بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 54

فيها.

والملاحظ أنه7لم يخطّأه في شكه بل أقره عليه، ولكن قال: إنه لا يصح الصوم بنية رمضان مع الشك في حلوله، ولو كانت رؤية الهلال في أفق مختلف عن أفق البلد لا توجب دخول الشهر فيه لكان من المناسب أن ينبهه على أن شكه في غير محله، من جهة أنه لو صح قول الحسّاب فإنه لا يقتضي حلول الشهر في بلده في الليلة نفسها، لا أن يقرّه على شكه ويبين حكم الشاك وهو أنه ليس له الصوم بنية رمضان.

وبعبارة أخرى: إن عدول الإمام7في الجواب عن مقام الثبوت إلى مقام الإثبات يدل على أنه لو ثبت ما قاله الحسّاب من إمكانية رؤية الهلال في تلك الليلة في مصر ونحوه لحكم بدخول الشهر في بلد المكلف أيضاً بالرغم من عدم قابلية الهلال فيه للرؤية.

فإنه لا يحسن العدول عن مقام الثبوت إلى مقام الإثبات إلا مع المفروغية عن تمامية مقام الثبوت، مثلاً: إذا قال أحدهم للفقيه: (كنت صائماً وتمضمضت بالماء للتبرد، فشككت في أنه هل دخل شيء منه في الحلق بغير اختيار أو لا، فما هو حكم صومي؟) فأجابه: (لا تعتن بالشك) دل على أنه مع التأكد من دخول الماء عند التمضمض للتبرد ولو بغير اختيار لا يحكم بصحة الصوم، وإلا لكان ينبغي أن يقول: (لا يضر ذلك بصحة صومك) أو نحوه من التعابير.

وبالجملة: بعد فرض أن السائل كان شاكاً في دخول الشهر في بلده من جهة دعوى الحسّاب إمكانية رؤية الهلال في بعض الآفاق البعيدة، فإن تصدي الإمام7لبيان حكم الشاك دون التنبيه على عدم الاعتداد برؤية الهلال في بلد مختلف أفقاً عن بلد المكلف يدل على المفروغية عن الاعتداد به، وهذا هو المطلوب.


صفحه 55

أقول: إن قول أبي عمرو: (فهل يجوز يا مولاي ما قال الحسّاب في هذا الباب، حتى يختلف الفرض على أهل الأمصار فيكون صومهم خلاف صومنا وفطرهم خلاف فطرنا؟) واضح الدلالة على أنه لم يكن شاكاً في عدم دخول شهر رمضان في بلده في الليلة التي ادعى الحسّاب أنه يرى هلال رمضان فيها في مصر وأفريقية والأندلس، وإنما كان شاكاً في صحة دعواهم من إمكانية رؤية الهلال في تلك البلدان مع ما أحرزه بنفسه من عدم تيسر رؤيته في بلده، وأما على تقدير صحة دعواهم فلم يكن لديه شك في اختلاف فرض أهل البلدان وأنه يجب على من رئي الهلال في بلده صيام ذلك اليوم لحلول شهر رمضان فيه، ولا يجب صيامه على من لم ير الهلال في بلده لعدم حلوله فيه بعد.

وهذا هو معنى ما ذكره سيدي الأستاذ الوالد (دامت بركاته)[1]من دلالة كلام السائل على ارتكاز فكرة اختلاف الآفاق في ذهنه، أي اختلاف الآفاق في بداية الشهر على تقدير صحة قول الحسّاب من التفريق بينها في إمكانية رؤية الهلال.

وبالجملة: قوله: (حتى يختلف الفرض على أهل الأمصار ..) ظاهر الدلالة في أن قول الحسّاب لم يوجب لديه تردداً في ما هو وظيفته في بلده الذي لم ير فيه الهلال، بالرغم من استهلال الكثيرين وخلو السماء من العلة، أي أنه بقي واثقاً من أن وظيفته فيه هي الصوم من اليوم اللاحق وإنما كان شاكاً في أنه هل يصح قول الحسّاب من إمكانية رؤية الهلال في مصر ونحوه في الليلة الماضية حتى يجب الصوم على أهله من هذا اليوم.

إن قلت: إذا كان الأمر كذلك فما هو الوجه في قوله في بداية المكاتبة: (أُشكل علينا هلال رمضان)؟، إذ المفروض خلو السماء ببلده عن

[1]أسئلة حول رؤية الهلال مع أجوبتها ص:19.


صفحه 56

أي علة محتملة وقد استهل الناس ولم يروا الهلال، فما هو المبرر لاستخدامه التعبير بـ(أُشكل) إذا لم يكن الوجه فيه هو احتمال صحة قول الحسّاب مع البناء على أن الآفاق المختلفة في رؤية الهلال تشترك في بداية الأشهر القمرية؟

وبناءً على ذلك فالتعبير المذكور يصلح قرينة على كون المقصود بقوله: (حتى يختلف الفرض على أهل الامصار) هو الاختلاف بحسب التكليف الظاهري، أي بأن لا يجب علينا الصيام لعدم رؤية الهلال في بلدنا وعدم علمنا برؤيته في الآفاق البعيدة ويجب الصيام على أهل تلك الآفاق من جهة رؤية الهلال عندهم، لا أن يكون مقصوده هو الاختلاف بحسب التكليف الواقعي ليدل على اعتقاده باختلاف الآفاق في بداية الأشهر القمرية على تقدير اختلافها في رؤية الهلال.

قلت: إذا كانت رؤية الهلال في بلد تقتضي وجوب الصيام على أهل سائر البلدان وإن لم ير فيها الهلال ـ لدخول شهر رمضان في الجميع ـ لم يختلف فرض صوم رمضان على أهل الأمصار بل يكون متحداً لا محالة، غاية الأمر أنه إذا لم يعلم بذلك أهل بلد لعدم رؤية الهلال لديهم وعدم تيسر الاتصال بالبلد البعيد الذي رئي فيه الهلال لا يتنجز الوجوب عليهم، لا أنه يختلف فرضهم عن فرض أهل بلد الرؤية.

وبتقريب آخر: يلوح من كلام السائل أن اختلاف الفرض على أهل الامصار كان أمراً غريباً في نظره بعض الشيء، مترتباً على صحة دعوى الحسّاب اختلاف الآفاق في رؤية الهلال، وهذا إنما يكون بلحاظ الحكم الواقعي. وأما بلحاظ الحكم الظاهري فهو مما يقع كثيراً، ولا غرابة فيه أصلاً، حيث تكون السماء غائمة في بلد فيكملوا عدة شعبان ثلاثين يوماً وتكون صحواً في بلد آخر فيروا هلال رمضان ويصوموا ذلك اليوم.


صفحه 57

هذا بالإضافة إلى أن أقصى ما يقتضيه قول الحسّاب ـ إن صح ـ هو إمكانية رؤية الهلال في تلك الليلة في الأندلس مثلاً لولا العوائق من غيم ونحوه، وأما تحقق الرؤية الفعلية فيه لخلو السماء من العلة فلم يكن بمقدور الحسّاب التنبؤ به في ذلك العصر. وعلى ذلك فلم يكن باستطاعة أبي عمرو الجزم باختلاف الحكم الظاهري بين أهل الأمصار على تقدير صحة قول الحسّاب، مع أن ظاهر كلامه هو الجزم بذلك مما لا ينسجم إلا مع إرادة الاختلاف في الحكم الواقعي.

وأما استخدام التعبير بـ(أشكل) في صدر المكاتبة فالظاهر أنه بلحاظ ما قبل التحقق من خلو السماء من العلة، وليس بلحاظ تنبؤ الحسّاب بإمكانية رؤية الهلال في الأندلس ونحوه مع احتمال كفاية ذلك في دخول الشهر في بلده، وإلا لكان ينبغي أن يقول: (أشكل علينا أول رمضان) ولا يقول: (أشكل علينا هلال رمضان)، فإن المفروض أنه لم يشكل عليه الهلال في بلده، لاستهلال أهله وتحققهم من خلو السماء من العلة وعدم ظهور الهلال فيها، فلو بقي ثمة إشكال فهو بلحاظ دعوى الحسّاب إمكانية الرؤية في بعض البلاد البعيدة مع احتمال الاكتفاء بذلك في دخول الشهر في سائر البلدان.

وبالجملة: التعبير بـ(أشكل علينا هلال رمضان) لا يناسب أن يكون من جهة احتمال صحة قول الحسّاب مع البناء على وحدة الآفاق في بداية الأشهر القمرية، والأوجه كونه بلحاظ ما قبل التحقق من عدم ظهور الهلال في أفق بلده مع خلوه من الموانع.

ويؤكد ذلك قوله: (فيفطر الناس ونفطر معهم) قبل قوله: (ويقول قوم من الحسّاب ..)، فإنه ظاهر في أن الإشكال في الهلال كان سابقاً على سماع قول الحسّاب وقد تم تجاوزه بالبناء على عدم حلول شهر رمضان،


صفحه 58

ولذلك أفطر الناس وأفطر هو معهم.

والمتحصل مما تقدم: أن كلام أبي عمرو ظاهر جداً في أن سؤاله من الإمام7عن صحة قول الحسّاب لم يكن بلحاظ كونها مؤثرة في ما هو فرضه في صيام رمضان، لأنه كان واثقاً من عدم رؤية الهلال في بلده في تلك الليلة وأن الرؤية في بلد آخر بعيد عنه لو تمت فإنما تقتضي اختلاف فرضه عن فرض أهل ذلك البلد، لا اتحاد فرض الجميع ووجوب صيام ذلك اليوم على كافة المسلمين.

إن قلت: إذا كان أبو عمرو يرى أن صحة قول الحسّاب لا تؤثر شيئاً في ما هو وظيفته الشرعية في صيام رمضان فما الذي دعاه إلى مكاتبه الإمام7والسؤال منه عن صحة قولهم؟

قلت: من يلاحظ الروايات يجد أن أصحاب الأئمة:كانوا يرجعون إليهم ويسألونهم عن الحقائق الكونية والأمور التكوينية كما يسألونهم عن الأحكام الشرعية والمعارف الدينية، وأي غرابة في أن يسأل أبو عمرو عن إمكانية اختلاف الأمصار في رؤية الهلال ولا سيما مع كونه مؤثراً في اختلاف وظيفة المسلمين في صيام شهر رمضان بأن يجب صومه على بعضهم قبل أن يجب على البعض الآخر؟

إن قلت: إذا كان الأمر كذلك فما هو وجه جواب الإمام7لأبي عمرو بقوله:«لا تصومنّ الشك، أفطر لرؤيته وصم لرؤيته»، فإنه ظاهر الدلالة في كونه بصدد تحديد وظيفته الشرعية، ولا يكون ذلك إلا مع افتراض أنه كان شاكاً في وجوب الصيام عليه في ذلك اليوم باحتمال صحة قول الحسّاب من جهة والبناء على وحدة الآفاق في بداية الأشهر القمرية من جهة أخرى.

قلت: المفروض في السؤال أن أبا عمرو قد أفطر مع الناس في اليوم


صفحه 59

الذي لم ير الهلال في ليلته، فلو كان قد تجدد له الشك في كون ذلك اليوم من شهر رمضان بالنظر إلى قول الحسّاب وكان الإمام7في مقام تحديد وظيفته الشرعية من هذه الجهة لكان ينبغي أن يكتب إليه: (لا تقض صيام ذلك اليوم إلا أن تقوم البينة على رؤية الهلال في مصر آخر) ـ كما ذكر نظيره في روايات أخرى ـ لا أن يكتب إليه كما ورد في التوقيع:«لا تصومن الشك، أفطر لرؤيته وصم لرؤيته»فإنه غير مناسب في مقام تحديد وظيفة من أفطر في يوم الشك كما هو الحال بالنسبة إلى أبي عمرو.

مع أن السؤال ـ كما مرّ ـ خالٍ من أي إشارة إلى تطرق الشك إلى نفس أبي عمرو في ما يتعلق بفرض الصيام في بلده، فلا يبقى إلا احتمال أن الإمام7قد نزّله منزلة الشاك مبنياً ذلك على أمرين ..

أحدهما: احتمال صحة ما تنبأ به الحسّاب.

وثانيهما: تخطئته في ما اعتقده من اختلاف فرض أهل الأمصار في الصيام على تقدير صحة ما تنبأوا به.

وكأنه7أراد أن يبيّن له هذين الأمرين بقوله:«لا تصومن الشك ..».

ولكن هذا الاحتمال بعيد جداً عن ظاهر كلام الإمام7، وأقرب منه احتمال أنه7لم يرد الجواب عما سأل عنه أبو عمرو من أنه هل يجوز ما قاله الحسّاب في هذا الباب، ولعله من جهة أن تجويز ما أخبروا عنه من إمكانية رؤية الهلال في بعض البلاد البعيدة يضفي بعض المصداقية على سائر تنبؤاتهم ـ كقولهم في الليالي المغيمة: إن الهلال مستور تحت الغيم ونحو ذلك ـ وهي مما أكد الأئمة:على عدم الاعتداد بها.

وبالجملة: احتمال إعراض الإمام7عن الجواب عما سأل عنه أبي عمرو حذراً من استغلاله في الاعتداد بسائر تنبؤاتهم والاكتفاء بدلاً


صفحه 60

عن ذلك بذكر القاعدة الكلية المتكررة في كلماتهم7من لزوم كون كل من الصوم والفطر بالرؤية أقرب من احتمال أنه7نزّل أبا عمرو منزلة الشاك وأراد أن يفهمه احتمال صحة قول الحسّاب وخطأ ما اعتقده من اختلاف الفرض على أهل الأمصار على تقدير صحة قولهم. ولا أقل من تساوي الاحتمالين مما لا يتم معه الاستدلال بالرواية على القول بوحدة الآفاق، فليتدبر.

(الرواية العاشرة): خبر ابن أبي حمزة[1]قال: كنت عند أبي عبد الله7، فقال له أبو بصير: جعلت فداك الليلة التي يرجى فيها ما يرجى؟ فقال:«في إحدى وعشرين أو ثلاث وعشرين». قال: فإن لم أقو على كلتيهما؟ فقال:«ما أيسر ليلتين في ما تطلب». قلت: فربما رأينا الهلال عندنا، وجاءنا من يخبرنا بخلاف ذلك من أرض أخرى. فقال:«ما أيسر أربع ليال تطلبها فيها».

ووجه الاستدلال بها للقول بوحدة الآفاق هو أن المقصود بقول السائل: (وجاءنا من يخبرنا بخلاف ذلك من أرض أخرى) هو أنه جاء من يخبر برؤية الهلال في أرض أخرى في ليلة سابقة على الليلة التي رئي فيها في بلدنا.

والملاحظ أن الإمام7أمر عندئذٍ لإدراك ليلة القدر بالاحتياط أربع ليالٍ، رعاية لاحتمال الرؤية في الأرض الأخرى، ولم يفصّل7بين أن تكون قريبة من بلد السائل أو بعيدة عنه، مما يدل على عدم الفرق بينهما وأن الهلال إذا رئي في مكان كفى في دخول الشهر في سائر الأمكنة، وهذا هو المطلوب.

[1]الكافي ج:4 ص:156. من لا يحضره الفقيه ج:2 ص:102. تهذيب الأحكام ج:3 ص:58. أمالي الطوسي ص:690.


صفحه 61

أقول: هذه الرواية مروية في الكافي وفق ما ورد في طبعة دار الكتب الإسلامية: (عن الحسين بن سعيد عن القاسم بن محمد الجوهري عن علي بن أبي حمزة الثمالي).

ولكن لفظة (الثمالي) في هذا السند غلط جزماً، فإن علي بن أبي حمزة الذي يروي عنه القاسم بن محمد الجوهري هو البطائني ـ دون الثمالي ـ كما أنه هو قائد أبي بصير صاحب السؤال في الرواية.

ويؤكد ذلك أن الصدوق رواها مبتدئاً باسم علي بن أبي حمزة، وقد مرّ في بحث سابق[1]أن علي بن أبي حمزة الذي ابتدأ الصدوق باسمه في عشرات الموارد في الفقيه هو علي بن أبي حمزة البطائني دون الثمالي.

وأيضاً قد أورد الشيخ هذه الرواية (عن الحسين بن سعيد عن القاسم بن محمد عن علي) في كل من التهذيب والأمالي، ورواية التهذيب مقتبسة من كتاب الحسين بن سعيد، لأنه ابتدأها باسمه، مما يكشف عن أن الذي كان مذكوراً في كتابه هو مجرد لفظة (علي) وأن تعيينه في علي بن أبي حمزة الثمالي في بعض نسخ الكافي ـ الذي أورد الرواية أيضاً بطريقه عن الحسين بن سعيد عن القاسم بن محمد الجوهري ـ إنما كان من تصرف بعض الناظرين.

هذا مضافاً إلى أن نسخ الكافي مختلفة، ولا توجد كلمة (الثمالي) في معظم نسخه المخطوطة كما أشير إلى ذلك في طبعة دار الحديث[2].

وبالجملة: لا ريب في أن راوي الخبر هو البطائني الذي مرّ مراراً أنه لم تثبت وثاقته.

وأيضاً في سند الكليني والشيخ (القاسم بن محمد الجوهري) الذي لا

[1]قبسات من علم الرجال ج:2 ص:454 ط:2.

[2]الكافي ج:7 ص:619 ط:دار الحديث.