من الليل برؤية الهلال في مكان آخر في الليل مع كون الوقت آنذاك قبل الزوال في المكان الأول، فإن هذا مما لا يمكن أن يستفاد من النصوص المشار إليها.
وبالجملة: إذا رئي الهلال بعد غروب الشمس من يوم الخميس في بغداد ـ أي في ليلة الجمعة ـ فلا يمكن البناء على دخول الشهر الجديد في الأندلس ـ مثلاً ـ في ذلك الوقت الذي يكون فيها نهار الخميس، ليقتضي الحكم بأن الليلة السابقة فيها ـ أي ليلة الخميس ـ كانت هي ليلة أول الشهر في حين يكون في بغداد ليلة أول الشهر هي ليلة الجمعة، أي تتقدم ليلة أول الشهر في الأندلس على ليلته في بغداد التي رئي الهلال فيها لأول مرة، فإن هذا واضح البطلان.
وثانياً: إن النصوص التي استدل بها القائلون بوحدة الآفاق كمعتبرة إسحاق بن عمار:«لا تصمه ـ أي يوم الشك ـ إلا أن تراه ـ يعني ترى الهلال في ليلته ـ فإن شهد أهل بلد آخر أنهم رأوه ـ أي في تلك الليلة ـ فاقضه»إنما تقتضي أن تكون ليلة الرؤية في البلد الآخر هي نفسها ليلة أول الشهر في بلد المكلف، فكيف يمكن الالتزام بكون ليلة الرؤية في بغداد هي ليلة الجمعة وتكون ليلة أول الشهر في الأندلس هي ليلة الخميس؟!
والحاصل: أن ما أفاده (رضوان الله عليه) ـ وهو ظاهر الآخرين من القائلين بوحدة الآفاق ـ من عدم دخول الشهر الجديد في الأماكن التي يكون الوقت فيها نهاراً حين رؤية الهلال في مكان آخر حلّ فيه الليل تام لا محيص من الالتزام به.
الأمر الثاني: أن الأماكن التي يكون الوقت فيها ليلاً حين رؤية الهلال بعد غروب الشمس في بغداد ـ مثلاً ـ يحكم بكون تلك الليلة فيها ليلة أول الشهر، وهي الأماكن التي تقع في شمال بغداد أو في جنوبه أو في
الشرق منه بمقدار نصف الكرة الأرضية.
ولكن مرّ في وجه التفصيل الأول أن البناء على هذا في ما يسبق ليله ليل بلد الرؤية يستلزم القول بتبعض الليلة الواحدة في مكان واحد بين شهرين، أو الالتزام بدخول الشهر الجديد من أول الغروب في تلك الأماكن مع عدم كون الهلال قابلاً للرؤية عندئذٍ في أي مكان في الأرض، وتقدم أن كلا الأمرين خلاف ما عليه المرتكزات العرفية، ولا يمكن إثبات ذلك بإطلاق النصوص.
نعم لو تمت دلالة معتبرة محمد بن عيسى الحاكية لمكاتبة أبي عمرو على القول بوحدة الآفاق يتم ما ذكر، لأن مورد المكاتبة ما إذا رئي الهلال في مصر أو أفريقيا أو الأندلس ليحكم من جهته بدخول الشهر الجديد في العراق، ولكن مرّ أن السيد الأستاذ (قدس سره) لم يستدل بهذه الرواية للقول المذكور، فلا يسعه البناء على ما ذكر من جهتها.
ويضاف إلى هذا أن مقتضى البناء على أنه إذا رئي الهلال في بغداد ـ مثلاً ـ يدخل الشهر الجديد في تمام الأماكن الواقعة في الشرق منه في نصف الكرة الأرضية ـ مما يكون الوقت فيها ليلاً ـ هو أنه إذا كان خط بدء الأيام ـ وهو مما لا بد منه كما سيأتي لاحقاً توضيح الوجه فيه ـ يمرّ في ذلك النصف من الكرة الأرضية يتعين الالتزام بكون اليوم الأول في شرق ذلك الخط هو يوم الجمعة مثلاً وفي غربه هو يوم السبت. وهذا مما لا محذور فيه في حدّ ذاته إلا أنه يمكن أن يقال: إنه مما لا يمكن استفادته من النصوص التي استدل بها للقول بوحدة الآفاق، فإن صحاح هشام بن الحكم وعبد الرحمن بن أبي عبد الله وأبي بصير وغيرها لا يستفاد منها كفاية الرؤية في ليلة بلد آخر لدخول الشهر في بلد المكلف إلا مع اتحاد الليلين بلحاظ أيام الأسبوع. وأما إطلاقها لما إذا كان مع الاختلاف في ذلك ولو من جهة
وقوع أحد البلدين قبل بدء خط الأيام والآخر بعده فهو غير تام على ما سيأتي بيانه.
وأما معتبرة محمد بن عيسى فهي بناءً على دلالتها على اتحاد الآفاق لا تشمل محل البحث، لأن موردها أن يرى الهلال في مصر أو الأندلس أو أفريقيا ليحكم بدخول الشهر الجديد في العراق، ومن المعلوم أنه لا اختلاف بين العراق وبين المناطق المذكورة في أيام الأسبوع، كما يستفاد من المعتبرة نفسها لمكان قوله: (يرى في تلك الليلة بعينها في مصر ..)، مضافاً إلى أن خط بدء الأيام لا يمر على اليابسة كما سيأتي التعرض لذلك.
وتجدر الإشارة إلى أن نظير ما ذكر يلزم على القول بتعدد الآفاق عندما يمرّ خط بدء الأيام في بعض الشهور في المساحة التي يرى الهلال فيها لأول مرة، مما يستلزم أن يكون أول الشهر في بلد في يوم الجمعة ـ مثلاً ـ وفي بلد آخر يوم السبت، ولكنه مما لا مانع من الالتزام به، لأن البناء على حلول أول الشهر في يوم الجمعة ـ مثلاً ـ في شرق ذلك الخط ويوم السبت في غربه إنما يستند إلى رؤية الهلال في هذا المكان وعدم رؤيته في ذلك المكان، ولا يستند إلى إطلاق النصوص ليمنع من شمولها لمثل ذلك.
الأمر الثالث: أن الأماكن التي يكون الوقت فيها نهاراً حين رؤية الهلال بعد غروب الشمس في بغداد ـ مثلاً ـ وهي التي تقع في الغرب منه بمقدار نصف الكرة الأرضية، يدخل الشهر الجديد فيها عند حلول الليل فيها، أي أنه يبدأ الشهر الجديد في بقية آسيا وفي أفريقيا وأوربا وأمريكا عند حلول الليل فيها بعد مدة قصيرة أو طويلة من حلوله في بغداد.
وهذا الأمر صحيح بناءً على استفادة وحدة الآفاق من إطلاق النصوص المتقدمة.
ولكن يبقى هنا شيء، وهو أنه إذا فرض مرور خط بدء الأيام في هذا النصف من الكرة الأرضية ـ وهو ما يأتي الكلام حوله لاحقاً ـ وبالتالي تقدم ليلة الرؤية في بغداد على ليلة بعض تلك البلدان مما يقع بعد خط بدء الأيام، كما إذا كانت في بغداد ليلة الجمعة وبعد خط البدء ليلة السبت، فإنه يجري فيه الإشكال المتقدم آنفاً في الحكم بدخول الشهر الجديد في ما يتقدم ليله على ليل بلد الرؤية بحسب أيام الأسبوع.
إن قلت: إن بين الموردين فرقاً، لأن العرف لا يرى غرابة في الحكم بدخول الشهر في ليلة السبت ـ مثلاً ـ في مكان لرؤية الهلال في ليلة الجمعة السابقة عليها في مكان آخر واقع في الشرق منه، بخلاف الحكم بدخول الشهر في ليلة الجمعة في مكان لرؤية الهلال في ليلة السبت بعدها في مكان آخر في الغرب منه، فإنه غريب على الأذهان العرفية.
قلت: نعم، ولكن الفرق المذكور غير فارق في ما نحن بصدده، فإنه بعد البناء على أنه ليس مقصود الإمام7بليل الرؤية في المكان الآخر المتحد مع ليل بلد المكلف هو سواد الليل المتصل بسواده بل الليل الواحد فيهما بحسب أيام الأسبوع لا ينعقد لكلامه7إطلاق يمكن التمسك به في الحكم بدخول الشهر في بلد المكلف برؤية الهلال في مكان آخر يتقدم ليله على ليل بلده بحسب أيام الأسبوع، فليتأمل.
هذا كله فيما إذا رئي هلال الشهر الجديد بعد غروب الشمس، وأما إذا رئي قبل غروبها بساعة أو أقل أو أزيد ـ كما يحصل هذا في بعض مناطق شمال أوربا ـ فمقتضى إطلاق ما تقدم من السيد الأستاذ (قدس سره) من اشتراط الاشتراك مع بلد الرؤية في جزء من الليل للحكم بدخول الشهر الجديد في البلد الآخر هو أن لا يدخل الشهر الجديد في البلدان التي تقع في شرق بلد الرؤية مما يكون الوقت فيها ليلاً عندئذٍ ولكن لا تشترك مع
بلد الرؤية في جزء من الليل، لحلول النهار فيها قبل حلول الغروب في بلد الرؤية.
ولكن يمكن أن يقال: إن الوجه في اشتراط الاشتراك في جزء من الليل في وحدة الآفاق لم يكن سوى أنه لولا ذلك يلزم البناء على دخول الشهر الجديد في أثناء النهار في ما يكون الوقت فيه نهاراً عند رؤية الهلال في البلد الآخر، ولازمه كون الليل السابق على ذلك النهار من الشهر الجديد أيضاً، وهو مقطوع البطلان.
ولكن هذا المحذور لا يلزم في مفروض الكلام، إذ المفروض حلول الليل في ذلك البلد عند رؤية الهلال قبل غروب الشمس في البلد الآخر، فلا يلزم من البناء على دخول الشهر الجديد فيه عندئذٍ دخوله في أثناء النهار، بالرغم من عدم اشتراك البلدين في جزء من الليل، فليتدبر.
(التفصيل الثالث): ما ذكره بعض الأعلام[1]في منهاجه قائلاً: إن (وجود الهلال في بلد يوجب دخول الشهر فيه وفي جميع البلدان الغربية بالإضافة إليه، بل وكذا في البلاد الشرقية بالإضافة إليه إذا كان البلد الذي ظهر فيه الهلال من بلدان العالم القديم ـ وهو القارات الثلاث آسيا وأفريقيا وأوربا ـ دون بلاد الأمريكيتين، فإن ظهور الهلال فيها لا يوجب ثبوت الشهر في البلاد الشرقية بالإضافة إليها).
وقد أوضح في مصباحه[2]وجه التفصيل المذكور بالنسبة إلى البلاد الشرقية قائلاً: إنه لما (كان الظاهر اتحاد حكم البلاد مع اختلاف آفاقها تبعاً للنصوص المذكورة فالمتعين الاقتصار على رقعة الأرض المكتشفة حين صدور تلك النصوص، وهي التي تبدأ بالشرق الأقصى من بلاد الصين
[1]منهاج الصالحين ج:1 ص:346ـ347.
[2]مصباح المنهاج (كتاب الصوم) ص:342.
وما حاذاها مما يقارب بعض أمصار المسلمين، وتنتهي غرباً بالمحيط الأطلسي المحاذي لبعض أمصار المسلمين حينئذٍ في قرب أفريقية والأندلس. وأما ما اكتشف بعد ذلك من بلاد أمريكا ونيوزلندا فهو خارج عن مفاد النصوص المتقدمة.
وأما إلحاق أمريكا في تاريخ اليوم بشرق المحيط الأطلسي حتى صارت أقصى غرب الأرض وعدم بدء تاريخ اليوم بها ليكون أقصى شرقها فهو محض اصطلاح عالمي متأخر عن اكتشاف البلاد المذكورة، لا مجال لاستفادة إمضائه من نصوص المقام، بل مقتضى القاعدة المتقدمة عدم إلحاق بلاد شرق المحيط الأطلسي به لو بدأ ظهور الهلال في المحيط المذكور فما دونه).
أقول: أما ما ذكره في أول عبارته في المنهاج من أن وجود الهلال في بلد يوجب دخول الشهر فيه وفي جميع البلدان الغربية بالإضافة إليه من غير تفصيل بين بلدان القارات الثلاث والأمريكيتين فالظاهر أنه ليس مبنياً على القول بوحدة الآفاق بل مبني على الاعتقاد السائد سابقاً المذكور في كلمات غير واحد ـ منهم الشهيد الأول (قدس سره)[1]ـ من أن الهلال إذا رئي في مكان أمكن رؤيته لولا المانع في الأماكن الواقعة في غربه بالأولوية القطعية، وقد علله بعضهم بأن القمر لا يرجع ولا يتوقف.
ولكن قد ظهر لاحقاً أن هذا الكلام لا يتم على إطلاقه، وإنما يتم في خصوص ما إذا كان المكانان متقاربين في خطوط العرض بأن لم يكن الاختلاف بينهما إلا بدرجة أو درجتين أو نحوها حسب اختلاف الحالات، وذلك لأن الهلال إنما يزداد حجماً بازدياد عمره كلما اتجه غرباً، ولكن هذا لا يقتضي كونه قابلاً للرؤية في جميع البلدان الواقعة في
[1]الدروس الشرعية في فقه الإمامية ج:1 ص:285.
غرب مكان الرؤية، إذ لدرجة ارتفاع الهلال عن الأفق دخل تام في إمكانية الرؤية وعدمها، فقد يكون الهلال في استراليا بعمر عشرين ساعة في ارتفاع ثمان درجات فيكون قابلاً للرؤية، ولا يكون قابلاً لها وهو بعمر ثلاثين ساعة في شمال أوربا لكونه في ارتفاع درجتين فقط، ومع اختلاف الأمكنة في خطوط العرض بمقدار معتد به تختلف درجة ارتفاع الهلال عند غروب الشمس فيها، فلا يمكن استكشاف كون الهلال قابلاً للرؤية في شمال أوربا ـ مثلاً ـ إذا تمت رؤيته في ما يسمى بالشرق الأوسط، أو استكشاف كونه قابلاً للرؤية في الشرق الأوسط إذا تمت رؤيته في نيوزلندا، وهكذا في أمثال ذلك.
وأما ما ذكره في صدر عبارته في المصباح في وجه التفصيل في البلاد الواقعة في شرق بلد الرؤية بين كون هذا البلد من بلدان العالم القديم وغيره من أنه لما كان المستند للحكم باتحاد الآفاق هو النصوص المتقدمة فلا بد من الاقتصار على رقعة الأرض المكتشفة حين صدور تلك النصوص فهو لا يخلو من غرابة ..
لأنه إن كان مبنياً على أن وجود القدر المتيقن في مقام التخاطب يمنع من انعقاد الإطلاق ـ كما ذهب إليه صاحب الكفاية (قدس سره) ـ فهو مما فرغ المحققون عن عدم تماميته فيما إذا كان المتكلم في مقام التعليم ـ لا الإفتاء ـ كما هو الحال في نصوص المقام، وهذا موضح في الأصول.
وإن كان مبنياً على دعوى انصراف لفظ (المصر) و(البلد) ونحوهما مما ورد في نصوص المسألة إلى الأمصار والبلدان التي كانت موجودة في ذلك العصر فمن الواضح عدم تمامية هذه الدعوى. مع أن الانصراف لو تم فهو بدوي لا يعتد به ولا أظن أن يلتزم بمثله في سائر الموارد التي أخذ فيها عنوان المصر والبلد في موضوع حكم شرعي في لسان الأدلة.
مضافاً إلى أن استراليا لم تكن مكتشفة في ذلك العصر وإنما تم اكتشافها في القرن السادس عشر الميلادي، فالتفريق بينها وبين نيوزلندا بعدّ الأخيرة من العالم الجديد وعدّ الأولى من العالم القديم ـ كما يلوح من عبارة المصباح من جهة حصر ما اكتشف لاحقاً ببلاد أمريكا ونيوزلندا ـ مما لا يظهر له أي وجه.
وأما ما يقوله بعض علماء الجيولوجيا من أن استراليا كانت ملتصقة بآسيا قبل ملايين السنين ثم انفصلت عنها فمن الواضح أنه ـ لو صح ـ لا يؤثر شيئاً في ما نحن بصدده، وقد قالوا بمثله في الأمريكيتين من أنهما كانتا ملتصقتين بأروبا وأفريقيا.
وبالجملة: الاستدلال للزوم الاقتصار في اتحاد الآفاق على بلدان العالم القديم من جهة أنها كانت مكتشفة في عصر صدور النصوص ضعيف جداً ولا يمكن المساعدة عليه بوجه.
وهنا وجه آخر لتقريب المدعى المذكور ربما يشير إليه ذيل عبارة المصباح، وهو أن نصوص المسألة إنما تدل على كفاية رؤية الهلال في بلد آخر للحكم بدخول الشهر الجديد في بلد المكلف فيما إذا اتحد ليل الرؤية في ذلك البلد مع ليل الشك في بلد المكلف لا مطلقاً، أي أنه إذا لم ير الهلال في بلد المكلف في ليلة الشك من شعبان وهي ليلة الجمعة ـ مثلاً ـ وثبت أنه رئي في ليلة الجمعة نفسها في بلد آخر يكتفى بذلك في الحكم بدخول شهر رمضان في بلد المكلف في تلك الليلة، وأما مع الاختلاف في الليلة كأن ثبت أنه رئي في ليلة السبت في البلد الآخر فلا يكفي للحكم بدخول الهلال في بلد المكلف في ليلة الجمعة.
وبعبارة أخرى: إن المستفاد من النصوص المتقدمة أنه لا بد أن يرى الهلال في البلد الآخر في ليلة الشك في بلد المكلف، ولا يحتمل أن يكون