مشترك بين القول بوحدة الآفاق والقول باختلافها، فكيف استدل (قدس سره) بها على القول الأول؟
وثانياً: إن هذه الليلة ذات الأربع والعشرين ساعة ليست هي المراد بليلة القدر المذكورة في القرآن المجيد، لأن لليلة القدر فجراً كما ورد في الآية الكريمة:(سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ)، وليس لليلة المذكورة فجر بل هي تتواصل ما دامت الكرة الأرضية تدور حول نفسها باتجاه الشمس، وأما الليلة التي لها فجر فهي الليلة التي تلاحظ بالنسبة إلى كل مكانٍ مكانٍ من أمكنة الأرض.
وكذلك الحال بالنسبة إلى يوم العيد، فإن ليوم العيد زوالاً، والنهار الذي يفترضه (قدس سره) أربعاً وعشرين ساعة مما ليس له زوال، وإنما يكون الزوال للنهار إذا لوحظ بالنسبة إلى كل بقعة بقعة من بقاع الأرض.
وبالجملة: إن ما ذكره (قدس سره) ليس بتام في حدِّ ذاته، ولا يفي بالتفريق بين القول بوحدة الآفاق والقول باختلافها.
(الوجه الثاني): ما ذكره السيد الأستاذ (قدس سره)[1]أيضاً من أن سكوت الروايات بأجمعها عن اعتبار اتحاد الأفق في هذه المسألة، وعدم ورود ذلك حتى في رواية ضعيفة يدل على عدم اعتبار ذلك.
ونحوه ما قيل[2]: من (إن السكوت العام الحاكم على روايات الرؤية البالغة من الكثرة حدّ التواتر الإجمالي الواردة في مختلف الموارد والحالات بمختلف الألسنة عن الإشارة إلى اختلاف البلدان في الأفق أو تقاربها فيه يؤكد أن بداية الشهر القمري واحدة لجميع بقاع الأرض، وإلا لكان اللازم الإشارة فيها إلى حدود اختلاف البلدان في الأفق وعدم ثبوت
[1]منهاج الصالحين ج:1 ص:283.
[2]تعاليق مبسوطة على العروة الوثقى ج:5 ص:199.
الهلال في بلد إذا كان مختلفاً مع بلد الرؤية فيه، مع أنه ليست في شيء منها الإشارة إلى ذلك لا تصريحاً ولا تلويحاً، وهذا قرينة تؤكد على أن الشهر القمري الشرعي شهر واحد لكل البلدان على وجه الأرض).
أقول: سيأتي ـ إن شاء الله تعالى ـ أن هناك روايات يمكن أن يستفاد منها عدم اتحاد الآفاق في بداية الأشهر القمرية، بالإضافة إلى بعض الشواهد الأخرى، ولكن مع غض النظر عن الجميع فبالإمكان أن يقال: إن المسائل التي يتوقع التعرض لها في ما وصل إلينا من الروايات هي خصوص التي كانت من المسائل المطروحة للبحث والنقاش في الأوساط العلمية بصورة موسعة في عهد الصادقين8، أو كانت من المسائل الابتلائية للمؤمنين على نطاق واسع في ذلك العصر، والمسألة المبحوث عنها ـ أي هل تكفي رؤية الهلال في بلد لدخول الشهر في غيره من البلدان وإن كانت بعيدة عنه جداً ـ مما لم يظهر كونها من أي من القسمين المذكورين.
وتوضيح الحال: أن عمدة ما يمكن الاستعانة به للتحقق من كون مسألة ما مطروحة للبحث والمناقشة في عصرهم:هو ما يرد في كلمات الجمهور من اختلاف الأقوال فيها بين الصحابة أو التابعين أو الفقهاء في ذلك العصر، وقد نسب في بعض المصادر[1]إلى عائشة أنها قالت في اختلاف البلدان في رؤية الهلال: (فطر كل بلدة يوم يفطر جماعتهم، وأضحى كل بلدة يوم يضحي جماعتهم).
ولكن الظاهر أن الأصل فيه هو ما روي عنها أنها قالت[2]: قال رسول الله6:«الفطر يوم يفطر الناس، والأضحى يوم يضحي
____________
(1) الاختيار لتعليل المختار ج:1 ص:138.
(2) سنن الترمذي ج:1 ص:148.
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
فالإنصاف أن دلالة الرواية لا بأس بها، ولكن يمكن أن يقال: إنه مما يصعب التصديق بصحتها، لأن الذي يظهر بملاحظة الخرائط الفلكية التي تبيّن أوضاع الأهلة في المدة التي كان معاوية متسلطاً فيها على الشام أنه لم يكن هلال رمضان قابلاً فيه للرؤية في ليلة الجمعة إلا وهو قابل للرؤية بصورة أوضح في المدينة المنورة في الليلة نفسها، فلا محل لقول ابن عباس: (ولكنا رأيناه ليلة السبت) إلا إذا كانت ليلة الجمعة مغيمة في المدينة ولم تتم الإشارة إلى ذلك في الخبر، فليتأمل.
هذا ومرّ في بداية البحث عن هذه المسألة ـ عند نقل أقوال العامة ـ أنه نسب إلى عكرمة مولى ابن عباس وإلى القاسم بن محمد بن أبي بكر وسالم بن عبد الله بن عمر وهما من الفقهاء السبعة في المدينة المنورة ـ والجميع ماتوا في أوائل المائة الثانية ـ أنهم قالوا: لا تلزم الرؤية في بلد غير أهل بلد الرؤية. ومرّ أيضاً اختلاف النقل في ذلك عن أبي حنيفة ومالك، وكل ذلك يشير إلى أن هذه المسألة كانت مثارة في الأوساط العلمية في عصر الصادقين8ولكن لم يعلم أن موردها كان هو الأعم من الاعتداد بالرؤية في البلاد البعيدة، وعلى تقدير كون موردها ذلك فإنه لم يتأكد كونها مطروحة بصورة موسعة واحتدام الجدل بشأنها بين فقهاء ذلك العصر حتى يقتضي تمثّل ذلك في بعض الروايات الواصلة إلينا من خلال طرح السؤال عنها على الصادق7ـ مثلاً ـ بل لعل أقصى ما كان في ذلك العصر هو ذهاب فقهائهم ـ حتى أبي حنيفة ومالك ـ إلى أن رؤية كل بلد تلزم أهل ذلك البلد، ثم في عصر متأخر وقع الاختلاف والجدل في ذلك وبرز آخرون كتلميذي أبي حنيفة أبي يوسف ومحمد بن الحسن وكالشافعي وابن حنبل قالوا بكفاية الرؤية في غير بلد المكلف كما مرّ النقل عنهم، ثم تعاظم الاختلاف بين أتباعهم وبرز التفصيل بين البلاد
المتقاربة والمتباعدة، فانقسم أتباع كل من أبي حنيفة ومالك والشافعي بل وحتى أتباع ابن حنبل إلى قسمين: فمنهم من قال بأن لكل بلد حكمه إلا في البلدان المتقاربة فحكم الجميع واحد، ومنهم من قال بالاتحاد حتى في البلدان المتباعدة.
وملخص القول: أن معظم الروايات الواصلة إلينا لما كانت عن الإمامين الباقر والصادق8ولا سيما الأخير فإنه إنما يتوقع التعرض في البعض منها للاختلاف في وحدة الآفاق المتباعدة وتعددها فيما إذا كانت هذه المسألة موضع نقاش واسع في عصرهما8، ولا شاهد واضح على ذلك، بل لعل المناقشات فيها إنما حصلت في عصر متأخر فلا يستغرب خلو ما بأيدينا من الروايات عن التعرض لذلك.
هذا في ما يتعلق بعدم التأكد من كون هذه المسألة موضع بحث وجدل واسعين في الأوساط العلمية في عصر الصادقين8، وأما عدم كونها من المسائل الابتلائية للمؤمنين على نطاق واسع في ذلك العصر وما بعده فلأن من يلاحظ الخرائط الفلكية التي تبيّن أوضاع الأهلة في عصر المعصومين:يجد أنه قلما كان يقع الاختلاف في إمكانية رؤية الهلال بين الأماكن الرئيسة التي كان يسكنها شيعة أهل البيت:من الكوفة والبصرة وبغداد وقم والمدينة المنورة ونحوها، وأما الأماكن البعيدة كخراسان والشام ومصر ونحوها فلم يكن فيها إلا القليل جداً من أتباعهم:، وكان التواصل بين تلك الأماكن وأماكن سكنى سائر الشيعة مما لا يتم إلا في فترات متباعدة، ولا يتوقع في مثل ذلك وصول أخبار الاختلاف في أول شهر رمضان أو شهر شوال إلى المكان الآخر بصورة مستمرة وواسعة بحيث يستدعي طرح الأمر على الأئمة:.
وبالجملة: عدم تمثل اختلاف الآفاق في رؤية الهلال في أسئلة الرواة
يمكن أن يعزى إلى قلة الابتلاء بذلك في عصرهم، وأما عدم تنبيههم:ابتداءً على اختلاف الآفاق المتباعدة في بداية الأشهر القمرية فيمكن أن يعزى أيضاً إلى مثل ذلك، مضافاً إلى احتمال أن الناس كانوا آنذاك لا يعتدون بأخبار الرؤية في البلاد البعيدة جداً بارتكاز أن العبرة بالرؤية في مناطقهم كما في طلوع الشمس وغروبها، فلم تكن حاجة إلى التنبيه على ما ذكر.
والحاصل: أنه لا يمكن أن يجعل خلو الروايات عن التعرض لهذه المسألة دليلاً على صحة القول بوحدة الآفاق، بل لو جعل شاهداً على خلاف ذلك في الجملة وأنه لا يكتفى بالرؤية في البلاد البعيدة جداً كان أوجه، إذ الاكتفاء بالرؤية للكوفة ـ مثلاً ـ ولو في الشام أو مصر أو الأندلس أو خراسان ونحوها هو الذي يحتاج إلى بيان، إذ يستبعد جداً أنه كان أمراً واضحاً لدى الناس في ذلك العصر.
بل يشهد على خلافه ما تقدم من دلالة مكاتبة أبي عمرو على أنه كان يرى أنه لو صح قول الحسّاب من إمكانية رؤية الهلال في مصر وأفريقية والأندلس بالرغم من عدم تيسر رؤيته في العراق فلا بد أن يختلف الفرض على أهل الأنصار.
والحاصل: أن هذا الوجه الثاني الذي ذكر دليلاً أو شاهداً للقول بوحدة الآفاق مما لا يمكن المساعدة عليه أيضاً.
(الوجه الثالث): ما قيل[1]من أن مقتضى إطلاق الأخبار المستفيضة الدالة على أن شهر رمضان كسائر الشهور يصيبه ما يصيبها من الزيادة والنقصان هو أن شهر رمضان في جميع البلاد واحد كوحدة سائر الشهور فيها فإما أن يكون تسعة وعشرين في الجميع أو ثلاثين يوماً كذلك، لا أن
[1]مهذب الأحكام في بيان الحلال والحرام ج:10 ص:272.
يكون تسعة وعشرين يوماً في بعض البلاد وثلاثين في البعض الآخر فإن ذلك خلاف مجموع الأخبار.
وهذا الاستدلال في غاية الضعف ..
أولاً: من جهة أنه ليس في الروايات المشار إليها أي دلالة على أن شهر رمضان في كل سنة لا يكون إلا تسعة وعشرين يوماً أو ثلاثين يوماً في جميع البلدان، بل مجرد أنه كسائر شهور السنة قد يكون تسعة وعشرين وقد يكون ثلاثين في مقابل من زعم أنه لا يكون إلا ثلاثين يوماً.
وثانياً: إن كون شهر رمضان في كل سنة تسعة وعشرين أو ثلاثين يوماً في جميع الأمكنة لا يقتضي اتحاد الآفاق، إذ يجوز أن يكون تسعة وعشرين يوماً أو ثلاثين يوماً في مكانين ولكن يتأخر ابتداءً وانتهاءً في أحدهما عن الآخر.
هذا وتجدر الإشارة إلى أن بعضهم استدل بالأخبار المشار إليها للقول بوحدة الآفاق من وجه آخر، وهو أن لازم القول بالتعدد هو أن يصير شهر رمضان ثمانية وعشرين أو واحد وثلاثين يوماً بالنسبة إلى من ينتقل في أثنائه من مكان إلى مكان آخر يختلفان في رؤية الهلال.
مثلاً: إذا اختلف العراق وأستراليا في بداية شهر رمضان وفي نهايته وكان ناقصاً في كليهما وابتدأ المكلف صيام شهره في المتأخر منهما ابتداءً وانتهى منه في المتقدم انتهاءً يكون قد صام ثمانية وعشرين يوماً فقط.
ولو كان الشهر تاماً في كليهما وابتدأ المكلف صيامه في المتقدم منهما ابتداءً وأنهاه في المتأخر منهما انتهاءً يكون قد صام واحد وثلاثين يوماً، مع أن النصوص المشار إليها تدل على أن شهر رمضان لا يكون إلا تسعة وعشرين يوماً أو ثلاثين يوماً.
وهذا الاستدلال ضعيف أيضاً، فإن هذا المحذور إن تم فإنه يأتي على القول بوحدة الآفاق أيضاً، لأن القائل به يلتزم لا محالة باختلاف بقاع الأرض في أوائل الشهور في الجملة كما سيأتي توضيحه عند استعراض تفاصيل هذا القول.
مع أن ما ذكر ليس محذوراً، لأن الروايات إنما دلت على أن شهر رمضان لا ينقص عن تسعة وعشرين يوماً ولا يزيد على ثلاثين يوماً في أي بقعة من بقاع الأرض، لا أن المكلف لا يلزمه الصيام أقل من تسعة وعشرين يوماً ولا أزيد من ثلاثين يوماً في شهر رمضان، وبين الأمرين فرق شاسع، وما ذكر لا ينافي الأمر الأول كما هو واضح.
(الوجه الرابع): بعض الأخبار الواردة في رؤية الهلال قبل الزوال كمعتبرة عبيد بن زرارة وعبد الله بن بكير[1]قالا: قال أبو عبد الله7: إذا رئي الهلال قبل الزوال فذلك اليوم من شوال، وإذا رئي بعد الزوال فذلك اليوم من شهر رمضان» . وصحيحة حماد[2]عن أبي عبد الله7قال:«إذا رأوا الهلال قبل الزوال فهو لليلة الماضية، وإذا رأوه بعد الزوال فهو لليلة المستقبلة».
ومبنى الاستدلال بهما هو أن مقتضى إطلاق قوله في الأولى: (فذلك اليوم من شوال) كون يوم الرؤية من شوال في أي مكان كان ذلك اليوم، أي إذا رئي في يوم السبت ـ مثلاً ـ فإنه يكون من شوال في أي مكان يعدّ نهاره يوم السبت، وكذلك مقتضى إطلاق قوله في الثانية: (فهو لليلة الماضية) أن تلك الليلة تكون ليلة أول شوال ـ مثلاً ـ في أي مكان كانت، أي إذا رئي قبل زوال السبت ـ مثلاً ـ فإن ليلة السبت في أي مكان
[1]تهذيب الأحكام ج:4 ص:176.
[2]الكافي ج:4 ص:78.