فيه[1]: (إن خروج القمر من حالة المحاق والتمكن من رؤيته هو بداية شهر قمري جديد لجميع بقاع الأرض على اختلاف مشارقها ومغاربها لا لبقعة دون أخرى، وإن كان القمر مرئياً في بعضها دون الآخر وذلك لمانع خارجي كشعاع الشمس أو حيلولة بقاع الارض أو ما شاكل ذلك).
فإن قوله: (لمانع خارجي كشعاع الشمس) كالنص في الالتزام بدخول الشهر الجديد حتى في الأماكن التي يكون الوقت فيها نهاراً من حين رؤية الهلال في المكان الواقع في الشرق منها، إذ المانع عن رؤيته فيها مع عدم الاختلاف الفاحش بينها وبينه في خطوط العرض لا يكون سوى شعاع الشمس كما لا يخفى.
وأما الوجه الثاني فهو ظاهر سائر القائلين بوحدة الآفاق، أي أنهم لم يفصلوا في القول بها بين ما يكون الوقت فيه ليلاً عند رؤية الهلال في مكان ما وبين ما يكون الوقت فيه نهاراً آنذاك، بل قالوا بكفاية ذلك في دخول الشهر الجديد في الجميع ولكن فصلوا بين القسمين في وقت دخوله فيهما، ففي القسم الأول قالوا بأنه يدخل من حين تحقق الرؤية أو من أول حلول الليل، وفي القسم الثاني قالوا: إنه يتأخر قليلاً أو كثيراً إلى حين حلول الليل.
وهل أن مقصود السيد الأستاذ (قدس سره) بما ذكره لاحقاً من التقييد بالاشتراك في جزء من الليل هو تبني التفصيل المتقدم أو تبني الوجه الثاني المذكور في مقابل ما اختاره سابقاً من الوجه الأول؟
الظاهر ـ بل المطمأن به ـ أن مقصوده هو تبني الوجه الثاني وإن كانت عباراته غير واضحة في إفادة ذلك بل بعضها تناسب التفصيل المذكور.
[1]المسائل المنتخبة ص:330 ط: عام 1391 هـ.
والوجه فيه أنه لا يوجد مكان في شرق بلد الرؤية أو في غربه أو في شماله أو في جنوبه إلا وهو مشترك معه في جزء من الليل ولو في أوله أو في آخره[1]، فما معنى اشتراط الاشتراك في جزء من الليل في مقابل كفاية الرؤية في بلد لسائر البلدان الأخرى مطلقاً كما كان بانياً عليه من قبل؟
اللهم إلا أن يكون المقصود به هو التقييد بخصوص البلدان التي تقع في شرق بلد الرؤية التي يكون الوقت فيها ليلاً في زمان حصول الرؤية، فإنه عندئذٍ يلائم التفصيل المتقدم. ويناسبه ما مرّ نقله عنه في بيان ضابط الاشتراك في جزء من الليل من قوله: (المنطبق طبعاً على النصف من الكرة الأرضية دون النصف الآخر الذي تشرق عليه الشمس عندما تغرب عندنا ـ أي في بلد الرؤية ـ)، ولكن لا يناسبه قوله ـ المتقدم نقله أيضاً ـ: (مع اشتراكها في كون ليلة واحدة ليلة لهما معاً وإن كان أول ليلة لأحدهما وآخر ليلة للآخر) فإنه واضح الدلالة على عدم الفرق بين نصف الكرة الواقع في شرق بلد الرؤية ونصف الكرة الواقع في غربه في انطباق ضابط الاشتراك في جزء من الليل عليهما جميعاً.
وأوضح منه في الدلالة على التزامه (قدس سره) بدخول الشهر الجديد في ما يشترك مع بلد الرؤية في الليل سواء ما يقع في شرقه أو ما يقع في غربه ما ذكره[2]في الجواب عن الرسالة الأولى لبعض تلامذته في نقد مختاره من وحدة الآفاق حيث قال: (إن ليلة الرؤية ليلة واحدة بأربع وعشرين ساعة يتبعها نهار واحد بأربع وعشرين ساعة يعدن أول الشهر، ثم يتبعها ليال
[1]قد يقال: إنه توجد بعض المناطق التي لا تشترك ـ ولو في بعض فصول السنة ـ حتى في جزء من الليل، ولكن بالرغم من ذلك إذا رئي الهلال في ليل إحداها رئي في ليل الأخرى أيضاً إلا في النادر جداً من الموارد، فيستبعد تماماً أن يكون التقييد بالاشتراك في جزء من الليل بغرض الاحتراز عنه، فليتدبر.
[2]رؤيت هلال ج:2 ص:861.
وأيام كذلك حتى يتم ثلاثين أو تسعة وعشرين فيكمل شهر واحد).
فإنه كالنص في البناء على كفاية رؤية الهلال في مكان ما في دخول الشهر في الأماكن الواقعة في غربه التي يدخل الليل فيها بعد دخوله في بلد الرؤية ولكن ابتداءً من الليل الذي يحل فيها لاحقاً لا في أثناء النهار.
وبالجملة: إن ما ذكره (قدس سره) من تقييد وحدة الآفاق في بداية الأشهر القمرية بالاشتراك في جزء يسير من الليل لم يقصد به التفصيل في وحدة الآفاق بين ما يشترك في جزء من الليل مع بلد الرؤية وبين غيره وإن كان هذا هو ما يوهمه ظاهر التقييد المذكور، فإن كل البلدان تشترك مع بلد الرؤية في جزء من الليل فلا يقتضي التقييد به أيّ تفصيل في الالتزام بوحدة الآفاق، إلا أن يؤوّل ويراد به الاشتراك في جزء من الليل في لحظة تحقق الرؤية في ذلك البلد فلا ينطبق عندئذٍ إلا على نصف الكرة الأرضية، ولكن هذا وإن كان منسجماً مع العبارة المتقدمة عن تقرير بحثه الشريف إلا أنه لا ينسجم مع ما صرح به في موضع آخر من أن ليلة الرؤية هي ليلة واحدة بأربع وعشرين ساعة، ولا مع سائر كلماته الأخرى.
والحاصل: أن ما أفاده (قدس سره) ليس تفصيلاً في وحدة الآفاق بل هو وجهٌ في كيفية تطبيقها، بمعنى أن الشهر الجديد لا يدخل في جميع البلدان في وقت واحد ليلاً أو نهاراً، بل البلدان التي يكون زمان الرؤية في بلد الرؤية مقارناً للنهار فيها يدخل الشهر الجديد عندما يخيم الليل عليها لاحقاً لا قبل ذلك.
وكان ينبغي أن يعبر (قدس سره) لإفادة هذا المعنى بتعبير آخر، كأن يقول في تعليقة العروة هكذا: (لا يبعد الكفاية مطلقاً، ولكن ما لا يشترك في الليل مع بلد الرؤية في زمان حصولها يتأخر دخول أول الشهر فيه إلى حلول الليل).
هذا ويجدر هنا بيان أمر مرّت الإشارة إليه من قبل، وهو أنه ليس مقتضى القول بوحدة الآفاق على إطلاقه ـ في مقابل التفصيل المتقدم ـ هو أن يكون ليل أول الشهر ونهاره موحدين في جميع بقاع الأرض ـ كما ورد في بعض كلمات السيد الأستاذ (قدس سره) ـ بل لا محيص من الالتزام بتعددهما على كل حال.
مثلاً: إذا بني على ما التزم به معظم القائلين بوحدة الآفاق ـ ومنهم السيد الأستاذ (قدس سره) ـ من أن المناطق الواقعة في نصف الكرة الأرضية في شرق بلد الرؤية ـ مما يكون الوقت فيها ليلاً في حين ظهور الهلال على الأفق في بلد الرؤية ـ يدخل الشهر الجديد فيها من ذلك الحين، وأما المناطق الواقعة في النصف الآخر من الكرة الأرضية في غرب بلد الرؤية ـ مما يكون الوقت فيها نهاراً في حين ظهور الهلال على الأفق في بلد الرؤية ـ فيدخل الشهر الجديد فيها من حين حلول الليل فيها لا في أثناء النهار، يكون مقتضى ذلك أنه إذا رئي الهلال في بغداد ـ مثلاً ـ يحكم بدخول الشهر الجديد في نصف الكرة الواقع في شرق بغداد، ومبدأ هذا النصف هو في بعض جزر تواموتو الواقعة في المحيط الهادي، لأنها تقع على خط الطول المقابل لخط الطول الذي تقع عليه بغداد، ففي تلك الجزيرة التي يكون الوقت فيها ـ عند رؤية الهلال في بغداد ـ آخر الليل يبدأ الشهر الجديد ويكون النهار اللاحق فيها هو نهار أول الشهر. وأما في شرقها الملاصق لها الذي حل فيه النهار قبل ذلك ولو بدقيقة واحدة فلا يحكم بحلول الشهر الجديد فيه، بل يكون ذلك النهار فيه من الشهر السابق، وإنما يحل الشهر الجديد عند انتهاء ذلك النهار وحلول الليل، فيكون النهار بعده هو نهار أول الشهر.
فيلاحظ أنه لا بد من التفريق بين مكانين متجاورين بالبناء على أن
أول الشهر في أحدهما مغاير من حيث الليل والنهار مع أول الشهر في الآخر. وهذا وجه ما تقدم من أنه لا محيص من تعدد ليلة القدر ويوم العيد حتى بناءً على القول بوحدة الآفاق في بداية الأشهر القمرية.
وبذلك يظهر أيضاً أنه بناءً على القول بوحدة الآفاق فإن خط بدء الأشهر القمرية يختلف باختلاف الشهور، من حيث خطوط الطول واختلاف الأماكن في بدء الليل والنهار، كما أنه بناءً على القول بتعدد الآفاق مما يختلف باختلاف الشهور ولكن لا من حيث خطوط الطول واختلاف الأماكن في بدء الليل والنهار بل من حيث اختلافها في إمكانية الرؤية، كما يعلم ذلك بملاحظة الخرائط التي يعدّها الفلكيون لمواقع رؤية الهلال في كل شهر.
هذا في ما يتعلق بالكلام في المورد الأول، أي هل أن ما أفاده (قدس سره) يعدّ تفصيلاً منه في الالتزام بوحدة الآفاق في بداية الأشهر القمرية أو لا.
(المورد الثاني): هل أن ما أفاده (قدس سره) تام يمكن القبول به أو لا؟
والملاحظ أن الأمور المستحصلة من كلامه ثلاثة ..
الأمر الأول: أن الأماكن التي يكون الوقت فيها نهاراً حين رؤية الهلال بعد غروب الشمس في بغداد ـ مثلاً ـ لا يحكم بدخول الشهر الجديد فيها من ذلك الحين.
والظاهر أن هذا مما لا محيص من الالتزام به، لأنه لو حكم بكون النهار المذكور من الشهر الجديد فلا بد من الحكم بكون الليل السابق على هذا النهار من الشهر الجديد أيضاً، لأن الشهر القمري يدخل من الليل، والنهار يتبعه، كما هو من المسلمات وقد ورد التصريح به في خبر عمر بن يزيد[1]قال: قلت لأبي عبد الله7: إن المغيرية يزعمون أن هذا اليوم
[1]الكافي ج:8 ص:332.
لهذه الليلة المستقبلة؟! فقال:«كذبوا هذا اليوم لليلة الماضية، إن أهل بطن نخلة حيث رأوا الهلال قالوا: قد دخل الشهر الحرام».
وبالجملة: لا يمكن أن يكون النهار من شهر ولا يكون ليله السابق عليه من الشهر نفسه.
ولكن هذا مما لا يمكن البناء عليه في المقام لو عدّ ذلك النهار من الشهر الجديد ..
أولاً: من جهة أنه يقتضي دخول الشهر الجديد في تلك الأماكن من الليلة السابقة مع عدم كون الهلال آنذاك قابلاً للرؤية في أي من بقاع الأرض، والشهر القمري إنما يبدأ بظهور الهلال على الأفق في مكان ما قابلاً للرؤية، فكيف يحكم بأن الليلة السابقة تكون من الشهر الجديد في هذه الأماكن الغربية لمكان الرؤية مع أن في الليلة السابقة لم يكن الهلال عند الغروب قابلاً للرؤية في أي بقعة من بقاع الأرض؟!
وأما ما دل من النصوص ـ وقد تقدم بعضها ـ على أن الهلال إذا رئي قبل الزوال فهو لليلة السابقة فإن كان مرجعه إلى أنه برؤية الهلال قبل الزوال يعلم أنه قد مضى على خروج القمر من تحت الشعاع ساعات طويلة بحيث إنه كان ظاهراً في الأفق المحلي في الليلة الماضية وإن لم ير لبعض العوائق من غيم أو نحوه فهو لا يقتضي خلاف ما تقدم كما هو واضح. وإن كان مرجعه إلى أنه يحسب الهلال المرئي قبل الزوال لليلة السابقة وأنها كانت ليلة أول الشهر بالرغم من أنه لم يكن الهلال قابلاً للرؤية فيها، فهذا إن أمكن الالتزام به ـ وهو محل كلام في كتاب الصوم ـ فلا بد من الاقتصار على مورده، وكونه حكماً تعبدياً في مورد خاص، أي يحكم بدخول الشهر من الليل في المكان الذي يرى الهلال فيه قبل الزوال، ولا يمكن التعدي منه إلى ما نحن فيه، أي أن يحكم بدخول الشهر في مكان
من الليل برؤية الهلال في مكان آخر في الليل مع كون الوقت آنذاك قبل الزوال في المكان الأول، فإن هذا مما لا يمكن أن يستفاد من النصوص المشار إليها.
وبالجملة: إذا رئي الهلال بعد غروب الشمس من يوم الخميس في بغداد ـ أي في ليلة الجمعة ـ فلا يمكن البناء على دخول الشهر الجديد في الأندلس ـ مثلاً ـ في ذلك الوقت الذي يكون فيها نهار الخميس، ليقتضي الحكم بأن الليلة السابقة فيها ـ أي ليلة الخميس ـ كانت هي ليلة أول الشهر في حين يكون في بغداد ليلة أول الشهر هي ليلة الجمعة، أي تتقدم ليلة أول الشهر في الأندلس على ليلته في بغداد التي رئي الهلال فيها لأول مرة، فإن هذا واضح البطلان.
وثانياً: إن النصوص التي استدل بها القائلون بوحدة الآفاق كمعتبرة إسحاق بن عمار:«لا تصمه ـ أي يوم الشك ـ إلا أن تراه ـ يعني ترى الهلال في ليلته ـ فإن شهد أهل بلد آخر أنهم رأوه ـ أي في تلك الليلة ـ فاقضه»إنما تقتضي أن تكون ليلة الرؤية في البلد الآخر هي نفسها ليلة أول الشهر في بلد المكلف، فكيف يمكن الالتزام بكون ليلة الرؤية في بغداد هي ليلة الجمعة وتكون ليلة أول الشهر في الأندلس هي ليلة الخميس؟!
والحاصل: أن ما أفاده (رضوان الله عليه) ـ وهو ظاهر الآخرين من القائلين بوحدة الآفاق ـ من عدم دخول الشهر الجديد في الأماكن التي يكون الوقت فيها نهاراً حين رؤية الهلال في مكان آخر حلّ فيه الليل تام لا محيص من الالتزام به.
الأمر الثاني: أن الأماكن التي يكون الوقت فيها ليلاً حين رؤية الهلال بعد غروب الشمس في بغداد ـ مثلاً ـ يحكم بكون تلك الليلة فيها ليلة أول الشهر، وهي الأماكن التي تقع في شمال بغداد أو في جنوبه أو في
الشرق منه بمقدار نصف الكرة الأرضية.
ولكن مرّ في وجه التفصيل الأول أن البناء على هذا في ما يسبق ليله ليل بلد الرؤية يستلزم القول بتبعض الليلة الواحدة في مكان واحد بين شهرين، أو الالتزام بدخول الشهر الجديد من أول الغروب في تلك الأماكن مع عدم كون الهلال قابلاً للرؤية عندئذٍ في أي مكان في الأرض، وتقدم أن كلا الأمرين خلاف ما عليه المرتكزات العرفية، ولا يمكن إثبات ذلك بإطلاق النصوص.
نعم لو تمت دلالة معتبرة محمد بن عيسى الحاكية لمكاتبة أبي عمرو على القول بوحدة الآفاق يتم ما ذكر، لأن مورد المكاتبة ما إذا رئي الهلال في مصر أو أفريقيا أو الأندلس ليحكم من جهته بدخول الشهر الجديد في العراق، ولكن مرّ أن السيد الأستاذ (قدس سره) لم يستدل بهذه الرواية للقول المذكور، فلا يسعه البناء على ما ذكر من جهتها.
ويضاف إلى هذا أن مقتضى البناء على أنه إذا رئي الهلال في بغداد ـ مثلاً ـ يدخل الشهر الجديد في تمام الأماكن الواقعة في الشرق منه في نصف الكرة الأرضية ـ مما يكون الوقت فيها ليلاً ـ هو أنه إذا كان خط بدء الأيام ـ وهو مما لا بد منه كما سيأتي لاحقاً توضيح الوجه فيه ـ يمرّ في ذلك النصف من الكرة الأرضية يتعين الالتزام بكون اليوم الأول في شرق ذلك الخط هو يوم الجمعة مثلاً وفي غربه هو يوم السبت. وهذا مما لا محذور فيه في حدّ ذاته إلا أنه يمكن أن يقال: إنه مما لا يمكن استفادته من النصوص التي استدل بها للقول بوحدة الآفاق، فإن صحاح هشام بن الحكم وعبد الرحمن بن أبي عبد الله وأبي بصير وغيرها لا يستفاد منها كفاية الرؤية في ليلة بلد آخر لدخول الشهر في بلد المكلف إلا مع اتحاد الليلين بلحاظ أيام الأسبوع. وأما إطلاقها لما إذا كان مع الاختلاف في ذلك ولو من جهة