بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين الهداة المهديين.
وبعد: فإن هذا بحث حول (اتحاد الآفاق أو اختلافها في بداية الأشهر القمرية)، وهو مستلّ من الجزء الثامن عشر من كتابنا (بحوث في شرح مناسك الحج) حيث تطرق إليه السيد الأستاذ (دامت تأييداته) تعقيباً على ما ادعاه بعض الأعلام (طاب ثراه) من أن الأساس في اختلاف الموقف الشرعي عن الموقف الرسمي في الوقوف بعرفات والمزدلفة في غالب السنين هو (عدم كفاية الرؤية في بلد لبلد آخر مع التباعد بينهما، وقد انهدم هذا الأساس في هذه الأعصار وأبطل بما لا مزيد عليه).
وقد ارتأينا إعداد هذا البحث للنشر بصورة مستقلة لما يحظى به موضوعه من أهمية.
نسأل الله تعالى أن ينفع به القراء الكرام، ويثيبنا عليه ويوفقنا لما يحب ويرضى، إنه ولي ذلك.
المؤلفان
اين صفحه در کتاب اصلي بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
اتحاد الآفاق أو اختلافها في بداية الأشهر القمرية
لا ينبغي الشك في اختلاف الآفاق في رؤية الهلال، بمعنى أن هلال كل شهر لا يرى أول ما يرى في جميع بقاع الأرض براً وبحراً، بل يرى في الليلة الأولى في قسم منها ويرى في الليلة اللاحقة في قسم آخر، والسبب وراء ذلك هو أن العوامل المؤثرة في الرؤية ـ وأبرزها الارتفاع عن الأفق وحجم القسم المنار والبعد الزاوي عن الشمس ـ لا تتوفر بالحدّ المطلوب للرؤية في الليلة الأولى في جميع البقاع، بل في بعضها خاصة، وتتفاوت مساحة هذا البعض سعة وضيقاً باختلاف الشهور، كما يعرف ذلك بمراجعة الخرائط الفلكية المعدّة لبيان ذلك.
وقد اختلف فقهاء الفريقين في أن المناط في دخول الشهر القمري الجديد في أي بقعة هل هو بإمكانية رؤية الهلال في تلك البقعة أم أنه تكفي إمكانية الرؤية في بقعة ما لدخول الشهر في جميع البقاع، أي أنهم اختلفوا في أن الآفاق المختلفة في رؤية الهلال هل تختلف كذلك في بداية الأشهر القمرية أم أنها موحدة في ذلك، لأن الشهر القمري يبدأ في الجميع بإمكانية الرؤية في البعض.
وقبل استعراض أدلة القولين ينبغي نقل بعض كلماتهم في المسألة، فأقول:
أقوال فقهاء الفريقين
1 ـ أما فقهاء أصحابنا (قدّس الله أسرارهم) فلا نجد تصريحاً لهم بأي من القولين في ما وصل إلينا من كلمات من تقدم منهم على الشيخ (قدس سره) ، فقد اقتصر الصدوق (طاب ثراه) في المقنع[1]على إيراد ما ذكر في بعض النصوص من أنه إنما يؤخذ بشهادة البينة على رؤية الهلال من خارج البلد فيما إذا كان في سماء البلد علة تمنع من الرؤية، وهذا يناسب القول باختلاف الآفاق كما ستأتي الإشارة إلى ذلك.
ويلوح من كلام الشيخ المفيد (قدس سره) في المقنعة[2]أن الاكتفاء برؤية الهلال في بلد إنما هو في فرض استتاره عن أهل بلد المكلف لعلة، وهذا أيضاً إنما ينسجم مع القول المذكور، ونص عبارته (قدس سره) هو: (وربما خفي لعارض أو استتر عن أهل مصر لعلة وظهر لغير أهل ذلك المصر، ولكن الفرض إنما يتعلق على العباد به .. فمن ظفر به على حقيقة دلالته فقد أصاب الحق بعينه، ومن استتر عنه فلم يصبه لليلته وأصابه بعد ذلك من غير تفريط وقع منه في طلبه فقد أصاب المراد منه في عبادته .. وإن شهد على إصابته قبل زمان مشاهدته لهذا المخطئ لإصابته على حقيقة دلالته شاهدان عدلان فقد وجب عليه قضاء ما فاته من فريضته).
فيلاحظ أنه (قدس سره) عبر عمن لم ير الهلال في بلده في الليلة التي رئي فيها في بلد آخر بـ(المخطئ لإصابته على حقيقة دلالته) مما يقتضي افتراض وجود الهلال في تلك الليلة في بلده وإنما لم يوفق لرؤيته، فليتدبر.
وربما يستفاد من بعض كلمات السيد المرتضى (قدس سره)[3]الاكتفاء في
[1]المقنع ص:183.
[2]المقنعة ص:296ـ297.
[3]رسائل المرتضى ج:2 ص:41ـ42.
دخول شهر رمضان في بلد المكلف برؤية الهلال في أي بلد آخر، فإنه قال في رسالته في الرد على أصحاب العدد ما نصه: (الواجب على من رأى الهلال أن يعتقد أن هذه ليلة أول شهر رمضان في حقه وحق من يجري مجراه في رؤيته، وإن جوز أن يكون رئي في بعض البلاد. ويختلف فرض من رآه تلك الليلة ومن لم يره ويخبر عنه، غير أنه وإن قطع بالرؤية على أنه أول يوم من شهر رمضان فلا بد أن يكون ذلك مشروطاً بأن لا يرد الخبر الصحيح بأنه رئي قبل تلك الليلة).
وقال أبو الصلاح الحلبي (قدس سره)[1]: (إن قامت البينة برؤية الهلال ليلة يوم قد أفطر في أوله فعليه قضاؤه).
والملاحظ خلوه عن التعرض لمكان انبعاث البينة، وهل أنه يشمل خارج بلد المكلف ولا سيما إذا كان من الأمكنة البعيدة أو لا؟
وأما الشيخ (قدس سره) فقد ذكر في النهاية[2]نظير ما ذكره الصدوق في المقنع، ولم يتعرض للمسألة في كتابه الخلاف بالرغم من اختلاف فقهاء الجمهور بشأنها ـ كما سيأتي ـ ولكن ذكر في المبسوط[3]ما نصه: (ومتى لم ير الهلال في البلد ورئي خارج البلد على ما بيناه وجب العمل به إذا كان البلدان التي رئي فيها متقاربة، بحيث لو كانت السماء مصحية والموانع مرتفعة لرئي في ذلك البلد أيضاً، لاتفاق عروضها وتقاربها مثل بغداد وواسط والكوفة وتكريت والموصل. فأما إذا بعدت البلاد مثل بغداد
[1]الكافي في الفقه ص:181.
[2]النهاية في مجرد الفقه والفتاوى ص:150، وفيه زيادة لم ترد في المقنع، وهي: (وإن لم يكن هناك علة وطلب فلم ير الهلال لم يجب الصوم، إلا أن يشهد خمسون نفساً من خارج البلد أنهم رأوه). وقد ذكر ابن إدريس في السرائر (ج:1 ص:381) مثلها، وليس في الروايات ما يدل عليها، فليلاحظ.
[3]المبسوط في فقه الإمامية ج:1 ص:268.
وخراسان وبغداد ومصر فإن لكل بلد حكم نفسه، ولا يجب على أهل بلد العمل بما رآه أهل البلد الآخر).
وهذا أقدم نص لفقهائنا وصل إلينا في تبني القول باختلاف الآفاق في بداية الأشهر القمرية.
ومن الغريب أن ابن إدريس (قدس سره) الذي دأب على التعرض لمختلف كلمات الشيخ (قدس سره) لم يتعرض للكلام المذكور، بل قال[1]: (إن شهد برؤيته شاهدان عدلان وجب عليك الصوم، سواء كانت السماء مصحية أو فيها علة، أو كانا من خارج البلد أو داخله وعلى كل حال). ولعل هذه العبارة أوفق بالقول بوحدة الآفاق.
ولكن ما تبناه الشيخ (قدس سره) من التفصيل هو ما ذهب إليه معظم من تأخر عنه من الفقهاء كابن البراج (قدس سره)[2]، فإنه قال: (وإذا كانت البلدان متقاربة ولم ير الهلال في البلد ورئي من خارجه ـ على ما قدمنا بيانه في الشهادة ـ وجب العمل به، هذا إذا لم يكن في السماء علة وكانت الموانع مرتفعة أو كانت البلدان ـ كما ذكرناه ـ متقاربة حتى لو رئي الهلال في أحدها لرئي في الآخر مثل طرابلس وصور ومثل صور والرملة ومثل حلب وطرابلس ومثل واسط وبغداد وواسط والبصرة. وأما إذا كانت البلدان متباعدة مثل طرابلس وبغداد وخراسان ومصر وبغداد وفلسطين والقيروان وما جرى هذا المجرى فإن لكل بلد حكم سقعه ونفسه، ولا يجب على أهل بلد مما ذكرناه العمل بما رآه أهل البلد الآخر).
وكابن حمزة (قدس سره)[3]فإنه قال: (وإذا رئي في بلد ولم ير في آخر فإن
[1]السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي ج:1 ص:380ـ381.
[2]المهذب ج:1 ص:190.
[3]الوسيلة إلى نيل الفضيلة ص:141.
كانا متقاربين لزم الصوم أهليهما معاً، وإن كانا متباعدين مثل بغداد ومصر أو بلاد خراسان لم يلزم أهل الآخر).
وكالكيدري (قدس سره) حيث قال[1]: (ومتى لم ير في البلد ورئي في بلد آخر أو في البراري وجب العمل به إذا كان البلد الذي رئي فيه بحيث لو كانت السماء مصحية والموانع مرتفعة لرئي في الموضعين معاً لتقاربهما، وأما إذا بعدت فلكل بلد حكم نفسه ولا يجب على أهل أحدهما العمل بما رئي في الآخر).
وقال المحقق (قدس سره) في الشرائع[2]: (وإذا رئي في البلاد المتقاربة كالكوفة وبغداد وجب الصوم على ساكنيهما أجمع، دون المتباعدة كالعراق وخراسان، بل يلزم حيث رئي). ونحوه ما ذكره في المعتبر[3]وفي بعض أجوبة مسائله[4].
وقال ابن سعيد (قدس سره) في الجامع[5]: (وإذا رئي في بلد فما قاربه بحكمه، وما باعده كمصر وبغداد فليس بحكمه).
وقال العلامة (قدس سره) في التذكرة[6]: (إذا رأى الهلال أهل بلد ولم يره أهل بلد آخر، فإن تقاربت البلدان كبغداد والكوفة كان حكمها واحداً يجب الصوم عليهما معاً، وكذا الإفطار. وإن تباعدتا كبغداد وخراسان والحجاز والعراق فلكل بلد حكم نفسه، قاله الشيخ (رحمه الله) وهو المعتمد).
ثم حكى عن بعض علمائنا ـ ولم يسمه ـ بأن حكم البلاد كلها
[1]إصباح الشيعة بمصباح الشريعة ص:134.
[2]شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام ج:1 ص:180.
[3]المعتبر في شرح المختصر ج:2 ص:689.
[4]الرسائل التسع ص:322.
[5]الجامع للشرائع ص:154.
[6]تذكرة الفقهاء ج:6 ص:122.
واحد فمتى رئي الهلال في بلد وحكم بأنه أول الشهر كان ذلك الحكم ماضياً في جميع أقطار الأرض سواء تباعدت البلاد أو تقاربت اختلفت مطالعها أو لا.
وقد اختار (قدس سره) التفصيل بين البلاد المتقاربة والمتباعدة في جملة أخرى من كتبه أيضاً كالإرشاد والقواعد وتلخيص المرام[1]، وأما في التحرير[2]فقد قال: (إذا رأى الهلال أهل بلد وجب الصوم على أهل البلاد وجميع الناس، سواء تباعدت البلاد أو تقاربت) ثم حكى تفصيل الشيخ (قدس سره) بين البلاد المتقاربة التي لا تختلف في المطالع وغيرها، وعقّبه بقوله: (وفيه قوة)، ولعله أراد به الإشارة إلى أنه تفصيل لا يخلو من وجه وإن كان الصحيح هو عدم التفصيل، فليتأمل[3].
[1]إرشاد الأذهان إلى أحكام الإيمان ج:1 ص:303. قواعد الأحكام في معرفة الحلال والحرام ج:1 ص:387. تلخيص المرام في معرفة الأحكام ص:53.
[2]تحرير الأحكام الشرعية على مذهب الإمامية ج:1 ص:493.
[3]الملاحظ أن العلامة (قدس سره) قد استخدم التعبير المذكور (فيه قوة) في موارد كثيرة من مختلف كتبه لبيان مختاره في المسألة (كما في التحرير ج:1 ص:76، 474، 632)، ولكن في بعض الموارد يفتي بحكم ثم يحكي خلافه عن بعض الفقهاء ويعقبه بتلك العبارة كما في محل الكلام، ونظيره قوله: (لو خرج إلى السفر مكرهاً فالأقرب وجوب التقصير، وقال الشافعي: لا يقصر، وفيه قوة) (التحرير ج:1 ص:334)، وقوله: (صوم الصبي المميز شرعي، ونيته صحيحة وينوي الندب. وقال أبو حنيفة: ليس بشرعي بل هو إمساك للتأديب، وفيه قوة) (التحرير ج:1 ص:485)، وقوله: (لا عبرة برضا المكفول به، وفي المبسوط: يعتبر رضاه، واختاره ابن إدريس، وفيه قوة) (التحرير ج:2 ص:567). وفي هذه الموارد وأمثالها يحتمل بدواً أنه أراد بإيراد العبارة المذكورة الإشارة إلى عدم التزامه بما ذكره أولاً وإن كان ظاهره ذلك، ولكن لعل الأقرب أنه أراد بإيرادها مجرد الإيعاز إلى عدم خلو القول الآخر عن وجه معتدّ به وإن كان لا يبلغ حدّ الدليل، فليراجع.