بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 11

2- هل النظام الذي يسود العالم دليل على خلقه؟

سؤال:

إنّ انصع دليل يستدلون به على إثبات الصانع هو دليل النظم، والنتيجة التي ينبغي استنباطها من هذا الدليل أنّ لهذا العالم منظماً ومدبّراً لتصرفنا وتنظيمنا لأشياء هذا العالم؛ ولكن لا يمكن استنتاج خالق وصانع لوجودات هذا العالم؟

الجواب:

الواقع أنّ أفضل دليل على وجود اللَّه كما ذكر هو برهان النظم، ذلك أنّ النظام والدقّة تطالعنا في كل جزء من المخلوقات؛ وهذا يدل على أنّ كل مخلوق إنّما صدر من مبدى‌ء قدير وعليم.

وأمّا هل مدبّر مخلوقات هذا العالم ومنظمها خلقها من العدم، فذلك مبحث آخر ثبت في محلّه باب معرفة اللَّه من خلال عدم أزلية المادة؛ ذلك لأنّه حين ثبت عدم أزلية المادة، كان من الضروري أن يكون لها خالق ومدبّر أوجدها من العدم. وخلاصة القول إنّ برهان النظم يقتصر على إثبات حاكمية اللَّه تعالى على عالم الخليقة؛ وأمّا إيجاد المخلوقات من العدم فإنّما يثبت بدليل عدم أزلية المادة.


صفحه 12

وقد أثبت الفلاسفة حدوث المادة بواسطة الأدلة الفلسفية، حيث أصبح حدوث المادة من المسائل الواضحة للعلوم الطبيعية بعد اكتشاف القانون الثاني للثرموداينمك والأنثروبية (اضمحلال العالم وانخفاض الحرارة وأنّ جميع الأجسام تسير من الحرارة إلى‌ البرودة).

وإليك بحث مقتضب بهذا الشأن:

إنّ أول من اكتشف حدوث المادة والطاقة عن طريق العلوم الطبيعية وبرهن على حدوث عالم الخليقة هو «اسحاق نيوتن». حيث استنتج من مطالعاته ودراساته: أنّ العالم يسير من النظم والترتيب إلى‌ العشوائية والانحلال، وسيأتي اليوم الذي تتساوى فيه حرارة جميع الأجسام، ومن هنا توصل إلى‌نتيجة مؤداها أنّ لهذا العالم بداية. ثم اعتقد بعد مطالعته للحرارة أنّ مقداراً من الطاقة في جميع التغييرات التي تطرأ على الحرارة يتحول إلى‌ طاقة ضائعة دون أن تتحول هذه الطاقة الضائعة إلى‌ طاقة يمكن الاستفادة منها (القانون الثاني للثرموداينمك).

وأدرك «بولتزمن» العالم الرياضي المشهور أنّ القانون الثاني للحرارة والحركة حالة خاصة لقاعدّة كلية أنّ التحول في الحرارة في كافّة الحركات يتضمن تبدل الطاقة وتبعثر نظام الذرات واضمحلال الخليقة.

توضيح ذلك:وفقاً لقانون الثرموداينمك الثاني؛ أي قانون الحرارة الذي يصطلح عليه بالأنثروبي فإنّ حرارة الأجسام الحارة تسري إلى‌ الأجسام الباردة، ولا يمكن حدوث العكس تلقائيا. والحقيقة فإنّ الأنثروبي هو نسبة القوّة غير القابلة للاستفادة إلى‌ القابلة للاستفادة، ومن المسلم به علمياً أنّ الأنثروبي آخذ بالأزدياد، ولو كان العالم أزلياً وليس له بداية لتساوت حرارة جميع الأجسام قبل مدّة مديدة ولما بقيت قوّة قابلة للاستفادة وبالنتيجة لما حدث أي تفاعل كيميائي ولانعدمت الحياة على الأرض، لكننا نشاهد استمرار التفاعلات الكيميائية وتجدد مظاهر الحياة على الأرض.

والخلاصة:أنّ العالم يتجه إلى‌ حالة تبلغ فيها الأجسام جميعاً درجة متشابهة من التسافل وانعدام الطاقة الاستهلاكية واستمالة الحياة، ولو لم تكن للعالم بداية وكان موجوداً


صفحه 13

منذ الأزل، لإنطفأت جذوة المنظومة الشمسية منذ مدّة بعيدة، ولاضمحلت طاقة الشمس وجميع كائنات المنظومة الشمسية- بما فيها الأرض وسكانها- ولانعدم وجود أي عنصر مشع.


صفحه 14

این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة


صفحه 15

3- كيف السبيل إلى‌ الاعتقاد بنظم العالم اللامحدود بهذا العلم المحدود؟

سؤال:

إنّكم تقولون في الردّ على مزاعم الماديين بشأن عدم انتظام عالم الخلقة: «إنّما يسع الإنسان أن يحكم بعدم انتظام بعض حوادث العالم إن وقف على جميع أسرار الخلق، والحال أنّ معلومات البشرية واكتشافاتها بحكم الصفر إزاء المجهولات». ولعل الطرف المقابل يحتج عليكم بنفس الجواب بشأن إثبات نظام العالم بالاستناد إلى‌ المعلومات الحاضرة فيقول: إنّكم إنّما تستطيعون إثبات نظام العالم حين تقفون على جميع أسرار الخلق؛ فكيف تحكمون بحكمة وانتظام هذا العالم اللامحدود بهذا العلم المحدود.

الجواب:

إننا لا نزعم قط أنّ البشرية كشفت بهذا العلم المتطور أسرار العالم كافّة وسبرت أغوار جميع خفاياه، بل مازال العلماء يؤكدون أنّ معلومات الإنسان كلما إزدادت تضاعفت مجهولاته بنفس تلك الزيادة، وإننا نبغي إثبات: أنّ لهذا العالم (حسبما اكتشفه العلم وأماط عنه اللثام) نظاماً حكيماً ومذهلًا للعقول والألباب؛ غير أننا لا ننوي الخوض فيما ليس لنا به‌


صفحه 16

علم. وكل ما نقوله إنّ الدائرة التي أضاء جوانبها العلم مفعمة بالنظم والدقّة، وبالطبع رغم صغر حجم هذه الدائرة إزاء مجموع أسرار عالم الخلقة، إلّاأنّها غاية في السعة بالنسبة لنا.

وهذا يكفي في إثبات وجود الخالق العليم والحكيم؛ ذلك لأنّه لايمكن نسب واحد بالمليار من النظم الذي كشف عنه العلم إلى‌ الصدفة والطبيعة العمياء؛ بل يمكن اعتباره نموذجاً لدقّة عالم الوجود. ولتقريب المطلب دعنا نستعين بهذا المثال: أفرض إننا ظفرنا بكتاب ضخم للغاية يعود إلى‌ الأزمنة الماضية، واستطعنا بعد جهد جهيد ومساعٍ متواصلة وبالاستفادة من مطالعة مئات الكتب أن ننجح في إدراك بعض صفحاته، وقد اختزنت هذه الصفحات عالم من الأسرار والحقائق، بل كان كل سطر فيه يثير العديد من المطالب العميقة والقيمة يكشف عن عقلية مقتدرة وفذة، فرغم عدم وقوفنا على صحة أو سقم مطالب سائر صفحات الكتاب، إلّاأننا نستطيع أن نحكم من خلال هذه الصفحات على أنّ مؤلف هذا الكتاب نابغة وعبقري فذ، بل نستطيع أن نفهم إجمالًا من هذه الصفحات أنّ ما تبقى منها تفيض بآلاف الأسرار والخفايا العلمية التي لم نؤهل لحد الآن لإدراكها.


صفحه 17

4- هل يمكن إدراك الذات المطلقة؟

سؤال:

هل ذات اللَّه متناهية أم لا؟ وبغض النظر عن ذلك هل عقلنا وفكرنا متناه في وظائفه أم لا؟ وهل يسع المتناهي إدراك اللامتناهي؟

الجواب:

للاجابة عن هذا السؤال وأشباهه نلفت انتباه القراء الأعزاء إلى‌ ما يلي:

ثبت في مباحث معرفة اللَّه وصفاته أنّ اللَّه وجود لا متناهٍ من جميع الجهات؛ لا متناهٍ من حيث الوجود ولا متناهٍ من حيث العلم والقدرة ولا متناهٍ من حيث الزمان والمكان، فلا يخلو منه مكان، ولا ينعدم في زمان، وليس هنالك من شي‌ء لا يعلمه اللَّه ولا فعل يعجزه.

وبناءً على هذا فاللَّه وجود مطلق ولا متناهٍ من جميع الجهات وهذا أصل أساسي في الأبحاث كافّة المتعلقة بصفات اللَّه وبالاستناد إلى‌ هذا الأصل يثبت العلماء صفات اللَّه.

وباستثناء الذات المقدّسة فإنّ كل شي‌ء سواها محدود؛ محدود من حيث الزمان والمكان وسائر الجهات.

ومن البديهي أنّ الوجود المحدود يعجز عن إدراك الوجود اللامحدود كما هو؛ ومن هنا


صفحه 18

نقول: يستحيل على البشرية إدراك الذات الإلهيّة المقدسة؛ وكل ما لدينا بشأن هذا الوجود معلومات إجمالية، نعلم بهذا الوجود، ونعلم أنّ له علماً وقدرة، وينطوي على صفات الكمال كافّة، لكننا نجهل خصائص وجوده وعلمه وقدرته؛ أي كنه ذاته وصفاته.

وليس كنه ذاته وصفاته مجهولًا لدينا، بل مجهولة لدينا حقيقة أغلب موجودات هذا العالم المحيطة بنا، فالبشرية لم تقف لحد الآن على حقيقة «الحياة». وإننا لا نحسن معرفة الأشياء إلّامن خلال آثارها في حين نجهل هويتها الواقعية والحقيقية، ولعلنا لا نعيش حتى هاجس التعرف على حقيقة الأشياء كافّة بفعل ما نتمتع به من محدودية ووسائل وأدوات قاصرة. فأفكارنا بمثابة ملعقة إزاء الذات الإلهيّة المقدّسة التي تمثل محيطا متلاطماً، من حيث التصور أن يدرك الوجود الذي يحيط به من جميع الجهات. وهل يسع الجنين (لو كان له عقل) أن يرسم صورة صحيحة لأُمّه ويتصور شكلها وسائر خصائصها؟ قطعاً لا؛ وذلك لأنّه محاط والأُم محيطة به، رغم محدوديتهما معاً؛ فما ظنك بالإنسان المحاط بالنسبة لإدراك الذات المقدّسة اللامتناهية المحيطة به؟!