عن ذلك بذكر القاعدة الكلية المتكررة في كلماتهم7من لزوم كون كل من الصوم والفطر بالرؤية أقرب من احتمال أنه7نزّل أبا عمرو منزلة الشاك وأراد أن يفهمه احتمال صحة قول الحسّاب وخطأ ما اعتقده من اختلاف الفرض على أهل الأمصار على تقدير صحة قولهم. ولا أقل من تساوي الاحتمالين مما لا يتم معه الاستدلال بالرواية على القول بوحدة الآفاق، فليتدبر.
(الرواية العاشرة): خبر ابن أبي حمزة[1]قال: كنت عند أبي عبد الله7، فقال له أبو بصير: جعلت فداك الليلة التي يرجى فيها ما يرجى؟ فقال:«في إحدى وعشرين أو ثلاث وعشرين». قال: فإن لم أقو على كلتيهما؟ فقال:«ما أيسر ليلتين في ما تطلب». قلت: فربما رأينا الهلال عندنا، وجاءنا من يخبرنا بخلاف ذلك من أرض أخرى. فقال:«ما أيسر أربع ليال تطلبها فيها».
ووجه الاستدلال بها للقول بوحدة الآفاق هو أن المقصود بقول السائل: (وجاءنا من يخبرنا بخلاف ذلك من أرض أخرى) هو أنه جاء من يخبر برؤية الهلال في أرض أخرى في ليلة سابقة على الليلة التي رئي فيها في بلدنا.
والملاحظ أن الإمام7أمر عندئذٍ لإدراك ليلة القدر بالاحتياط أربع ليالٍ، رعاية لاحتمال الرؤية في الأرض الأخرى، ولم يفصّل7بين أن تكون قريبة من بلد السائل أو بعيدة عنه، مما يدل على عدم الفرق بينهما وأن الهلال إذا رئي في مكان كفى في دخول الشهر في سائر الأمكنة، وهذا هو المطلوب.
[1]الكافي ج:4 ص:156. من لا يحضره الفقيه ج:2 ص:102. تهذيب الأحكام ج:3 ص:58. أمالي الطوسي ص:690.
أقول: هذه الرواية مروية في الكافي وفق ما ورد في طبعة دار الكتب الإسلامية: (عن الحسين بن سعيد عن القاسم بن محمد الجوهري عن علي بن أبي حمزة الثمالي).
ولكن لفظة (الثمالي) في هذا السند غلط جزماً، فإن علي بن أبي حمزة الذي يروي عنه القاسم بن محمد الجوهري هو البطائني ـ دون الثمالي ـ كما أنه هو قائد أبي بصير صاحب السؤال في الرواية.
ويؤكد ذلك أن الصدوق رواها مبتدئاً باسم علي بن أبي حمزة، وقد مرّ في بحث سابق[1]أن علي بن أبي حمزة الذي ابتدأ الصدوق باسمه في عشرات الموارد في الفقيه هو علي بن أبي حمزة البطائني دون الثمالي.
وأيضاً قد أورد الشيخ هذه الرواية (عن الحسين بن سعيد عن القاسم بن محمد عن علي) في كل من التهذيب والأمالي، ورواية التهذيب مقتبسة من كتاب الحسين بن سعيد، لأنه ابتدأها باسمه، مما يكشف عن أن الذي كان مذكوراً في كتابه هو مجرد لفظة (علي) وأن تعيينه في علي بن أبي حمزة الثمالي في بعض نسخ الكافي ـ الذي أورد الرواية أيضاً بطريقه عن الحسين بن سعيد عن القاسم بن محمد الجوهري ـ إنما كان من تصرف بعض الناظرين.
هذا مضافاً إلى أن نسخ الكافي مختلفة، ولا توجد كلمة (الثمالي) في معظم نسخه المخطوطة كما أشير إلى ذلك في طبعة دار الحديث[2].
وبالجملة: لا ريب في أن راوي الخبر هو البطائني الذي مرّ مراراً أنه لم تثبت وثاقته.
وأيضاً في سند الكليني والشيخ (القاسم بن محمد الجوهري) الذي لا
[1]قبسات من علم الرجال ج:2 ص:454 ط:2.
[2]الكافي ج:7 ص:619 ط:دار الحديث.
توثيق له إلا من حيث كونه ممن روى عنه ابن أبي عمير.
وفي سند الصدوق في المشيخة (محمد بن علي ماجيلويه) شيخه الذي لا توثيق له إلا من حيث ترضيه عليه في غير موضع.
وأما الاستدلال بالخبر للقول بوحدة الآفاق فقد ناقش فيه بعض الأعلام[1]ـ كما حكي عن مجلس درسه ـ بوجهين ..
الوجه الأول ـ وبيانه بتقريب مني ـ: أن مبنى الاستدلال هو أن يكون المراد بقوله: (وجاءنا من يخبرنا بخلاف ذلك من أرض أخرى) هو (جاءنا من يخبرنا بأن الهلال قد رئي في ليلة سابقة في أرض أخرى). ولكن ظاهر العبارة أن المراد هو أنه جاءنا من يخبرنا أن رؤيتكم للهلال لم تكن حقيقية بل كانت وهماً ـ كما يحصل لكثير من المستهلين ـ لعدم كونه قابلاً للرؤية في تلك الليلة، فإنه إذا قال شخص: (رأيت زيداً في السوق) فقيل: إن شخصاً آخر يقول خلاف ذلك يكون معناه أن الثاني يدعي أن الأول اشتبه في ما حكاه من رؤية زيد في السوق لا أنه يدعي رؤيته في ذلك الوقت في مكان غير السوق.
وكذلك في المقام لما قال أبو بصير: (رأينا الهلال عندنا) ثم عقّبه بقوله: (وجاءنا من يخبرنا بخلاف ذلك من أرض أخرى) يكون معناه أن المخبر يدعي أن ما رأيتموه لم يكن هلالاً.
وإنما تتسنى له هذه الدعوى فيما إذا كانت الأرض الأخرى قريبة جداً من أرض السائل مع كون السماء فيها صحواً تماماً وقد استهل الكثيرون ولم يروا الهلال، مما يكشف بطبيعة الحال عن اشتباه السائل في ادعائه للرؤية في أرضه، أو مع كون السماء غائمة في الليلة التالية في بلد السائل ورئي الهلال فيها في الأرض الأخرى ضعيفاً جداً كخيط رفيع غير
[1]السيد الشبيري الزنجاني (دامت بركاته).
مرتفع عن الأفق مما أوجب الاطمئنان بأنه لم يكن قابلاً للرؤية في الليلة السابقة في أرض السائل.
ففي هاتين الحالتين يمكن لمن يأتي من أرض أخرى أن يخطّأ السائل في دعواه رؤية الهلال، وموردهما كما ذكرنا هو ما إذا جاء المخبر من أرض قريبة جداً من أرض السائل، وأما إذا كانت بعيدة عنها فمن الواضح أنه لا يسعه نفي تحقق الرؤية فيها لاحتمال الاختلاف في الأفق.
فالنتيجة: أن هذه الرواية لا تدل على الاعتداد ـ في ما يخص أعمال ليلة القدر ـ باحتمال الرؤية في مكان بعيد مختلف في الأفق عن بلد المكلف بل باحتمالها في مكان قريب متحد معه فيه.
أقول: قول أبي بصير: (فربما رأينا الهلال عندنا) معناه ربما رأينا الهلال في بلدنا في ليلة ولم نره قبل ذلك فحسبنا تلك الليلة أول الشهر، وعلى ذلك فالمنساق عرفاً من قوله: (وجاءنا من يخبرنا بخلاف ذلك من أرض أخرى) هو أنه يخبر بخلاف ما تقتضيه الرؤية في بلدنا في تلك الليلة وعدم الرؤية قبلها من كون تلك الليلة هي أول الشهر، ومقتضى ذلك هو أنه جاء مخبراً عن تحقق الرؤية في الليلة السابقة في الأرض الأخرى.
وبالجملة: الظاهر أن المراد بقوله: (بخلاف ذلك) هو خلاف ما تقتضيه الرؤية في بلد السائل من كون ليلة الرؤية هي أول الشهر، لا خلاف الرؤية نفسها بنفيها وعدّها وهماً، فإن هذا لا يناسب قوله: (ربما رأينا الهلال) الظاهر في أنه معتقد برؤيتهم له. ولو كان قد تزعزع اعتقاده بذلك من جهة ورود الخبر بنفي الرؤية في أرض أخرى لكان ينبغي أن يقول: (ربما حسبنا أننا رأينا الهلال) أو نحو ذلك من التعابير.
هذا مضافاً إلى أنه يلوح من قوله: (ربما رأينا الهلال عندنا) أن الرؤية كانت ثابتة عند عامة الناس في بلده ولا يكون ذلك عادة إلا مع
تحقق الشياع، وفي هذه الحالة يصعب جداً نفي الرؤية فيه من جهة عدم تحققها في بلد آخر وإن كان قريباً جداً منه وفرض صفاء الجو فيه حسب ظن المستهلين، فإنه قد تخفى العلة المانعة عن الرؤية على الناظر كما لا يخفى.
وأما رؤية الهلال في الليلة اللاحقة في البلد الآخر ضعيفاً جداً فربما يكون من جهة وجود بعض الشوائب في الأفق مما تمنع من وضوح الرؤية فلا يمكن نفي تحققها في الليلة السابقة في البلد الأول.
والحاصل: أن احتمال أن يكون المراد بقول السائل: (وجاءنا من يخبرنا بخلاف ذلك من أرض أخرى) هو مجيء من يخطّأنا في رؤيتنا للهلال في تلك الليلة بعيد جداً.
فالإنصاف عدم تمامية الوجه الأول المذكور في مناقشة الاستدلال بالرواية على القول بوحدة الآفاق.
الوجه الثاني: أن هذه الرواية أقرب ما تكون إلى الدلالة على عكس المطلوب، أي اختلاف الآفاق في بداية الأشهر القمرية، لأن الملاحظ أن الإمام7لم يأمر بالاحتياط أربع ليالٍ لإدراك ليلة القدر إلا بعد أن فرض السائل الاختلاف في أول الشهر برؤية الهلال في ليلة ومجيء الخبر من أرض أخرى بخلاف ذلك، مع أنه لو كان يكفي في دخول الشهر في بلد المكلف إمكانية الرؤية في بلد آخر ولو بعيداً عنه جداً لكان ينبغي للإمام أن يأمر من البداية بالاحتياط أربع ليالٍ لإدراك ليلة القدر، فإن أقصى ما تقتضيه رؤية الهلال في ليلة وعدم رؤيته في ليلة سابقة عليها بالرغم من صفاء الجو وكثرة المستهلين هو الاطمئنان بعدم قابلية الهلال للرؤية في هذا البلد في الليلة السابقة، ولكن بناءً على القول باتحاد الآفاق في بداية الأشهر القمرية لا دافع لاحتمال أن تكون الليلة السابقة أول
الشهر، إذ يجوز كون الهلال قابلاً للرؤية فيها في بلدٍ بعيدٍ جداً، وحيث إن المطلوب في ليلة القدر هو إدراك واقعها كان المناسب أن يأمر الإمام7ابتداءً بالاحتياط أربع ليال من دون انتظار أن يقول أبو بصير: (فربما رأينا الهلال عندنا وجاء من يخبرنا خلاف ذلك من أرض أخرى)، فعدم أمره7بذلك يدل بوضوح على أن لكل مكان ليلة قدره، مما يقتضي عدم اتحاد الآفاق في بداية الأشهر القمرية، أي أن الرواية تكون على هذا دليلاً على القول باختلاف الآفاق لا على القول بوحدتها.
أقول: يلاحظ على هذا البيان ..
أولاً: بالنقض بما يقع كثيراً من وجود علة في السماء في ليلة الشك فيبنى على إكمال عدة شعبان ثلاثين يوماً وأن الليلة اللاحقة هي أول شهر رمضان، فإن في مثل ذلك ينبغي لمن يريد إدراك ليلة القدر أن يحتاط بأربع ليالٍ، إذ يحتمل وجداناً أن الهلال كان في الليلة السابقة موجوداً في الأفق بنحو قابل للرؤية لولا الغيم ونحوه ومع ذلك لم يأمر الإمام7بالاحتياط أربع ليالٍ رعاية لهذا الاحتمال، أي لم يقل بعد بيان أن ليلة القدر هي ليلة إحدى وعشرون أو ثلاث وعشرون: (إذا كان شهر شعبان عندكم كاملاً لعدم تيسر الاستهلال فلا بد لإدراك ليلة القدر من الاحتياط بأربع ليال).
وثانياً: بالحل، وهو أن الإمام7إنما كان بصدد تحديد ليلة القدر في إحدى ليلتين الحادية والعشرين والثالثة والعشرين، وعدم الإفصاح عن أن أياً منهما هي ليلة القدر الواقعية بل إبقاء ذلك في بوتقة الإبهام، كما صنع مثل ذلك أبوه الباقر7حتى مع كبار أصحابه كزرارة بن أعين، ففي معتبرته[1]المروية عنه7قال: سألته عن ليلة القدر. قال:«هي ليلة
[1]تهذيب الأحكام ج:3 ص:58.
إحدى وعشرين أو ثلاث وعشرين». قلت: أليس إنما هي ليلة؟ قال:«بلى». قلت: فأخبرني بها. فقال:«وما عليك أن تفعل خيراً في ليلتين».
وعلى ذلك فالاحتياط الذي أمر به الإمام7بين الليلتين إنما هو من قبيل الاحتياط في الشبهة الحكمية، وأما الاحتياط في الشبهة الموضوعية فلم يكن مورد نظره7ابتداءً ولكن لما فرض أبو بصير تردد الليلتين بين أربع ليال أمر7عندئذٍ بالاحتياط فيها لإدراك ليلة القدر الواقعية، ولا دلالة في عدم أمره به قبل سؤال أبي بصير على أن لكل مكان ليلة قدره ليستدل بذلك على عدم تمامية القول بوحدة الآفاق.
والحاصل: أن هذا الوجه الثاني في مناقشة الاستدلال بالرواية على القول بوحدة الآفاق غير تام أيضاً.
والأولى أن يناقش في الاستدلال بها بما أفاده سيدي الأستاذ الوالد (دامت بركاته)[1]من أن أبا بصير حاول في البداية أن ينتزع من الإمام7تعيين ليلة القدر في إحدى الليلتين بافتراض أنه لا يقوى على القيام بالأعمال فيهما جميعاً، ولكن الإمام7امتنع عن ذلك قائلاً:«ما أيسر ليلتين في ما تطلب»، فحاول ثانياً أن ينتزع منه7تعيينها بافتراض تردد أول الشهر بين يومين مما يقتضي عدم كفاية الاحتياط لإدراكها بين ليلتين وهو الذي عدّه الإمام أمراً يسيراً، ولعله إنما فرض انبعاث دعوى رؤية الهلال في الليلة السابقة من أرض أخرى بالنظر إلى اعتقاده أنه لو كان المدعي للرؤية من أهل البلد نفسه يكون الاعتداد باحتمال صحة دعواه منافياً لما ورد في النصوص من أنه إذا رأته عين رأته ألف عين.
وبالجملة: إنما قصد أبو بصير بقوله: (فربما رأينا الهلال ..) مجرد افتراض حالة يتردد فيها أول الشهر في بلده بين يومين، عسى أن يعطف
[1]لاحظ أسئلة حول رؤية الهلال مع أجوبتها ص:30.
عليه الإمام7فيعين له ليلة القدر في إحدى الليلتين، ولم يكن يقصد بما ذكره أن تردد أول الشهر بين يومين يحصل أياً كان المكان الذي تدعى فيه رؤية الهلال في خارج البلد، وكذلك الإمام7إنما أراد بما أجاب به أبا بصير بيان أن تردد أول الشهر بين يومين كما فرضه يقتضي الاحتياط بأربع ليال لمن يريد إدراك ليلة القدر، ولم يكن بصدد بيان أن دعوى الرؤية في خارج البلد توجب التردد في أول الشهر فيه مطلقاً.
وبعبارة أخرى: المقطع الأخير من الرواية مسوق لبيان أنه مع تردد أول الشهر في البلد بين يومين فلا بد لإدراك ليلة القدر من الاحتياط بأربع ليال وليس مسوقاً لبيان أنه مع احتمال رؤية الهلال في مكان آخر يتردد أول الشهر في بلد المكلف بين يومين، لينعقد له الإطلاق من حيث كون المكان الآخر متحد الأفق مع بلد المكلف وعدمه.
ويمكن تقريب المناقشة في الاستدلال بالرواية بوجه آخر أيضاً، وهو أن يقال: إن مبنى الاستدلال بها هو إطلاقها بالنسبة إلى البلدان التي لا تتحد في الأفق مع بلد السائل، ولكن يمكن أن يقال: إنه لا يوجد بلدان غير متحدين في الأفق في شيء من شهور السنة بل هو مما يختلف باختلاف الشهور، ففي شهر نجد أن كثيراً من المناطق التي تقع في شرق العراق ـ مثلاً ـ تتحد معه في رؤية الهلال حتى المناطق البعيدة جداً كشرق آسيا وأستراليا ونيوزلندا ونحوها، وفي شهرٍ آخر لا يكون الأمر كذلك. وأيضاً نجد في شهرٍ أن كثيراً من المناطق التي تقع في غرب العراق تتحد معه في رؤية الهلال حتى المناطق البعيدة جداً كغرب أفريقيا وأمريكا الجنوبية وفي شهرٍ آخر لا يكون الأمر كذلك.
فعلى ذلك إذا فرض رؤية الهلال في بلد السائل في ليلة السبت مثلاً وجاء الخبر من بلد آخر برؤيته في ليلة الجمعة، فلا محالة يحتمل أن يكون