحسن أي الهادي7[4]. وهذه الأخيرة مروية أيضاً عن طريق محمد بن عيسى العبيدي، وقد وردت في المطبوع من التهذيب بلفظ (أبو عمر)، وقد
[1]تهذيب الأحكام ج:4 ص:159.
[2]لاحظ قبسات من علم الرجال ج:1 ص:469 وما بعدها.
[3]الكافي ج:5 ص:316.
[4]تهذيب الأحكام ج:6 ص:336.
ذكر في رجال الشيخ[1](أبو عمرو ـ وفي نسخة أبو عمر ـ الحذاء) من أصحاب الهادي7.
وبذلك يظهر أن المكاتبة المذكورة إنما هي إلى أحد الإمامين الجواد والهادي8، ويبدو أن محمد بن عيسى كان قد بوّب كتابه بحسب أسامي الأئمة:وأورد توقيعات كل إمام في باب مستقل ولم يكن يكرر اسمه الشريف عند إيراد توقيعاته في ذلك الباب، بل يكتفى بإرجاع الضمير إليه كقوله: (كتب إليه أبو عمرو)، وعندما تم توزيع تلكم التوقيعات في جوامع المتأخرين على الأبواب الفقهية المناسبة لها غفل البعض عن استبدال الضمير بالاسم الظاهر أو أحجم عنه رعاية لعدم التصرف في اللفظ المنقول، مما أوجب الإبهام والترديد في المقصود بالإمام صاحب التوقيع في بعض الموارد كما في المقام.
ومهما يكن فإن أبا عمرو وإن كان مجهولاً لم يوثق إلا أن ذلك لا يضر باعتبار مكاتبته، لأن ظاهر كلام محمد بن عيسى أنه رأى المكاتبة وتوقيع الإمام7في الجواب عليها.
نعم يوجد بعض الريب في ذلك، لأن الملاحظ أنه ذكر في المكاتبة الأخرى ـ المشار إليها آنفاً ـ: (كتب أبو عمر الحذّاء إلى أبي الحسن7وقرأت الكتاب والجواب بخطه)، ولم يذكر مثل هذا في المقام، فربما يخطر في البال احتمال أنه اعتمد على أبي عمرو في نقل هذه المكاتبة وجواب الإمام7عنها.
ولكن الإنصاف أن هذا الاحتمال لا يمنع من الأخذ بظاهر كلامه من أنه رآهما بنفسه وينقل عنهما بالمباشرة، ولعله لم يذكر بشأنها ما ذكره بشأن تلك المكاتبة من جهة أن الجواب عن هذه لم يكن بخط الإمام7
[1]رجال الشيخ الطوسي ص:313.
نفسه بل بخط كاتبه، فليتأمل.
والملاحظ أنه يفرق في ما يورده من التوقيعات، فيذكر أحياناً مثل ما ذكره في هذه المكاتبة أي (كتب إليه فلان .. فوقع)[1]، وأحياناً أخرى يروي عن شخص أنه (كتب إليه .. فوقع)[2]، ويستبعد أن يكون هذا التفريق لمجرد التفنن في التعبير، بل الظاهر أنه من جهة اختلاف الموارد في اطلاعه بنفسه على نسخة التوقيع وعدمه.
فالنتيجة: أنه لا يبعد اعتبار رواية محمد بن عيسى المبحوث عنها.
هذا في ما يتعلق بسندها.
وأما تقريب دلالتها على القول بوحدة الآفاق فهو يبتني على أمرين..
1 ـ إن ظاهر كلام أبي عمرو وإن كان هو السؤال عن صحة ما قاله الحسّاب من إمكانية رؤية الهلال في مصر والأندلس وأفريقية في ليلة الشك مع عدم تيسر رؤيته فيها في بلده، إلا أنه يظهر من قوله: (ربما أشكل علينا هلال رمضان) وقول الإمام7في الجواب: (لا تصومن الشك) أي يوم الشك أنه كان شاكاً في دخول شهر رمضان في بلده في تلك الليلة، وهذا الشك لا يتصور له منشأ بعد ما صرح به من صفاء الجو في البلد واستهلال الناس وعدم رؤيتهم للهلال إلا احتمال كون الرؤية في الآفاق البعيدة عن بلد المكلف كافية في دخول الشهر في بلده أيضاً.
2 ـ إن الإمام7قد عدل عن الجواب عما سأل عنه أبو عمرو من صحة قول الحسّاب من اختلاف الآفاق في رؤية الهلال إلى بيان حكمه من حيث كونه شاكاً في حلول شهر رمضان في بلده في الليلة التي لم ير الهلال
[1]لاحظ تهذيب الأحكام ج:1 ص:28، ج:4 ص:87.
[2]لاحظ تهذيب الأحكام ج:9 ص:118، 129، 233، 327.
فيها.
والملاحظ أنه7لم يخطّأه في شكه بل أقره عليه، ولكن قال: إنه لا يصح الصوم بنية رمضان مع الشك في حلوله، ولو كانت رؤية الهلال في أفق مختلف عن أفق البلد لا توجب دخول الشهر فيه لكان من المناسب أن ينبهه على أن شكه في غير محله، من جهة أنه لو صح قول الحسّاب فإنه لا يقتضي حلول الشهر في بلده في الليلة نفسها، لا أن يقرّه على شكه ويبين حكم الشاك وهو أنه ليس له الصوم بنية رمضان.
وبعبارة أخرى: إن عدول الإمام7في الجواب عن مقام الثبوت إلى مقام الإثبات يدل على أنه لو ثبت ما قاله الحسّاب من إمكانية رؤية الهلال في تلك الليلة في مصر ونحوه لحكم بدخول الشهر في بلد المكلف أيضاً بالرغم من عدم قابلية الهلال فيه للرؤية.
فإنه لا يحسن العدول عن مقام الثبوت إلى مقام الإثبات إلا مع المفروغية عن تمامية مقام الثبوت، مثلاً: إذا قال أحدهم للفقيه: (كنت صائماً وتمضمضت بالماء للتبرد، فشككت في أنه هل دخل شيء منه في الحلق بغير اختيار أو لا، فما هو حكم صومي؟) فأجابه: (لا تعتن بالشك) دل على أنه مع التأكد من دخول الماء عند التمضمض للتبرد ولو بغير اختيار لا يحكم بصحة الصوم، وإلا لكان ينبغي أن يقول: (لا يضر ذلك بصحة صومك) أو نحوه من التعابير.
وبالجملة: بعد فرض أن السائل كان شاكاً في دخول الشهر في بلده من جهة دعوى الحسّاب إمكانية رؤية الهلال في بعض الآفاق البعيدة، فإن تصدي الإمام7لبيان حكم الشاك دون التنبيه على عدم الاعتداد برؤية الهلال في بلد مختلف أفقاً عن بلد المكلف يدل على المفروغية عن الاعتداد به، وهذا هو المطلوب.