بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 89

الوحيد للقول المذكور هو إطلاق صحيحة هشام بن الحكم وما ماثلها ـ كما يظهر من السيد الأستاذ (قدس سره) ـ فالمتعين هو البناء على التفصيل بين ما يسبق ليله ليل بلد الرؤية وغيره، فلا يبنى على دخول الشهر الجديد في ليلة الرؤية في القسم الأول.

(التفصيل الثاني): ما اختاره السيد الأستاذ (قدس سره) والعديد من تلامذته وغيرهم ممن أتوا من بعده، وهو التفصيل بين المناطق التي تشترك مع مكان الرؤية في الليل ولو في جزء يسير منه فيحكم بدخول الشهر الجديد فيها برؤية الهلال في ذلك المكان، وبين الأماكن التي لا تشترك معه في جزء من الليل فلا يحكم بدخول الشهر الجديد فيها بذلك.

وهذا التفصيل قد حكي[1]أنه مما قرّره أيضاً مجمع البحوث الإسلامية في القاهرة، وورد في قراره: (إنه لا عبرة باختلاف المطالع وإن تباعدت الأقاليم متى كانت مشتركة في جزء من ليلة الرؤية وإن قل، ويكون اختلاف المطالع معتبراً في الأقاليم التي لا تشترك في جزء من هذه الليلة).

وتجدر الإشارة إلى أن السيد الأستاذ (قدس سره) لم يكن في أوائل تبنيه للقول بوحدة الآفاق يذهب إلى هذا التفصيل، ومن هنا نرى أنه لما ذكر السيد صاحب العروة (قدس سره)[2]: (إذا ثبت رؤيته في بلد آخر ولم يثبت في بلده فإن كانا متقاربين كفى، وإلا فلا، إلا إذا علم توافق أفقهما وإن كانا متباعدين) علق على قوله: (وإلا فلا) بقوله (قدس سره) : (لا يبعد الكفاية مطلقاً) كما في الطبعة الأولى من تعليقته الأنيقة على العروة المطبوعة (عام 1375 هـ)، وكذلك في الطبعة الثانية المطبوعة (عام 1380 هـ).

[1]مجلة الشريعة السنة:1409هـ ص:408.

[2]العروة الوثقى ج:3 ص:631.


صفحه 90

وهكذا عندما أورد في آخر رسالته الشريفة (المسائل المنتخبة) المطبوعة (عام 1391 هـ) بحثاً استدلالياً للدفاع عن مختاره بعنوان (تفاصيل ثبوت الهلال)[1]لم يشر فيه إلى التفصيل المذكور، بل أكد[2]فيه على (أن رؤية الهلال في بلد ما أمارة قطعية على بداية شهر قمري جديد لأهل الأرض جميعاً، لا لخصوص البلد الذي يرى فيه وما يتفق معه في الأفق).

وبعض الأعلام من تلامذته (قدس سره) الذي وافقه على القول باتحاد الآفاق لم يشر إلى التفصيل المذكور أيضاً لا في تعليقته على منهاج السيد الحكيم (قدس سره) ولا في رسالته (الفتاوى الواضحة).

ولكن السيد الأستاذ (قدس سره) تبنى هذا التفصيل في وقت لاحق[3]، وقد أورده في الطبعات المتأخرة من تعليقته على العروة حيث ذكر بدل العبارة المتقدمة هكذا: (لا يبعد الكفاية في البلدان التي تشترك في الليل ولو في

[1]وقد أدرج لاحقاً في رسالة منهاج الصالحين ج:1 ص:279 وما بعدها.

[2]المسائل المنتخبة ص:331 ط:8 عام 1391 هـ.

[3]تجدر الإشارة إلى أن السيد الأستاذ (قدس سره) قد ذكر في مجلس درسه الشريف في شرح كتاب الصوم من العروة الوثقى ـ الذي انتهى منه في ذي القعدة عام (1394 هـ) ـ أن ما يمكن الحكم بدخول الشهر الجديد فيه متزامناً مع رؤية الهلال في مكان ما هو خصوص الأماكن التي يكون الوقت فيها ليلاً في تلك اللحظة، أي بمقدار نصف الكرة الأرضية دون الأماكن التي يكون الوقت فيها نهاراً آنذاك، وهو النصف الآخر من الكرة الأرضية.

هذا مضمون ما ذكره (قدس سره) في مجلس الدرس ـ كما ورد في تسجيله الصوتي ـ وكان ذلك قبل أن يكتب بعض تلامذته رسالته الأولى إليه في نقد مختاره، وذلك في شوال عام (1396 هـ).

فلا يتم ما قيل من أن الالتزام بوحدة الآفاق في البلدان المشتركة في جزء من الليل قد تم اقتراحه عليه (قدس سره) لدفع بعض إشكالات تلميذه المشار إليه (لاحظ رؤيت هلال ج:2 ص:1458).


صفحه 91

مقدار منه)، ونحوه ما ذكره في الطبعات المتأخرة من (المسائل المنتخبة) و(منهاج الصالحين) مصرحاً فيهما بكفاية الرؤية في بلد ما لثبوت الهلال في بلد آخر مع اشتراكهما في كون ليلة واحدة ليلة لهما معاً وإن كان أول ليلة لأحدهما وآخر ليلة للآخر ولو مع اختلاف أفقهما.

وقد ورد في تقرير بحثه الشريف[1]في وجه تبني هذا التفصيل ما نصه: (أن هذا ـ أي اتحاد الآفاق ـ إنما يتجه بالإضافة إلى الأقطار المشاركة لمحل الرؤية في الليل ولو في جزء يسير منه، بأن تكون ليلة واحدة ليلة لهما وإن كانت أول ليلة لأحدهما وآخر ليلة للآخر، المنطبق ـ طبعاً ـ على النصف من الكرة الأرضية، دون النصف الآخر الذي تشرق عليه الشمس عندما تغرب عندنا ـ أي في بلد الرؤية ـ. بداهة أن الآن نهار عندهم فلا معنى للحكم بأنه أول ليلة من الشهر بالنسبة إليهم).

وورد في ما كُتب[2]بأمر منه في الجواب عن الرسالة الثانية التي بعثها إليه بعض تلامذته في مناقشة رأيه في اتحاد الآفاق ما لفظه: (أن الروايات الخاصة أيضاً لا تدل على أكثر من هذا المقدار، حيث تأمر بقضاء النهار القادم بعد ليل الرؤية ولو في مصر آخر، وواضح أن هذا لا يشمل ما إذا كانت رؤية الهلال في نقطة الغرب معاصرة مع النهار عندنا، فإنه ليس نهار ما بعد تلك الليلة التي هي ليلة الرؤية).

أقول: ينبغي البحث في موردين ..

(المورد الأول): هل أن ما ذكره (قدس سره) يعدّ تفصيلاً منه في الالتزام بوحدة الآفاق في بداية الأشهر القمرية أو لا؟

الصحيح أنه إنما يعدّ تفصيلاً منه في ذلك فيما إذا كان المقصود به هو

[1]مستند العروة الوثقى (كتاب الصيام) ج:2 ص:119 ط:نجف.

[2]رؤيت هلال ج:2 ص:898.


صفحه 92

أن البلدان التي لا تشترك مع بلد الرؤية في كون الوقت فيها ليلاً عند تحقق الرؤية فيه لا يحكم بدخول الشهر الجديد فيها بذلك، بل ما يشهد رؤية الهلال عند حلول الليل فيه لاحقاً أو يكون الوقت فيه ليلاً عند رؤيته في مكان آخر بعدئذٍ يدخل الشهر الجديد فيه بذلك دون غيره من البلدان.

مثلاً: إذا رئي الهلال في بغداد فإن المناطق الواقعة في شرقه في نصف الكرة الأرضية ـ التي يكون الوقت فيها ليلاً عند رؤية الهلال في بغداد ـ يدخل الشهر الجديد فيها بذلك، وأما المناطق الواقعة في غرب بغداد في النصف الآخر من الكرة الأرضية ـ التي يكون الوقت فيها نهاراً عند رؤية الهلال في بغداد ـ فما تشهد رؤية الهلال عند حلول الليل فيها كعمان وبيروت والقاهرة ونحوها يدخل الشهر الجديد فيها بذلك وأما غيرها كلندن وأوسلو واستوكهولم في بعض الشهور فإن رئي الهلال في مكان وكان الوقت فيها ليلاً كما لو رئي في أمريكا بعد عدة ساعات حكم بدخول الشهر فيها أيضاً وإلا لم يحكم بذلك.

فهذا يمثل تفصيلاً في الالتزام بوحدة الآفاق في بداية الأشهر القمرية، وفي مقابله وجهان ..

الأول: أنه يدخل الشهر الجديد في جميع البلدان برؤية الهلال في بلدٍ ما، ويكون ذلك من حين تحقق الرؤية في ذلك البلد وإن كان الوقت في غيره نهاراً.

الثاني: أنه يدخل الشهر الجديد في جميع البلدان برؤية الهلال في بلدٍ ما ولكن يكون ذلك من حين حلول الليل لاحقاً في البلدان التي يكون الوقت فيها نهاراً عند تحقق الرؤية في ذلك البلد.

والوجه الأول هو ظاهر ما أفاده السيد الأستاذ (قدس سره) من قبل في بحثه المطبوع في آخر (المسائل المنتخبة) بل هو كالصريح في ذلك حيث قال


صفحه 93

فيه[1]: (إن خروج القمر من حالة المحاق والتمكن من رؤيته هو بداية شهر قمري جديد لجميع بقاع الأرض على اختلاف مشارقها ومغاربها لا لبقعة دون أخرى، وإن كان القمر مرئياً في بعضها دون الآخر وذلك لمانع خارجي كشعاع الشمس أو حيلولة بقاع الارض أو ما شاكل ذلك).

فإن قوله: (لمانع خارجي كشعاع الشمس) كالنص في الالتزام بدخول الشهر الجديد حتى في الأماكن التي يكون الوقت فيها نهاراً من حين رؤية الهلال في المكان الواقع في الشرق منها، إذ المانع عن رؤيته فيها مع عدم الاختلاف الفاحش بينها وبينه في خطوط العرض لا يكون سوى شعاع الشمس كما لا يخفى.

وأما الوجه الثاني فهو ظاهر سائر القائلين بوحدة الآفاق، أي أنهم لم يفصلوا في القول بها بين ما يكون الوقت فيه ليلاً عند رؤية الهلال في مكان ما وبين ما يكون الوقت فيه نهاراً آنذاك، بل قالوا بكفاية ذلك في دخول الشهر الجديد في الجميع ولكن فصلوا بين القسمين في وقت دخوله فيهما، ففي القسم الأول قالوا بأنه يدخل من حين تحقق الرؤية أو من أول حلول الليل، وفي القسم الثاني قالوا: إنه يتأخر قليلاً أو كثيراً إلى حين حلول الليل.

وهل أن مقصود السيد الأستاذ (قدس سره) بما ذكره لاحقاً من التقييد بالاشتراك في جزء من الليل هو تبني التفصيل المتقدم أو تبني الوجه الثاني المذكور في مقابل ما اختاره سابقاً من الوجه الأول؟

الظاهر ـ بل المطمأن به ـ أن مقصوده هو تبني الوجه الثاني وإن كانت عباراته غير واضحة في إفادة ذلك بل بعضها تناسب التفصيل المذكور.

[1]المسائل المنتخبة ص:330 ط: عام 1391 هـ.


صفحه 94

والوجه فيه أنه لا يوجد مكان في شرق بلد الرؤية أو في غربه أو في شماله أو في جنوبه إلا وهو مشترك معه في جزء من الليل ولو في أوله أو في آخره[1]، فما معنى اشتراط الاشتراك في جزء من الليل في مقابل كفاية الرؤية في بلد لسائر البلدان الأخرى مطلقاً كما كان بانياً عليه من قبل؟

اللهم إلا أن يكون المقصود به هو التقييد بخصوص البلدان التي تقع في شرق بلد الرؤية التي يكون الوقت فيها ليلاً في زمان حصول الرؤية، فإنه عندئذٍ يلائم التفصيل المتقدم. ويناسبه ما مرّ نقله عنه في بيان ضابط الاشتراك في جزء من الليل من قوله: (المنطبق طبعاً على النصف من الكرة الأرضية دون النصف الآخر الذي تشرق عليه الشمس عندما تغرب عندنا ـ أي في بلد الرؤية ـ)، ولكن لا يناسبه قوله ـ المتقدم نقله أيضاً ـ: (مع اشتراكها في كون ليلة واحدة ليلة لهما معاً وإن كان أول ليلة لأحدهما وآخر ليلة للآخر) فإنه واضح الدلالة على عدم الفرق بين نصف الكرة الواقع في شرق بلد الرؤية ونصف الكرة الواقع في غربه في انطباق ضابط الاشتراك في جزء من الليل عليهما جميعاً.

وأوضح منه في الدلالة على التزامه (قدس سره) بدخول الشهر الجديد في ما يشترك مع بلد الرؤية في الليل سواء ما يقع في شرقه أو ما يقع في غربه ما ذكره[2]في الجواب عن الرسالة الأولى لبعض تلامذته في نقد مختاره من وحدة الآفاق حيث قال: (إن ليلة الرؤية ليلة واحدة بأربع وعشرين ساعة يتبعها نهار واحد بأربع وعشرين ساعة يعدن أول الشهر، ثم يتبعها ليال

[1]قد يقال: إنه توجد بعض المناطق التي لا تشترك ـ ولو في بعض فصول السنة ـ حتى في جزء من الليل، ولكن بالرغم من ذلك إذا رئي الهلال في ليل إحداها رئي في ليل الأخرى أيضاً إلا في النادر جداً من الموارد، فيستبعد تماماً أن يكون التقييد بالاشتراك في جزء من الليل بغرض الاحتراز عنه، فليتدبر.

[2]رؤيت هلال ج:2 ص:861.


صفحه 95

وأيام كذلك حتى يتم ثلاثين أو تسعة وعشرين فيكمل شهر واحد).

فإنه كالنص في البناء على كفاية رؤية الهلال في مكان ما في دخول الشهر في الأماكن الواقعة في غربه التي يدخل الليل فيها بعد دخوله في بلد الرؤية ولكن ابتداءً من الليل الذي يحل فيها لاحقاً لا في أثناء النهار.

وبالجملة: إن ما ذكره (قدس سره) من تقييد وحدة الآفاق في بداية الأشهر القمرية بالاشتراك في جزء يسير من الليل لم يقصد به التفصيل في وحدة الآفاق بين ما يشترك في جزء من الليل مع بلد الرؤية وبين غيره وإن كان هذا هو ما يوهمه ظاهر التقييد المذكور، فإن كل البلدان تشترك مع بلد الرؤية في جزء من الليل فلا يقتضي التقييد به أيّ تفصيل في الالتزام بوحدة الآفاق، إلا أن يؤوّل ويراد به الاشتراك في جزء من الليل في لحظة تحقق الرؤية في ذلك البلد فلا ينطبق عندئذٍ إلا على نصف الكرة الأرضية، ولكن هذا وإن كان منسجماً مع العبارة المتقدمة عن تقرير بحثه الشريف إلا أنه لا ينسجم مع ما صرح به في موضع آخر من أن ليلة الرؤية هي ليلة واحدة بأربع وعشرين ساعة، ولا مع سائر كلماته الأخرى.

والحاصل: أن ما أفاده (قدس سره) ليس تفصيلاً في وحدة الآفاق بل هو وجهٌ في كيفية تطبيقها، بمعنى أن الشهر الجديد لا يدخل في جميع البلدان في وقت واحد ليلاً أو نهاراً، بل البلدان التي يكون زمان الرؤية في بلد الرؤية مقارناً للنهار فيها يدخل الشهر الجديد عندما يخيم الليل عليها لاحقاً لا قبل ذلك.

وكان ينبغي أن يعبر (قدس سره) لإفادة هذا المعنى بتعبير آخر، كأن يقول في تعليقة العروة هكذا: (لا يبعد الكفاية مطلقاً، ولكن ما لا يشترك في الليل مع بلد الرؤية في زمان حصولها يتأخر دخول أول الشهر فيه إلى حلول الليل).


صفحه 96

هذا ويجدر هنا بيان أمر مرّت الإشارة إليه من قبل، وهو أنه ليس مقتضى القول بوحدة الآفاق على إطلاقه ـ في مقابل التفصيل المتقدم ـ هو أن يكون ليل أول الشهر ونهاره موحدين في جميع بقاع الأرض ـ كما ورد في بعض كلمات السيد الأستاذ (قدس سره) ـ بل لا محيص من الالتزام بتعددهما على كل حال.

مثلاً: إذا بني على ما التزم به معظم القائلين بوحدة الآفاق ـ ومنهم السيد الأستاذ (قدس سره) ـ من أن المناطق الواقعة في نصف الكرة الأرضية في شرق بلد الرؤية ـ مما يكون الوقت فيها ليلاً في حين ظهور الهلال على الأفق في بلد الرؤية ـ يدخل الشهر الجديد فيها من ذلك الحين، وأما المناطق الواقعة في النصف الآخر من الكرة الأرضية في غرب بلد الرؤية ـ مما يكون الوقت فيها نهاراً في حين ظهور الهلال على الأفق في بلد الرؤية ـ فيدخل الشهر الجديد فيها من حين حلول الليل فيها لا في أثناء النهار، يكون مقتضى ذلك أنه إذا رئي الهلال في بغداد ـ مثلاً ـ يحكم بدخول الشهر الجديد في نصف الكرة الواقع في شرق بغداد، ومبدأ هذا النصف هو في بعض جزر تواموتو الواقعة في المحيط الهادي، لأنها تقع على خط الطول المقابل لخط الطول الذي تقع عليه بغداد، ففي تلك الجزيرة التي يكون الوقت فيها ـ عند رؤية الهلال في بغداد ـ آخر الليل يبدأ الشهر الجديد ويكون النهار اللاحق فيها هو نهار أول الشهر. وأما في شرقها الملاصق لها الذي حل فيه النهار قبل ذلك ولو بدقيقة واحدة فلا يحكم بحلول الشهر الجديد فيه، بل يكون ذلك النهار فيه من الشهر السابق، وإنما يحل الشهر الجديد عند انتهاء ذلك النهار وحلول الليل، فيكون النهار بعده هو نهار أول الشهر.

فيلاحظ أنه لا بد من التفريق بين مكانين متجاورين بالبناء على أن