17- بشارة المسيح بنبي الإسلام
سؤال:
هل ورد في الأناجيل بشارة المسيح بالنبي صلى الله عليه و آله كما ورد في القرآن وأنّ اسمه «أحمد»؟
الجواب:
الآية الشريفة الواردة في القرآن بهذا الشأن«... وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ»[1].
يقول المحققون إنّ هذه البشارة وردت في انجيل يوحنا في الأبواب 14 و 15 و 16 وقد أخبر المسيح عن انجيل«يوحنّا»بمجيئ شخص من بعده يدعى«فارقليط»وتفيد أغلب القرائن أنّ المراد به نبي الإسلام، ونرانا مضطرين لتوضيح المطلب بذكر بعض النصوص المذكورة في بعض الأناجيل:
«إن كنتم تحبونني فالتزموا بأحكامي وسأطلب من الأب أن يبعث لكم" فارقليط" آخر وسيبقى معكم إلى الأبد. أنّه روح الحق والصدق وسوف لن يصدقه العالم، لأنّهم لا يرونه
[1]سورة الصف، الآية 6.
ولا يعرفونه، لكنه يعرفكم، لأنّه سيبقى معكم وبينكم»[1].
«لقد قلت لكم هذا الكلام حين كنت معكم، إلّاأنّ ذلك" فارقليط" الذي سيبعثه الأب بأسمي، سيعلمكم كل شيء وسيذكركم بكل ما قلته لكم»[2].
«لقد أخبرتكم به قبل ظهوره لتؤمنوا به حين ظهوره»[3].
«سابعث لكم من جانب الأب ذلك الفرقليط وسيشهد لي فهو روح الصدق»[4].
«أقول بحق من المفيد لكم أن أذهب ولو لم أذهب فإنّ ذلك «الفارقليط» سوف لن يأتيكم، فإن ذهبت سأبعثه لكم، فإن جاء سيلزم العالمين بالذنب والصدق والإنصاف:
بالذنب لأنّهم لا يؤمنون بي، وبالصدق لأنّي أذهب إلى أبي، وسوف لن ترونني، وبالإنصاف لأنّ الحكم سيجرى على رئيس هذا العالم، وسيكون لدي الكثير لأقول، لكنكم لا تستطيعون تحمل ذلك الآن، لكنّه إن جاء سيرشدكم إلى الحقيقة لأنّه لا ينطق عن نفسه، بل سيتكلم بكل ما يسمع. وسينبئكم عن المستقبل وسيثني عليَّ، لأنّه سيجزيكم بكل ما يجده مني. كلما كان من الأب فهو مني ولذلك قلت لكم سيجزيكم بكل ما يأخذه مني».[5]
ولدينا هنا قرائن واضحة في أنّ المراد من«فارقليط هو النبي محمد»الذي يأتي بعد المسيح لا روح القدس:
1- لابدّ من الألتفات أولًا إلى أنّ المستفاد من بعض التواريخ المسيحية أنّه كان من المسلّم بين مفسّري الإنجيل قبل انبثاق الدعوة أنّ فارقليط هو النبي الموعود، حتى استغله البعض وزعم أنّه الفارقليط الموعود. مثلًا: «منتسر» المرتاض الذي عاش في القرن
[1]انجيل يوحنا، الباب 17، 16، 15، 14، الذي طبع عام 1837 م في لندن كما نقلنا سائر العبارات من هذه الطبعة، وطبقناها مع التراجم الأخرى بغية حصول الإطمئنان.
[2]المصدر السابق، الباب 14، 25- 26.
[3]المصدر السابق، الباب 14، 29.
[4]المصدر السابق، الباب 15، 26.
[5]المصدر السابق، الباب 16، 7- 15.
الميلادي الثاني، ادّعى النبوة في آسيا الصغرى عام 187 وقال: أنا فارقليط الذي بشر به عيسى ويتبعه الناس[1].
2- يستفاد من الآثار والتواريخ الإسلامية المعتبرة أنّ الزعامات السياسية والدينية المسيحية كافّة كانت تتطلع إلى أيّام بعثة النبي الأكرم صلى الله عليه و آله إلى النبي الموعود الذي بشر به الإنجيل، ومن هنا لما قدم سفير النبي وسلّم رسالته إلى ملك الحبشة، التفت إلى السفير وقال: أشهد أنّه النبي الذي ينتظره أهل الكتاب، وكما أخبر موسى عن نبوّة المسيح، فقد بشر المسيح بنبي آخر الزمان وذكر علاماته[2].
وحين تسلم قيصر رسالة النبي، أجاب بأنّه كان يعلم بظهور نبي آخر الزمان، لكنّه ظن أنّه سيظهر من الشام ...[3]فالذي يستفاد من هذه النصوص التاريخية أنّهم كانوا ينتظرون نبيّاً، ولا شك في أنّ هذا الانتظار يستند إلى الإنجيل.
3- الخصائص التي ذكرها المسيح ل«فارقليط»والنتائج المترتبة على ظهوره، تفيد بما لا يقبل الشك أنّ المراد به النبي الموعود، والتي تجعل من المتعذر تفسيره بروح القدس.
وتوضيح ذلك:
أ) ابتدأ المسيح كلامه بالقول: «إن كنتم تحبونني فالتزموا بأحكامي، وسأطلب من أبي ليبعث لكم" فارقليط" آخر».
أولًا: أنّ تذكير المسيح بحبّه يفيد عدم استجابة أمّته لمن يبشر به بالمجيئ بعده، ولذلك يحاول من خلال إثارة عواطفهم دفعهم لطاعته، ولو كان المراد به روح القدس كما فسّره أصحاب الإنجيل لما احتاج هذه المقدمة. لأنّ روح القدس أن هبط فسوف يستحوذ على القلوب والأرواح بحيث لا يدع لأحد من مجال لإنكاره، أمّا إن كان هو النبي الموعود، فهنالك حاجة ماسة لهذه المقدمة؛ ذلك لأنّه ليس للنبي الموعود من سبيل في التأثير على القلوب سوى من خلال الوعظ والإرشاد، وعلى هذا الأساس تؤمن به طائفة وتكفر به
[1]أنيس الأعلام، ج 2، ص 179، نقلًا عن تاريخ «ليم ميور» الذي، طبع عام 1848.
[2]الطبقات الكبرى لأبن سعد، ج 1، ص 259؛ وسيرة الحلبي، ج 3، ص 279.
[3]الكامل في التأريخ، ج 2، ص 44.
طائفة أخرى. ولم يكتف المسيح بهذا، حيث قال في الآية 29 من الباب 14 (لقد أخبرتكم به قبل ظهوره لتؤمنوا به حين ظهوره)، في حين لا يحتاج الإيمان بالروح القدس إلى الوصية فضلًا عن هذا الكتاب.
ثانياً: قال: «سيبعث لكم فارقليط آخر» فإن فسّرناه بنبي آخر كان الكلام تاماً، أمّا إن قيل المراد به روح القدس، فلفظ «آخر» لا يخلو من تكلف، ذلك لأنّ روح القدس واحد ولا معنى للآخر.
ب) «سيذكركم بكل ما قلته لكم»" 26: 14" وسيشهد لي (الباب 15، العبارة 26). قيل إنّ الروح القدس هبط على الحواريين بعد خمسين يوماً من صلب عيسى، فهل نسيت هذه الصفوة تعليماته كافّة خلال هذه المدّة القصيرة ليعلمهم روح القدس تلك التعاليم ثانية؟ وما حاجة حواريي المسيح لشهادته ليشهد على المسيح! أمّا إن كان المقصود به النبي الموعود فسيكون معنى العبارتين صحيحاً؛ ذلك لأنّ أمة المسيح نسيت أغلب تعاليمه بفعل تقادم الزمن والأيادي التي امتدت إلى الإنجيل، لقد جاء محمد صلى الله عليه و آله بكل تلك التعاليم وشهد بنبوّة عيسى عليه السلام وقال: كان نبيّاً مثلي وبرأ أمّه ممّا وجه إليها من التهم وبرأ عيسى من دعوى الالوهية.
ج) «لو لم أذهب فإنّ ذلك الفارقليط سوف لن يأتيكم» (7: 15) فقد اشترط مجيئ فارقليط بذهابه، فإن كان المراد روح القدس فإن نزوله عليه وعلى الحواريين لم يكن مشروطاً بذهابه؛ لأنّ المسيحيين يعتقدون بإن الروح القدس نزل على الحواريين الذين وجههم المسيح للوعظ[1].
وعليه فإنّ نزوله لم يكن مشروطاً بذهابه قط؛ أمّا إن قيل إنّ المراد به نبي صاحب شريعة- وشريعة عالمية- فإنّ مجيئه سيكون مشروطاً بذهاب المسيح ونسخ شريعته.
[1]انجيل متى، الباب 10، 29؛ ولوقا، الباب 10، 17.
د) وردت أمور ثلاثة أثر نزول«فارقليط»هي: (أنّه يلزم[1]العالم بالذنب والصدق والإنصاف؛ بالذنب لأنّهم لا يؤمنون بي) (8: 16). وتعلم على ضوء عقيدة المسيحيين أنّ «روح القدس» نزل على الحواريين بعد 50 يوماً من صلب عيسى وأنّه لم يلزمهم قط بالذنب والصدق والإنصاف، ويستفاد من ذيل الآية أنّه ينزل على المنكرين لا الحواريين الذين لا يكذبون المسيح قط. لكن إن قلنا إنّ المراد نبي الإسلام الموعود، فإنّ كل هذه الخصائص مجتمعة فيه.
ه) «سيشهد فارقليط لي- المسيح-» (26: 15).
«سيخبركم بالمستقبل وسيثني علي» (13: 16).
فالشهادة للمسيح تكشف أنّه ليس الروح القدس، لأ، الحواريين ليسوا بحاجة لتصديقه، كما أنّ المراد من أنّه سيمنحه الجلال، فهو المدح والثناء من النبي الموعود للمسيح وإكماله شريعته، فأي جلال أعظم من هذا.
ولعل تأمل هذه القرائن يرشدنا إلى الحقيقة التي توصل إليها محققو الإسلام، طبعاً لا تقتصر القرائن على ما ذكر، وهنالك الكثير.
وفي الختام ننقل موضوعاً أوردته الموسوعة الفرنسية الكبرى: ج 23 ص 4174 بهذا الشأن حيث جاء فيها:
«محمد مؤسس الدين الإسلامي ورسول اللَّه وخاتم النبيين؛ وكلمة محمد تعني كثير الحمد ومن مادة حمد بمعنى التجليل والتحميد. والاسم الآخر المشتق من مادة حمد هو أحمد والذي يحتمل أنّ مسيحيي الحجاز استعملوه بحق فارقليط. وهكذا ذهب المفكرون
[1]وردت في اغلب الأناجيل القديمة توبيخ بدل" يلزم" والعبارة الثانية اوضح وانسب؛ فبعض المفسرين والكتاب المسيحيين حين يصلون هذه العبارة ويرون انها لاتنطبق على الروح القدس، يزعمون بكل ذهول أنّ المراد من رئيس العالم هو الشيطان الذي يلزم الناس بالذنب والشاهد على ذلك أنّ المسيح قال في الآية 30، سوف يأتي رئيس العالم وليس له من سبيل إلى، اي لايستطيع التغلب على المسيح. فهذا التفسير لا يعدو كونه فكرة شيطانية؛ لأنه لو افترضنا أنّ رئيس العالم سيلزم العالمين بالذنب فكيف سيلزمهم بالصدق والإنصاف؟
الإسلاميون إلى أنّ المراد من ذلك اللفظ البشارة بظهور نبي الإسلام. وقد أشار القرآن في سورة الصف صراحة إلى هذا الموضوع»[1].
إستعنا في هذا الموضوع بالكتاب القيم «أنيس الأعلام» تأليف فخر الإسلام.
[1]محمد خاتم الأنبياء، ج 1، ص 504.
18- ولادة مريم
سؤال:
تظهر الحياة (خلية النطفة) في ظل تركيب جزئين أساسين هما (الأسبرماتوزوئيد) و (الأوفل) وهذا التركيب (اللقاح) في أنّ الخلية الجنسية الأنثوية ليست قادرة لوحدها في خلق الحياة (النمو والتغذية والتقسيم). وعلى ضوء هذا الأصل العلمي المسلم، فكيف حملت السيدة مريم بولدها المسيح عليه السلام دون زواج وجماع؟! والحال لا تستطيع الخلية الجنسية الأنثوية توليد حياة بمفردها؟!
الجواب:
نود أن نُذكِّر بعدم كلية الأصل المذكور قبل الخوض في موضوع حمل السيدة مريم؛ لأنّ الحياة إنّما تتولد من لقاح خليتين جنسيتين، وربّما تتعذر بالإكتفاء بخليّة واحدة، إلّاأنّ التجربة أشارت إلى وجود محركات أخرى غير الأسبرماتوزوئيد تستطيع إزالة الاختلافات الفسلجية للبويضة وتسوقها إلى الإنقسام ووجود حالات الولادة البكر تدعم ذلك.
فالعلماء يقولون إنّ بويضات بعض الكائنات لها القدرة على النمو دون القيام بعملية
اللقاح، ويطلق على الأحياء التي تتكاثر بهذه الطريقة الأحياء الولودة البكر. ولعلنا نلمس نموذج ذلك في بعض الأحياء مثل نجمة البحر ودودة القز. وملكة النحل لا تغشى الزنبور سوى مرّة واحدة طيلة عمرها فتتحول البويضات المركبة من خلية جنسية أنثوية إلى عاملات، أمّا البويضات التي لا تتركب من خلايا جنسية أنثوية فهي تخرج من الجهاز التناسلي للملكة دون عملية اللقاح وتواصل نموها وتتحول إلى زنابير ذكرية.
أضف إلى ذلك فإنّ بعض الأحياء المجهرية كالميكروبات والبكتريا والفايروسات تتكاثر دون عملية لقاح. كما تتكاثر الأميبا عن طريق الإنشطار.
وتوصل بعض العلماء إلى حقيقة قدرة بعض النساء على الحمل والإنجاب دون الجماع وصرحوا بأنّ بعض الغدد لدى المرأة يمكنها التكاثر والإنجاب دون الحاجة إلى عملية اللقاح.
فيتضح ممّا مرّ أنّ بعض النساء البكر يمكنها الولادة دون لقاح وقد تحققت هذه القضية لدى البعض منهنّ وعلى هذا الأساس تتضح قضية حمل السيدة مريم عليها السلام دون عملية اللقاح. وقد صرح القرآن الكريم بشأن المراحل الابتدائية لحملها قائلًا:«فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً* قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنتَ تَقِيّاً* قَالَ إِنَّمَآ أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِاهَبَ لَكِ غُلَاماً زَكِيّاً* قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً* قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ»[1]، وعليه لا يستبعد أن تكون هنالك بعض العوامل المجهولة التي أثرت على الخلايا الجنسية للسيدة مريم كسائر المحركات فأوجبت الولادة والنمو.
وبالطبع فإنّ الهدف من ولادة السيد المسيح عليه السلام أنّ اللَّه خلق بشراً كمظهر لقدرته فكانت ولادته المجازية ليتمّ الحجّة على بني اسرائيل الذين لم يستجيبوا للأنبياء الذين بعثوا من بعد موسى بن عمران عليه السلام.[2]فاللَّه الذي خلق مادة الحياة الأولى وأول خلية حية، واللَّه الذي
[1]سورة مريم، الآية 17- 21.
[2]لعل الآية «وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ» (الآية 21) إشارة إلى هذا الموضوع.