18- ولادة مريم
سؤال:
تظهر الحياة (خلية النطفة) في ظل تركيب جزئين أساسين هما (الأسبرماتوزوئيد) و (الأوفل) وهذا التركيب (اللقاح) في أنّ الخلية الجنسية الأنثوية ليست قادرة لوحدها في خلق الحياة (النمو والتغذية والتقسيم). وعلى ضوء هذا الأصل العلمي المسلم، فكيف حملت السيدة مريم بولدها المسيح عليه السلام دون زواج وجماع؟! والحال لا تستطيع الخلية الجنسية الأنثوية توليد حياة بمفردها؟!
الجواب:
نود أن نُذكِّر بعدم كلية الأصل المذكور قبل الخوض في موضوع حمل السيدة مريم؛ لأنّ الحياة إنّما تتولد من لقاح خليتين جنسيتين، وربّما تتعذر بالإكتفاء بخليّة واحدة، إلّاأنّ التجربة أشارت إلى وجود محركات أخرى غير الأسبرماتوزوئيد تستطيع إزالة الاختلافات الفسلجية للبويضة وتسوقها إلى الإنقسام ووجود حالات الولادة البكر تدعم ذلك.
فالعلماء يقولون إنّ بويضات بعض الكائنات لها القدرة على النمو دون القيام بعملية
اللقاح، ويطلق على الأحياء التي تتكاثر بهذه الطريقة الأحياء الولودة البكر. ولعلنا نلمس نموذج ذلك في بعض الأحياء مثل نجمة البحر ودودة القز. وملكة النحل لا تغشى الزنبور سوى مرّة واحدة طيلة عمرها فتتحول البويضات المركبة من خلية جنسية أنثوية إلى عاملات، أمّا البويضات التي لا تتركب من خلايا جنسية أنثوية فهي تخرج من الجهاز التناسلي للملكة دون عملية اللقاح وتواصل نموها وتتحول إلى زنابير ذكرية.
أضف إلى ذلك فإنّ بعض الأحياء المجهرية كالميكروبات والبكتريا والفايروسات تتكاثر دون عملية لقاح. كما تتكاثر الأميبا عن طريق الإنشطار.
وتوصل بعض العلماء إلى حقيقة قدرة بعض النساء على الحمل والإنجاب دون الجماع وصرحوا بأنّ بعض الغدد لدى المرأة يمكنها التكاثر والإنجاب دون الحاجة إلى عملية اللقاح.
فيتضح ممّا مرّ أنّ بعض النساء البكر يمكنها الولادة دون لقاح وقد تحققت هذه القضية لدى البعض منهنّ وعلى هذا الأساس تتضح قضية حمل السيدة مريم عليها السلام دون عملية اللقاح. وقد صرح القرآن الكريم بشأن المراحل الابتدائية لحملها قائلًا:«فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً* قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنتَ تَقِيّاً* قَالَ إِنَّمَآ أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِاهَبَ لَكِ غُلَاماً زَكِيّاً* قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً* قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ»[1]، وعليه لا يستبعد أن تكون هنالك بعض العوامل المجهولة التي أثرت على الخلايا الجنسية للسيدة مريم كسائر المحركات فأوجبت الولادة والنمو.
وبالطبع فإنّ الهدف من ولادة السيد المسيح عليه السلام أنّ اللَّه خلق بشراً كمظهر لقدرته فكانت ولادته المجازية ليتمّ الحجّة على بني اسرائيل الذين لم يستجيبوا للأنبياء الذين بعثوا من بعد موسى بن عمران عليه السلام.[2]فاللَّه الذي خلق مادة الحياة الأولى وأول خلية حية، واللَّه الذي
[1]سورة مريم، الآية 17- 21.
[2]لعل الآية «وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ» (الآية 21) إشارة إلى هذا الموضوع.
خلق أول بشر دون عملية لقاح، يستطيع وعلى أساس الهدف المذكور خلق نبي عظيم ورجل كامل لتكون ولادته الإعجازية دليلًا دامغاً على قومه المعاندين.
بعبارة أخرى: نمو الخلية الأنثوية في رحم الأُم إنّما يتمّ أحياناً لا دائماً عن طريق اللقاح، وهذه علة عادية ألفناها، لكننا لا نمتلك الدليل على امتناعها من طريق آخر. بل من الممكن أن تكون هنالك بعض العلل التي يمكنها تربية الخلية الأنثوية وتجعلها جاهزة للقيام بوظيفة الحياة، وإن كانت هذه العلل خافية علينا بفعل معلوماتنا الناقصة عن أسرار الحياة، فهي ليست بخافية على العليم الحكيم القادر سبحانه.
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
19- هل نذرت أم مريم أن يكون ولدها راهباً؟!
سؤال:
نعلم بحرمة الرهبانية الدائمة- ولاسيما على عهد مريم (أم عيسى)- فلماذا نذرت ذلك امرأة عمران حين كانت حاملًا (أم مريم) إن رزقها اللَّه ولداً؟
الجواب:
إنّ أُم مريم لم تنذر مثل ذلك أبداً، بل نذرت إن وهبها اللَّه ولداً أن تجعله خادماً لبيت المقدّس لا راهباً، فتحرره من خدمة الأب والأم ليتفرغ لخدمة المسجد. وقد أشار القرآن إلى ذلك فقال:«إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ»[1].
يقول المفسرون إنّ المراد من كلمة «محرراً»" خادم المعبد، وسبب اطلاق المحرر على خادم الأماكن المقدّسة، أنّه معفو من القيام بسائر الخدمات الاجتماعية والقيام على شؤون الأب والأُم. وعليه فالنذر كان خدمته، ولم ترد فيه أيّة إشارة إلى الرهبانية، فالرهبانية بمعنى هجران الدنيا والرغبة عن الزواج وهي خلاف قانون الخلقة، ومحظور في الشرائع كافّة.
[1]سورة آل عمران، الآية 35.
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
20- شق القمر
سؤال:
يقال: إنّ إحدى معجزات النبي الأكرم صلى الله عليه و آله شقّ القمر، فهل هذا صحيح؟
الجواب:
لابدّ من تسليط الضوء على جوانب هذه القضية كافّة بغية إيضاحها:
1- هل يمكن أن ينشق القمر وهو بهذا الحجم الهائل ثم يعود إلى حالته الأولى؟
2- إن كان ذلك ممكناً، فهل لدينا من دليل قاطع على وقوع هذا الأمر على عهد رسول اللَّه صلى الله عليه و آله كاحدى معجزاته؟
3- إن كان هنالك من دليل على وقوع المعجزة فما تفاصيللها؟
المبحث الأول:
يكفينا للتعرف على إمكانية انشقاق القمر من وجهة نظر العلم المعاصر أن نشير إلى بعض الانفجارات والانشقاقات التي تشهدها المنظومة الشمسية.
أ) الاستروئيدات أحجار كبيرة تدور حول المنظومة الشمسية، ويعبر عنها أحياناً
بكرات صغيرة تشبه السيارات، وقد يبلغ قطر بعضها 25 كيلومتراً. ويعتقد العلماء أنّ هذه القطعات بقايا سيارة كبيرة كانت تتحرك ضمن مدار بين المريخ والمشتري، ثم انشقت أثر بعض العوامل المجهولة، وهذا نموذج من الانشقاق في الأجرام السماوية.
ب) الشهب قطعات صغيرة تائهة تدور بسرعة فائقة في مدارات خاصة حول الشمس، وأحياناً تتقاطع مع مدار الكرة الأرضية فتنجذب نحو الأرض. ويقول العلماء إنّها بقايا مذنبات انفجرت إثر بعض العوامل المجهولة، وهذه أيضاً نموذج آخر للانشقاق الحاصل في الأجرام السماوية.
ج) على ضوء نظرية (لابلاس) وأغلب علماء الفلك فإنّ ظهور المنظومة الشمسية كان نتيجة لوقوع انشقاق عظيم حدث في الشمس، فقد كانت كل هذه السيارات التي كان مركزها الشمس كتلة واحدة بادئ الأمر، ثم انفصلت كل واحدة بالتدرج؛ إلّاأنّ هناك خلافاً بين علماء الفلك بشأن العوامل التي أدّت إلى الانفصال والانشقاق، ولكن أقرّ جميع العلماء بإمكانية حصول الانشقاق في كرات المنظومة الشمسية.
ونستنتج ممّا سبق أنّ: أصل وقوع الإنشقاق في الكرات السماوية ممكن، والعلم لا ينكر ذلك، بل وضع قواعد الهيئة الجديدة على هذا الأساس. ومن البديهي أنّ حصول هذا الأمر في اي من الكرات يتطلب قوة هائلة تبدو معروفة على ضوء بعض الفرضيات في بعض الموارد ومجهولة في البعض الآخر. ومن المسلم به في شق القمر أنّه كانت هنالك عوامل خفية استطاعات إيجاد ذلك التأثير، وبالنظر إلى أنّ كل من تطرق إلى شق القمر يدعي باستناد النبي إلى القوى التي تفوق العادة فإنّ أحد لم يزعم أنّ النبي قام بذلك العمل بهذه القوة البشرية العادية. ويبقى هنا موضوع واحد هو التئام أجزاء القمر بعد الانشقاق. ولحل هذه القضية يكفي أن نعلم أنّ الإنشقاق لم يكن شديداً وعظيماً لأننا نعلم حسب (قانون نيوتن) بوجود قوّة التجاذب بين أي جسمين، وأنّ هذه الجاذبية تتناسب طردياً مع حاصل ضرب الكتلتين ومربع المسافة بينهما، فكلما كانت المسافة قصيرة إزدادت الجاذبية وعليه