بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 51

قضاء صوم يوم الشك، فمن المستبعد إناطة وجوب القضاء بذلك، فليتأمل.

(الرواية التاسعة): معتبرة محمد بن عيسى[1]قال: كتب إليه أبو عمرو: أخبرني يا مولاي أنه ربما أشكل علينا هلال شهر رمضان فلا نراه، ونرى السماء ليست فيها علة فيفطر الناس ونفطر معهم. ويقول قوم من الحُسّاب قبلنا: إنه يرى في تلك الليلة بعينها بمصر وأفريقيا والأندلس، فهل يجوز يا مولاي ما قال الحسّاب في هذا الباب حتى يختلف الفرض على أهل الأمصار، فيكون صومهم خلاف صومنا وفطرهم خلاف فطرنا؟ فوقع7:«لا تصومن الشك، أفطر لرؤيته وصم لرؤيته».

وهذه الرواية معتبرة ـ كما وصفناها ـ فإن محمد بن عيسى هو ابن عبيد اليقطيني الذي مرت ترجمته مفصلاً[2]، وقلنا: إن المختار وثاقته وإن ضعفه ابن الوليد وغيره.

وقد عُدّ من مؤلفاته كتاب التوقيعات، والظاهر أن توقيعات عدد من الأئمة:المروية عن طريقه في جوامع الحديث ـ ومنها التوقيع المبحوث عنه ـ إنما هي مقتبسة من ذلك الكتاب.

وكيف ما كان فالظاهر أن أبا عمرو صاحب المكاتبة إنما هو الحذّاء الذي وردت له مكاتبة إلى أبي جعفر أي الجواد7[3]، وأخرى إلى أبي الحسن أي الهادي7[4]. وهذه الأخيرة مروية أيضاً عن طريق محمد بن عيسى العبيدي، وقد وردت في المطبوع من التهذيب بلفظ (أبو عمر)، وقد

[1]تهذيب الأحكام ج:4 ص:159.

[2]لاحظ قبسات من علم الرجال ج:1 ص:469 وما بعدها.

[3]الكافي ج:5 ص:316.

[4]تهذيب الأحكام ج:6 ص:336.


صفحه 52

ذكر في رجال الشيخ[1](أبو عمرو ـ وفي نسخة أبو عمر ـ الحذاء) من أصحاب الهادي7.

وبذلك يظهر أن المكاتبة المذكورة إنما هي إلى أحد الإمامين الجواد والهادي8، ويبدو أن محمد بن عيسى كان قد بوّب كتابه بحسب أسامي الأئمة:وأورد توقيعات كل إمام في باب مستقل ولم يكن يكرر اسمه الشريف عند إيراد توقيعاته في ذلك الباب، بل يكتفى بإرجاع الضمير إليه كقوله: (كتب إليه أبو عمرو)، وعندما تم توزيع تلكم التوقيعات في جوامع المتأخرين على الأبواب الفقهية المناسبة لها غفل البعض عن استبدال الضمير بالاسم الظاهر أو أحجم عنه رعاية لعدم التصرف في اللفظ المنقول، مما أوجب الإبهام والترديد في المقصود بالإمام صاحب التوقيع في بعض الموارد كما في المقام.

ومهما يكن فإن أبا عمرو وإن كان مجهولاً لم يوثق إلا أن ذلك لا يضر باعتبار مكاتبته، لأن ظاهر كلام محمد بن عيسى أنه رأى المكاتبة وتوقيع الإمام7في الجواب عليها.

نعم يوجد بعض الريب في ذلك، لأن الملاحظ أنه ذكر في المكاتبة الأخرى ـ المشار إليها آنفاً ـ: (كتب أبو عمر الحذّاء إلى أبي الحسن7وقرأت الكتاب والجواب بخطه)، ولم يذكر مثل هذا في المقام، فربما يخطر في البال احتمال أنه اعتمد على أبي عمرو في نقل هذه المكاتبة وجواب الإمام7عنها.

ولكن الإنصاف أن هذا الاحتمال لا يمنع من الأخذ بظاهر كلامه من أنه رآهما بنفسه وينقل عنهما بالمباشرة، ولعله لم يذكر بشأنها ما ذكره بشأن تلك المكاتبة من جهة أن الجواب عن هذه لم يكن بخط الإمام7

[1]رجال الشيخ الطوسي ص:313.


صفحه 53

نفسه بل بخط كاتبه، فليتأمل.

والملاحظ أنه يفرق في ما يورده من التوقيعات، فيذكر أحياناً مثل ما ذكره في هذه المكاتبة أي (كتب إليه فلان .. فوقع)[1]، وأحياناً أخرى يروي عن شخص أنه (كتب إليه .. فوقع)[2]، ويستبعد أن يكون هذا التفريق لمجرد التفنن في التعبير، بل الظاهر أنه من جهة اختلاف الموارد في اطلاعه بنفسه على نسخة التوقيع وعدمه.

فالنتيجة: أنه لا يبعد اعتبار رواية محمد بن عيسى المبحوث عنها.

هذا في ما يتعلق بسندها.

وأما تقريب دلالتها على القول بوحدة الآفاق فهو يبتني على أمرين..

1 ـ إن ظاهر كلام أبي عمرو وإن كان هو السؤال عن صحة ما قاله الحسّاب من إمكانية رؤية الهلال في مصر والأندلس وأفريقية في ليلة الشك مع عدم تيسر رؤيته فيها في بلده، إلا أنه يظهر من قوله: (ربما أشكل علينا هلال رمضان) وقول الإمام7في الجواب: (لا تصومن الشك) أي يوم الشك أنه كان شاكاً في دخول شهر رمضان في بلده في تلك الليلة، وهذا الشك لا يتصور له منشأ بعد ما صرح به من صفاء الجو في البلد واستهلال الناس وعدم رؤيتهم للهلال إلا احتمال كون الرؤية في الآفاق البعيدة عن بلد المكلف كافية في دخول الشهر في بلده أيضاً.

2 ـ إن الإمام7قد عدل عن الجواب عما سأل عنه أبو عمرو من صحة قول الحسّاب من اختلاف الآفاق في رؤية الهلال إلى بيان حكمه من حيث كونه شاكاً في حلول شهر رمضان في بلده في الليلة التي لم ير الهلال

[1]لاحظ تهذيب الأحكام ج:1 ص:28، ج:4 ص:87.

[2]لاحظ تهذيب الأحكام ج:9 ص:118، 129، 233، 327.


صفحه 54

فيها.

والملاحظ أنه7لم يخطّأه في شكه بل أقره عليه، ولكن قال: إنه لا يصح الصوم بنية رمضان مع الشك في حلوله، ولو كانت رؤية الهلال في أفق مختلف عن أفق البلد لا توجب دخول الشهر فيه لكان من المناسب أن ينبهه على أن شكه في غير محله، من جهة أنه لو صح قول الحسّاب فإنه لا يقتضي حلول الشهر في بلده في الليلة نفسها، لا أن يقرّه على شكه ويبين حكم الشاك وهو أنه ليس له الصوم بنية رمضان.

وبعبارة أخرى: إن عدول الإمام7في الجواب عن مقام الثبوت إلى مقام الإثبات يدل على أنه لو ثبت ما قاله الحسّاب من إمكانية رؤية الهلال في تلك الليلة في مصر ونحوه لحكم بدخول الشهر في بلد المكلف أيضاً بالرغم من عدم قابلية الهلال فيه للرؤية.

فإنه لا يحسن العدول عن مقام الثبوت إلى مقام الإثبات إلا مع المفروغية عن تمامية مقام الثبوت، مثلاً: إذا قال أحدهم للفقيه: (كنت صائماً وتمضمضت بالماء للتبرد، فشككت في أنه هل دخل شيء منه في الحلق بغير اختيار أو لا، فما هو حكم صومي؟) فأجابه: (لا تعتن بالشك) دل على أنه مع التأكد من دخول الماء عند التمضمض للتبرد ولو بغير اختيار لا يحكم بصحة الصوم، وإلا لكان ينبغي أن يقول: (لا يضر ذلك بصحة صومك) أو نحوه من التعابير.

وبالجملة: بعد فرض أن السائل كان شاكاً في دخول الشهر في بلده من جهة دعوى الحسّاب إمكانية رؤية الهلال في بعض الآفاق البعيدة، فإن تصدي الإمام7لبيان حكم الشاك دون التنبيه على عدم الاعتداد برؤية الهلال في بلد مختلف أفقاً عن بلد المكلف يدل على المفروغية عن الاعتداد به، وهذا هو المطلوب.


صفحه 55

أقول: إن قول أبي عمرو: (فهل يجوز يا مولاي ما قال الحسّاب في هذا الباب، حتى يختلف الفرض على أهل الأمصار فيكون صومهم خلاف صومنا وفطرهم خلاف فطرنا؟) واضح الدلالة على أنه لم يكن شاكاً في عدم دخول شهر رمضان في بلده في الليلة التي ادعى الحسّاب أنه يرى هلال رمضان فيها في مصر وأفريقية والأندلس، وإنما كان شاكاً في صحة دعواهم من إمكانية رؤية الهلال في تلك البلدان مع ما أحرزه بنفسه من عدم تيسر رؤيته في بلده، وأما على تقدير صحة دعواهم فلم يكن لديه شك في اختلاف فرض أهل البلدان وأنه يجب على من رئي الهلال في بلده صيام ذلك اليوم لحلول شهر رمضان فيه، ولا يجب صيامه على من لم ير الهلال في بلده لعدم حلوله فيه بعد.

وهذا هو معنى ما ذكره سيدي الأستاذ الوالد (دامت بركاته)[1]من دلالة كلام السائل على ارتكاز فكرة اختلاف الآفاق في ذهنه، أي اختلاف الآفاق في بداية الشهر على تقدير صحة قول الحسّاب من التفريق بينها في إمكانية رؤية الهلال.

وبالجملة: قوله: (حتى يختلف الفرض على أهل الأمصار ..) ظاهر الدلالة في أن قول الحسّاب لم يوجب لديه تردداً في ما هو وظيفته في بلده الذي لم ير فيه الهلال، بالرغم من استهلال الكثيرين وخلو السماء من العلة، أي أنه بقي واثقاً من أن وظيفته فيه هي الصوم من اليوم اللاحق وإنما كان شاكاً في أنه هل يصح قول الحسّاب من إمكانية رؤية الهلال في مصر ونحوه في الليلة الماضية حتى يجب الصوم على أهله من هذا اليوم.

إن قلت: إذا كان الأمر كذلك فما هو الوجه في قوله في بداية المكاتبة: (أُشكل علينا هلال رمضان)؟، إذ المفروض خلو السماء ببلده عن

[1]أسئلة حول رؤية الهلال مع أجوبتها ص:19.


صفحه 56

أي علة محتملة وقد استهل الناس ولم يروا الهلال، فما هو المبرر لاستخدامه التعبير بـ(أُشكل) إذا لم يكن الوجه فيه هو احتمال صحة قول الحسّاب مع البناء على أن الآفاق المختلفة في رؤية الهلال تشترك في بداية الأشهر القمرية؟

وبناءً على ذلك فالتعبير المذكور يصلح قرينة على كون المقصود بقوله: (حتى يختلف الفرض على أهل الامصار) هو الاختلاف بحسب التكليف الظاهري، أي بأن لا يجب علينا الصيام لعدم رؤية الهلال في بلدنا وعدم علمنا برؤيته في الآفاق البعيدة ويجب الصيام على أهل تلك الآفاق من جهة رؤية الهلال عندهم، لا أن يكون مقصوده هو الاختلاف بحسب التكليف الواقعي ليدل على اعتقاده باختلاف الآفاق في بداية الأشهر القمرية على تقدير اختلافها في رؤية الهلال.

قلت: إذا كانت رؤية الهلال في بلد تقتضي وجوب الصيام على أهل سائر البلدان وإن لم ير فيها الهلال ـ لدخول شهر رمضان في الجميع ـ لم يختلف فرض صوم رمضان على أهل الأمصار بل يكون متحداً لا محالة، غاية الأمر أنه إذا لم يعلم بذلك أهل بلد لعدم رؤية الهلال لديهم وعدم تيسر الاتصال بالبلد البعيد الذي رئي فيه الهلال لا يتنجز الوجوب عليهم، لا أنه يختلف فرضهم عن فرض أهل بلد الرؤية.

وبتقريب آخر: يلوح من كلام السائل أن اختلاف الفرض على أهل الامصار كان أمراً غريباً في نظره بعض الشيء، مترتباً على صحة دعوى الحسّاب اختلاف الآفاق في رؤية الهلال، وهذا إنما يكون بلحاظ الحكم الواقعي. وأما بلحاظ الحكم الظاهري فهو مما يقع كثيراً، ولا غرابة فيه أصلاً، حيث تكون السماء غائمة في بلد فيكملوا عدة شعبان ثلاثين يوماً وتكون صحواً في بلد آخر فيروا هلال رمضان ويصوموا ذلك اليوم.


صفحه 57

هذا بالإضافة إلى أن أقصى ما يقتضيه قول الحسّاب ـ إن صح ـ هو إمكانية رؤية الهلال في تلك الليلة في الأندلس مثلاً لولا العوائق من غيم ونحوه، وأما تحقق الرؤية الفعلية فيه لخلو السماء من العلة فلم يكن بمقدور الحسّاب التنبؤ به في ذلك العصر. وعلى ذلك فلم يكن باستطاعة أبي عمرو الجزم باختلاف الحكم الظاهري بين أهل الأمصار على تقدير صحة قول الحسّاب، مع أن ظاهر كلامه هو الجزم بذلك مما لا ينسجم إلا مع إرادة الاختلاف في الحكم الواقعي.

وأما استخدام التعبير بـ(أشكل) في صدر المكاتبة فالظاهر أنه بلحاظ ما قبل التحقق من خلو السماء من العلة، وليس بلحاظ تنبؤ الحسّاب بإمكانية رؤية الهلال في الأندلس ونحوه مع احتمال كفاية ذلك في دخول الشهر في بلده، وإلا لكان ينبغي أن يقول: (أشكل علينا أول رمضان) ولا يقول: (أشكل علينا هلال رمضان)، فإن المفروض أنه لم يشكل عليه الهلال في بلده، لاستهلال أهله وتحققهم من خلو السماء من العلة وعدم ظهور الهلال فيها، فلو بقي ثمة إشكال فهو بلحاظ دعوى الحسّاب إمكانية الرؤية في بعض البلاد البعيدة مع احتمال الاكتفاء بذلك في دخول الشهر في سائر البلدان.

وبالجملة: التعبير بـ(أشكل علينا هلال رمضان) لا يناسب أن يكون من جهة احتمال صحة قول الحسّاب مع البناء على وحدة الآفاق في بداية الأشهر القمرية، والأوجه كونه بلحاظ ما قبل التحقق من عدم ظهور الهلال في أفق بلده مع خلوه من الموانع.

ويؤكد ذلك قوله: (فيفطر الناس ونفطر معهم) قبل قوله: (ويقول قوم من الحسّاب ..)، فإنه ظاهر في أن الإشكال في الهلال كان سابقاً على سماع قول الحسّاب وقد تم تجاوزه بالبناء على عدم حلول شهر رمضان،


صفحه 58

ولذلك أفطر الناس وأفطر هو معهم.

والمتحصل مما تقدم: أن كلام أبي عمرو ظاهر جداً في أن سؤاله من الإمام7عن صحة قول الحسّاب لم يكن بلحاظ كونها مؤثرة في ما هو فرضه في صيام رمضان، لأنه كان واثقاً من عدم رؤية الهلال في بلده في تلك الليلة وأن الرؤية في بلد آخر بعيد عنه لو تمت فإنما تقتضي اختلاف فرضه عن فرض أهل ذلك البلد، لا اتحاد فرض الجميع ووجوب صيام ذلك اليوم على كافة المسلمين.

إن قلت: إذا كان أبو عمرو يرى أن صحة قول الحسّاب لا تؤثر شيئاً في ما هو وظيفته الشرعية في صيام رمضان فما الذي دعاه إلى مكاتبه الإمام7والسؤال منه عن صحة قولهم؟

قلت: من يلاحظ الروايات يجد أن أصحاب الأئمة:كانوا يرجعون إليهم ويسألونهم عن الحقائق الكونية والأمور التكوينية كما يسألونهم عن الأحكام الشرعية والمعارف الدينية، وأي غرابة في أن يسأل أبو عمرو عن إمكانية اختلاف الأمصار في رؤية الهلال ولا سيما مع كونه مؤثراً في اختلاف وظيفة المسلمين في صيام شهر رمضان بأن يجب صومه على بعضهم قبل أن يجب على البعض الآخر؟

إن قلت: إذا كان الأمر كذلك فما هو وجه جواب الإمام7لأبي عمرو بقوله:«لا تصومنّ الشك، أفطر لرؤيته وصم لرؤيته»، فإنه ظاهر الدلالة في كونه بصدد تحديد وظيفته الشرعية، ولا يكون ذلك إلا مع افتراض أنه كان شاكاً في وجوب الصيام عليه في ذلك اليوم باحتمال صحة قول الحسّاب من جهة والبناء على وحدة الآفاق في بداية الأشهر القمرية من جهة أخرى.

قلت: المفروض في السؤال أن أبا عمرو قد أفطر مع الناس في اليوم