این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
10- هل هنالك من منافاة بين العصمة والاستغفار؟
سؤال:
رغم أننا نعلم بأنّ الأنبياء والأئمّة عليهم السلام معصومون من الذنب ولا يصدر منهم أي خلاف، مع ذلك ورد في بعض الأدعية عنهم أنّهم يعترفون بذنوبهم ويسألون اللَّه العفو عنهم.
ففي دعاء كميل مثلًا يتضرع علي عليه السلام إلى اللَّه بهذا الدعاء:«اللَّهُمَّ اغفر لِي الذّنوبَ الّتي تَهتِكُ العِصَمَ ... اللَّهُمُّ اغفِر لِي كُلَّ ذَنْبٍ أَذْنَبْتُهُ وَكُلَّ خَطِيئَةٍ أَخْطأتُها!».فهل مرادهم من هذه الأدعية الأمّة لتتعرف على أدب مناجاة اللَّه وكيفية طلب المغفرة بهذه العبارات، أم أنّ هنالك حقيقة معينة في تلك العبارات؟
الجواب:
لقد إلتفت العلماء الأعلام إلى هذا الإشكال منذ قديم الزمان فذكروا عدّة أجوبة لعلها تتفق جميعا على حقيقة واحدة، وهي أنّ للذنوب والمعاصي بُعد «نسبي» في مثل هذه الموارد، فهي ليست من قبيل الذنوب المطلقة والعادية.
توضيح ذلك:هنالك توقعات مختلفة في جميع القضايا الاجتماعية والأخلاقية والعلمية والتربوية والدينية. وسنكتفي هنا بذكر مثال واحد من بين مئات الأمثلة لتوضيح
الموضوع: لو تطوع عدد من الأفراد لمشروع خيري كبناء مستشفى مثلًا للفقراء، فالعامل الذي له دخل محدود ومع ذلك يتبرع بمبلغ ما لهذا المشروع فإنّه يحظى بتقدير الآخرين، ولكن لو تبرع بهذا المبلغ رجل ثري، فهو ليس فقط لا يستحق التقدير فحسب، بل ينقم عليه الجميع ويذمونه؛ أي أنّ التبّرع الذي يمدح عليه شخص، يذم عليه شخص آخر! مع أنّ هذا المذموم لم يرتكب أي جرم من الناحية القانونية. وفلسفة هذا الموضوع كما أشرنا سابقاً:
أنّ ما يتوقع من كل فرد يتوقف على إمكاناته من قبيل العقل والعلم والإيمان وبالتالي إمكانيته وقدرته.
فلربّما كان القيام بعمل من فرد يمثل عين الأدب والخدمة والحب والعبادة، لكنّه يمثل في نفس الوقت من شخص آخر عين إساءة الأدب والخيانة وخلاف المحبّة والتقصير في العبادة والطاعة! والآن على ضوء هذه الحقيقة، نأخذ بنظر الاعتبار الأنبياء والأئمّة عليهم السلام ونقيم أعمالهم على أساس تلك المنزلة العظيمة: فهؤلاء مرتبطون مباشرة بمبدأ عالم الوجود وقلوبهم تنبض بعلمه المطلق اللامتناهي، وهنالك العديد من الحقائق الواضحة لهم والخافية على غيرهم، فهم قد بلغوا ذروة العلم والإيمان والتقوى، وزبدة الكلام فهم يعيشون حالة من القرب الإلهي بحيث لا يغفلون عن معبودهم طرفة عين. وبناءً على هذا فما كان مباحاً أو مكروها على غيرهم يبدو محرّماً عليهم! والذنوب التي تنسب إليهم من خلال بعض الآيات والروايات والأدعية ووقوفهم لطلب العفو والمغفرة من هذا القبيل؛ أي أنّ مقامهم المعنوي وعلمهم وإيمانهم على درجة من الرفعة بحيث إنّ أدنى غفلة في أبسط عمل إنّما تعدّ معصية، ولعلنا نقف على هذه الحقيقة من الخير المعروف«حسنات الأبرار سيئات المقربين»[1].
وقد أورد الفيلسوف الجليل المرحوم الخواجة نصير الدين الطوسي جواباً للإشكال المذكور وهو: «أنّ الإنسان إن ارتكب حراماً أو ترك واجباً، ولابدّ أن يتوب وينزع عن معصيته، وهذا القسم من الذنوب لعامة الأفراد. ولكن إن ترك أمراً مستحباً وأتى بفعل
[1]الزعماء العظام، ص 232- 238.
مكروه فهذا من الذنوب أيضاً ولابدّ من الأستغفار، وهذا الذنب والأستغفار بالنسبة للأفراد المعصومين من القسم الأول من الذنوب. والذنوب التي نسبها القرآن والروايات لبعض الأنبياء عليهم السلام كآدم وموسى ويونس و ... من هذا القبيل، وليست من الطائفة الأولى، ولو إلتفت فرد لغير اللَّه واشتغل بأمور الدنيا وغفل عن التوجه إلى اللَّه فإنّ أهل المعرفة يعتبرون ذلك نوعاً من الذنوب، ولابد من التوبة منها وسؤال اللَّه المغفرة. ومن هذا القبيل أيضاً ذنوب نبيّنا وأئمتنا والتي يقرون بها في أدعيتهم ويستغفرون اللَّه منها، وهي ليست من النوع الأول والثاني من الذنوب»[1].
ونرى من الضروري لإكمال الجواب أن نتعرض هنا إلى الموضوع الذي ساقه أحد أعلام الشيعة المرحوم «علي بن عيسى الأربلي» في الجزء الثالث من كتابه النفيس«كشف الغمة في معرفة الأئمّة»ضمن بيانه لسيرة موسى بن جعفر عليهما السلام فقال:
«كان للإمام الكاظم عليه السلام دعاء في السجود يقرّ فيه بالمعصية و يسأل اللَّه المغفرة»[2].
فكنت أفكر في معناه وأقول: كيف يتنزل عمّا تعتقده الشيعة من القول بالعصمة، و ما اتضح لي ما يدفع التردد الذي يوجبه فاجتمعت بالسيد السعيد رضي الدين أبي الحسن علي بن موسى بن طاوس فذكرت له ذلك فقال: إنّ الوزير مؤيد الدين العلقمي سألني عنه فقلت:
كان يقول هذا ليعلم الناس، ثم إنّي فكرت بعد ذلك فقلت: هذا كان يقوله في الليل، وليس عنده من يعلمه. ثم سألني عنه الوزير مؤيد الدين محمد بن العلقمي فأخبرته بالسؤال الأول والذي قلت والذي أوردته عليه، و قلت: ما بقي إلّاأن يكون يقوله على سبيل التواضع وما هذا معناه، فلم تقع مني هذه الأقوال بموقع، ولا حلّت من قلبي في موضع، ومات السيد فهداني اللَّه إلى معناه ووفقني إلى فحواه بعد السنين المتطاولة من كرامات الإمام موسى بن جعفر عليه السلام ومعجزاته. و تقريره أنّ الأنبياء و الأئمّة عليه السلام تكون أوقاتهم مشغولة باللَّه تعالى، وقلوبهم مملوءة به، وخواطرهم متعلقة بالملأ الأعلى، كما قال عليه السلام:«أُعبد اللَّه كأنّك تراه
[1]أوصاف الأشراف، ص 17.
[2]بغية الوقوف على أصل الدعاء راجع، كشف الغمة، ج 3، ص 43.
فإن لم تره فإنّه يراك».فهم أبداً متوجهون إليه و مقبلون بكلّهم عليه، فمتى انحطوا عن تلك الرتبة العالية والمنزلة الرفيعة، إلى الاشتغال بالمأكل والمشرب والتفرغ إلى النكاح وغيره من المباحات عدّوه ذنباً واعتقدوه خطيئة واستغفروا منه. وإلى هذا أشار صلى الله عليه و آله:«إنّه ليران على قلبي وإنّي استغفر بالنهار سبعين مرّة»[1].
والعبارة المعروفة «حسنات الأبرار سيئات المقربين» وأمثالها إشارة لهذه الحقيقة التي أوضحناها.
[1]كشف الغمة، ج 3، ص 42- 44.
11- هل يجتهد الأئمّة في الأحكام؟
سؤال:
ما عقيدة علماء الإسلام بشأن الأحكام التي وصلتنا عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله وخلفائه المعصومين عليهم السلام؟ وهل يجتهدون في بيان بعض الأحكام كسائر الفقهاء؟ وما ذكرناه بالقول بعض الأحكام، ذلك لعدم وجود الاجتهاد في النصوص القرآنية الصريحة أو الأحاديث النبوية الصحيحة.
الجواب:
هذا السؤال يتعلق بعلم الكلام حيث ورد بصورة مفصلة في فصل النبوة والإمامة في كيفية علم النبي صلى الله عليه و آله والأئمّة عليهم السلام، نورده هنا باختصار، فعلماء المسلمين لا يرون للنبي صلى الله عليه و آله والأئمّة عليهم السلام من اجتهاد في بيان الأحكام، ويعتقدون بأنّهم لا يحصلون على الأحكام الشرعية بواسطة الاجتهاد، ومقامهم في بيان الأحكام أسمى من الاجتهاد.
فالقرآن في سورة «النجم» يصف كلام النبي صلى الله عليه و آله بالوحي الذي يلقى إليه بواسطة الملك.[1]والذي يتعرف على الحقائق عن طريق الوحي لا يحتاج قط إلى الاجتهاد واستنباط الأحكام من الأصول. ويصدق هذا الكلام على الأئمّة المعصومين عليهم السلام؛ فهؤلاء
[1]«إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَى* عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى» (سورة النجم، الآية 4 و 5).
وإن لم يرتبطوا بالوحي، إلّاأنّ علومهم غيبية، فهم يبيّنون الأحكام التي لم يقلها النبي الأكرم صلى الله عليه و آله إثر عدم وجود المقتضي أو انتفاء المانع. فليس هنالك من حجاب بينهم وبين الأحكام الشرعية، وقد ألهمهم اللَّه بلطفه وعنايته كل ما يحتاجه العباد من أحكام إلى يوم القيامة[1].
وعلى هذا الأساس فليس هنالك من معنى لاجتهادهم في الأحكام، لأنّ الاجتهاد في الأحكام وظيفة من لا يستطيع التوصل إلى الأحكام دون استفراغ الوسع وتطبيق القواعد الأصولية والفقهية، وربّما لا يتوصل إليها حتى بعد تحمل المشقة والعناء، أمّا النبي الأكرم صلى الله عليه و آله الذي يتلقى الأحكام من طريق الوحي ينفتح على المتطلبات البشرية كافّة من حيث الأحكام والمعارف من خلال مجاريها الصحيحة، فإنّ مثل هذا الشخص سوف لن يحتاج إلى الاجتهاد ورد الفرع إلى الأصل واستنباط الجزئيات من الكليات. كما أنّ أوصياء النبي يعلمون حلال اللَّه وحرامه وأحكامه كافّة، والذي تتضح له واقعية الأحكام بكل خصائصها لغني عن الاجتهاد.
نوضح أكثر:الاجتهاد يلازم عدم الاطلاع القطعي على الأحكام الواقعية، والأفراد الذين يقفون بصورة قطعية على الأحكام عن طريق الوحي أو وراثة النبي صلى الله عليه و آله ليسوا بحاجة إلى الاجتهاد.
لكن علماء العامة يؤمنون باجتهاد الخلفاء في أغلب الأحكام، وقد وردت آراؤهم بصورة مفصلة في كتب «العقائد والمذاهب»، ولعل السبب الذي دعاهم إلى هذا الاعتقاد ما نقلوه من أخطاء عن الخلفاء ولم يكن لهم من توجيه لذلك سوى إن اعتبروهم مجتهدين كالفقهاء بحيث يخطئون أحياناً في بيان الأحكام، ويبدو لهم أنّ خطأ الخلفاء في بيان الأحكام إنّما كان بسبب احتهادهم، ولترسيخ هذه النظرية توسع بعضهم في هذا البحث ليسلط الضوء على علم النبي صلى الله عليه و آله ويخلص في خاتمة المطاف إلى أنّ النبي الأكرم كان يجتهد في الأحكام التي لم يرد فيها نص شرعي!
هذا بيان مختصر للموضوع والتفاصيل في مباحث" العقائد والمذاهب".
[1]للوقوف على المزيد راجع اصول الكافي، ص 110.
12- ما المراد بالأنبياء أولي العزم؟
سؤال:
من هم الأنبياء اولو العزم عليهم السلام، وما هي كتبهم؟
الجواب:
مشهور أعلام الشيعة أنّ عدد الأنبياء مئة وأربعة وعشرون ألف نبي، وإنّ مئة وثلاثة عشر منهم كانوا رسلًا- أي لهم مهمّة خاصة- بغض النظر عن مقام النبوّة. ويمتاز منهم خمسة أنبياء يسمون «أولو العزم»، ويتصف دين هؤلاء الأنبياء بالعالمية والشمولية.[1]وهم حسب الترتيب الزماني: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم السلام، وكتبهم: صحف نوح وصحف إبراهيم والتوراة والإنجيل والقرآن.
ورغم أنّ كتب الأنبياء السابقين اعتراها الضياع أو تغيّرت ماهيّتها بحيث لم يبق سوى بعض معالمها- وبشكل محرف- إثر تقادم الزمان واغراض المعاندين، إلّاأنّ القرآن الكريم ظلّ منذ نزل على قلب رسول اللَّه صلى الله عليه و آله إلى زماننا الحاضر غضاً طرياً وسيبقى كذلك.
[1]المعنى المذكور هو المشهور عن الأنبياء أولي العزم، إلّاأنّ بعض العلماء ذكروا تفاسير أخرى نتحفظ عناستعراضها مراعاة للاختصار. وللوقوف على المزيد، راجع تفسير الميزان، ج 12، ص 13.