د) وردت أمور ثلاثة أثر نزول«فارقليط»هي: (أنّه يلزم[1]العالم بالذنب والصدق والإنصاف؛ بالذنب لأنّهم لا يؤمنون بي) (8: 16). وتعلم على ضوء عقيدة المسيحيين أنّ «روح القدس» نزل على الحواريين بعد 50 يوماً من صلب عيسى وأنّه لم يلزمهم قط بالذنب والصدق والإنصاف، ويستفاد من ذيل الآية أنّه ينزل على المنكرين لا الحواريين الذين لا يكذبون المسيح قط. لكن إن قلنا إنّ المراد نبي الإسلام الموعود، فإنّ كل هذه الخصائص مجتمعة فيه.
ه) «سيشهد فارقليط لي- المسيح-» (26: 15).
«سيخبركم بالمستقبل وسيثني علي» (13: 16).
فالشهادة للمسيح تكشف أنّه ليس الروح القدس، لأ، الحواريين ليسوا بحاجة لتصديقه، كما أنّ المراد من أنّه سيمنحه الجلال، فهو المدح والثناء من النبي الموعود للمسيح وإكماله شريعته، فأي جلال أعظم من هذا.
ولعل تأمل هذه القرائن يرشدنا إلى الحقيقة التي توصل إليها محققو الإسلام، طبعاً لا تقتصر القرائن على ما ذكر، وهنالك الكثير.
وفي الختام ننقل موضوعاً أوردته الموسوعة الفرنسية الكبرى: ج 23 ص 4174 بهذا الشأن حيث جاء فيها:
«محمد مؤسس الدين الإسلامي ورسول اللَّه وخاتم النبيين؛ وكلمة محمد تعني كثير الحمد ومن مادة حمد بمعنى التجليل والتحميد. والاسم الآخر المشتق من مادة حمد هو أحمد والذي يحتمل أنّ مسيحيي الحجاز استعملوه بحق فارقليط. وهكذا ذهب المفكرون
[1]وردت في اغلب الأناجيل القديمة توبيخ بدل" يلزم" والعبارة الثانية اوضح وانسب؛ فبعض المفسرين والكتاب المسيحيين حين يصلون هذه العبارة ويرون انها لاتنطبق على الروح القدس، يزعمون بكل ذهول أنّ المراد من رئيس العالم هو الشيطان الذي يلزم الناس بالذنب والشاهد على ذلك أنّ المسيح قال في الآية 30، سوف يأتي رئيس العالم وليس له من سبيل إلى، اي لايستطيع التغلب على المسيح. فهذا التفسير لا يعدو كونه فكرة شيطانية؛ لأنه لو افترضنا أنّ رئيس العالم سيلزم العالمين بالذنب فكيف سيلزمهم بالصدق والإنصاف؟
الإسلاميون إلى أنّ المراد من ذلك اللفظ البشارة بظهور نبي الإسلام. وقد أشار القرآن في سورة الصف صراحة إلى هذا الموضوع»[1].
إستعنا في هذا الموضوع بالكتاب القيم «أنيس الأعلام» تأليف فخر الإسلام.
[1]محمد خاتم الأنبياء، ج 1، ص 504.
18- ولادة مريم
سؤال:
تظهر الحياة (خلية النطفة) في ظل تركيب جزئين أساسين هما (الأسبرماتوزوئيد) و (الأوفل) وهذا التركيب (اللقاح) في أنّ الخلية الجنسية الأنثوية ليست قادرة لوحدها في خلق الحياة (النمو والتغذية والتقسيم). وعلى ضوء هذا الأصل العلمي المسلم، فكيف حملت السيدة مريم بولدها المسيح عليه السلام دون زواج وجماع؟! والحال لا تستطيع الخلية الجنسية الأنثوية توليد حياة بمفردها؟!
الجواب:
نود أن نُذكِّر بعدم كلية الأصل المذكور قبل الخوض في موضوع حمل السيدة مريم؛ لأنّ الحياة إنّما تتولد من لقاح خليتين جنسيتين، وربّما تتعذر بالإكتفاء بخليّة واحدة، إلّاأنّ التجربة أشارت إلى وجود محركات أخرى غير الأسبرماتوزوئيد تستطيع إزالة الاختلافات الفسلجية للبويضة وتسوقها إلى الإنقسام ووجود حالات الولادة البكر تدعم ذلك.
فالعلماء يقولون إنّ بويضات بعض الكائنات لها القدرة على النمو دون القيام بعملية
اللقاح، ويطلق على الأحياء التي تتكاثر بهذه الطريقة الأحياء الولودة البكر. ولعلنا نلمس نموذج ذلك في بعض الأحياء مثل نجمة البحر ودودة القز. وملكة النحل لا تغشى الزنبور سوى مرّة واحدة طيلة عمرها فتتحول البويضات المركبة من خلية جنسية أنثوية إلى عاملات، أمّا البويضات التي لا تتركب من خلايا جنسية أنثوية فهي تخرج من الجهاز التناسلي للملكة دون عملية اللقاح وتواصل نموها وتتحول إلى زنابير ذكرية.
أضف إلى ذلك فإنّ بعض الأحياء المجهرية كالميكروبات والبكتريا والفايروسات تتكاثر دون عملية لقاح. كما تتكاثر الأميبا عن طريق الإنشطار.
وتوصل بعض العلماء إلى حقيقة قدرة بعض النساء على الحمل والإنجاب دون الجماع وصرحوا بأنّ بعض الغدد لدى المرأة يمكنها التكاثر والإنجاب دون الحاجة إلى عملية اللقاح.
فيتضح ممّا مرّ أنّ بعض النساء البكر يمكنها الولادة دون لقاح وقد تحققت هذه القضية لدى البعض منهنّ وعلى هذا الأساس تتضح قضية حمل السيدة مريم عليها السلام دون عملية اللقاح. وقد صرح القرآن الكريم بشأن المراحل الابتدائية لحملها قائلًا:«فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً* قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنتَ تَقِيّاً* قَالَ إِنَّمَآ أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِاهَبَ لَكِ غُلَاماً زَكِيّاً* قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً* قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ»[1]، وعليه لا يستبعد أن تكون هنالك بعض العوامل المجهولة التي أثرت على الخلايا الجنسية للسيدة مريم كسائر المحركات فأوجبت الولادة والنمو.
وبالطبع فإنّ الهدف من ولادة السيد المسيح عليه السلام أنّ اللَّه خلق بشراً كمظهر لقدرته فكانت ولادته المجازية ليتمّ الحجّة على بني اسرائيل الذين لم يستجيبوا للأنبياء الذين بعثوا من بعد موسى بن عمران عليه السلام.[2]فاللَّه الذي خلق مادة الحياة الأولى وأول خلية حية، واللَّه الذي
[1]سورة مريم، الآية 17- 21.
[2]لعل الآية «وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ» (الآية 21) إشارة إلى هذا الموضوع.
خلق أول بشر دون عملية لقاح، يستطيع وعلى أساس الهدف المذكور خلق نبي عظيم ورجل كامل لتكون ولادته الإعجازية دليلًا دامغاً على قومه المعاندين.
بعبارة أخرى: نمو الخلية الأنثوية في رحم الأُم إنّما يتمّ أحياناً لا دائماً عن طريق اللقاح، وهذه علة عادية ألفناها، لكننا لا نمتلك الدليل على امتناعها من طريق آخر. بل من الممكن أن تكون هنالك بعض العلل التي يمكنها تربية الخلية الأنثوية وتجعلها جاهزة للقيام بوظيفة الحياة، وإن كانت هذه العلل خافية علينا بفعل معلوماتنا الناقصة عن أسرار الحياة، فهي ليست بخافية على العليم الحكيم القادر سبحانه.
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
19- هل نذرت أم مريم أن يكون ولدها راهباً؟!
سؤال:
نعلم بحرمة الرهبانية الدائمة- ولاسيما على عهد مريم (أم عيسى)- فلماذا نذرت ذلك امرأة عمران حين كانت حاملًا (أم مريم) إن رزقها اللَّه ولداً؟
الجواب:
إنّ أُم مريم لم تنذر مثل ذلك أبداً، بل نذرت إن وهبها اللَّه ولداً أن تجعله خادماً لبيت المقدّس لا راهباً، فتحرره من خدمة الأب والأم ليتفرغ لخدمة المسجد. وقد أشار القرآن إلى ذلك فقال:«إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ»[1].
يقول المفسرون إنّ المراد من كلمة «محرراً»" خادم المعبد، وسبب اطلاق المحرر على خادم الأماكن المقدّسة، أنّه معفو من القيام بسائر الخدمات الاجتماعية والقيام على شؤون الأب والأُم. وعليه فالنذر كان خدمته، ولم ترد فيه أيّة إشارة إلى الرهبانية، فالرهبانية بمعنى هجران الدنيا والرغبة عن الزواج وهي خلاف قانون الخلقة، ومحظور في الشرائع كافّة.
[1]سورة آل عمران، الآية 35.
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة