4- هل يمكن إدراك الذات المطلقة؟
سؤال:
هل ذات اللَّه متناهية أم لا؟ وبغض النظر عن ذلك هل عقلنا وفكرنا متناه في وظائفه أم لا؟ وهل يسع المتناهي إدراك اللامتناهي؟
الجواب:
للاجابة عن هذا السؤال وأشباهه نلفت انتباه القراء الأعزاء إلى ما يلي:
ثبت في مباحث معرفة اللَّه وصفاته أنّ اللَّه وجود لا متناهٍ من جميع الجهات؛ لا متناهٍ من حيث الوجود ولا متناهٍ من حيث العلم والقدرة ولا متناهٍ من حيث الزمان والمكان، فلا يخلو منه مكان، ولا ينعدم في زمان، وليس هنالك من شيء لا يعلمه اللَّه ولا فعل يعجزه.
وبناءً على هذا فاللَّه وجود مطلق ولا متناهٍ من جميع الجهات وهذا أصل أساسي في الأبحاث كافّة المتعلقة بصفات اللَّه وبالاستناد إلى هذا الأصل يثبت العلماء صفات اللَّه.
وباستثناء الذات المقدّسة فإنّ كل شيء سواها محدود؛ محدود من حيث الزمان والمكان وسائر الجهات.
ومن البديهي أنّ الوجود المحدود يعجز عن إدراك الوجود اللامحدود كما هو؛ ومن هنا
نقول: يستحيل على البشرية إدراك الذات الإلهيّة المقدسة؛ وكل ما لدينا بشأن هذا الوجود معلومات إجمالية، نعلم بهذا الوجود، ونعلم أنّ له علماً وقدرة، وينطوي على صفات الكمال كافّة، لكننا نجهل خصائص وجوده وعلمه وقدرته؛ أي كنه ذاته وصفاته.
وليس كنه ذاته وصفاته مجهولًا لدينا، بل مجهولة لدينا حقيقة أغلب موجودات هذا العالم المحيطة بنا، فالبشرية لم تقف لحد الآن على حقيقة «الحياة». وإننا لا نحسن معرفة الأشياء إلّامن خلال آثارها في حين نجهل هويتها الواقعية والحقيقية، ولعلنا لا نعيش حتى هاجس التعرف على حقيقة الأشياء كافّة بفعل ما نتمتع به من محدودية ووسائل وأدوات قاصرة. فأفكارنا بمثابة ملعقة إزاء الذات الإلهيّة المقدّسة التي تمثل محيطا متلاطماً، من حيث التصور أن يدرك الوجود الذي يحيط به من جميع الجهات. وهل يسع الجنين (لو كان له عقل) أن يرسم صورة صحيحة لأُمّه ويتصور شكلها وسائر خصائصها؟ قطعاً لا؛ وذلك لأنّه محاط والأُم محيطة به، رغم محدوديتهما معاً؛ فما ظنك بالإنسان المحاط بالنسبة لإدراك الذات المقدّسة اللامتناهية المحيطة به؟!
5- هل اللَّه قوّة؟
سؤال:
هل صحيح ما يقال: (إنّ اللَّه قوّة عظيمة حاضرة في كل مكان وخالق لجميع الكائنات)؟
الجواب:
لا يصح اطلاقاً التعبير عن اللَّه بالقوّة؛ لأنّ ذلك قد يدعو إلى اللبس بشأن سائر قوى الطبيعة، فاللَّه وجود لا متناهٍ من جميع الجهات، وحاضر في كل مكان وليس له صفات كصفات الوجودات الطبيعية وقد شدد العلماء في كتبهم «العقائدية والدينية» على وجوب التحفظ عن استعمال أي لفظ تشم منه رائحة التجسم والمادية بشأن اللَّه تنزيهاً له عن التشبه بأي من الأمور المادية، ومن هنا لابدّ من التحرز عن استعمال لفظ (القوّة) على اللَّه، وعليه لابدّ من القول: إنّ اللَّه ليس بقوّة، بل اللَّه اسمى من المادة والقوّة والطاقة فهو خالقها جميعاً.
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
6- كيف يكون كمال توحيد اللَّه نفي الصفات عنه؟
سؤال:
جاء في الخطبة الأولى من نهج البلاغة عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال:«وكمال توحيده الاخلاص له وكمال الاخلاص له نفي الصفات عنه».فكيف يمكن أن يكون نفي الصفات عن اللَّه كمال توحيده؟!
الجواب:
يمكننا أن نقف على دليل هذا الموضوع في كلام أمير المؤمنين عليه السلام في هذه الخطبة إذ قال:«لشهادة كل صفة أنّها غير الموصوف وشهادة كل موصوف أنّه غير الصفة».
توضيح ذلك:ثبت في الأبحاث الواردة في صفات اللَّه أنّ صفاته عين ذاته وليست زائدة عليها كما هو الحال في صفات البشر، بمعنى أنّ الذات شيء والصفات شيء آخر بالنسبة للممكنات؛ فمثلًا علمنا غير ذاتنا وعارض عليها، إلّاأنّ صفات اللَّه ليست كذلك؛ أي أنّ علمه عين ذاته، وبعبارة أخرى هي ذات كلّها علم وقدرة وحياة. وعليه فمراد الإمام عليه السلام من قوله كمال توحيده نفي الصفات عنه، يعني نفي الصفات الزائدة على الذات.
فحين نقول: لدينا علم.
فعلمنا شيء، ونحن شيء آخر، لم نكن عالمين ثم تعلمنا العلم تدريجياً، ولو كانت لدينا معلومات منذ البداية، فعلمنا أيضاً غير وجودنا، أو أنّ ذلك العلم يشكل زاوية من وجودنا على وجه الدقّة.
وهكذا قدرتنا الكامنة في عضلاتنا وأعصابنا، إنّما تشكل زاوية أخرى من وجودنا، وهذا العلم والقدرة مختلفان ويشكلان زاويتين مختلفتين من وجودنا، فبعقولنا وأرواحنا ندرك ونفهم الحقائق، وبعضلاتنا القوية نرفع الأجسام الثقيلة من الأرض. فصفاتنا ليست عين ذاتنا ولا عين بعضها بعضاً. والأمر ليس كذلك بالنسبة للَّه؛ فذاته عين العلم وعين القدرة وعين الحياة والإدراك؛ أي أنّ العلم لا يشكل زاوية من ذاته ولا تشكل القدرة زاوية أخرى منها، فجميع ذاته علم وجميعها قدرة. وعليه فقدرته أيضاً عين علمه.
ولعل تصور هذا الموضوع يصعب على الكثير، ويظنونه ضرباً من الخيال، وبالطبع ربّما لهم بعض الحق؛ لأنّ صفاتنا ليست كذلك، حيث ألفنا الصفات التي يشكل كل منها جانباً من وجودنا وتختلف بعضها عن البعض الأخر، ومن هنا يصعب إدراك الصفات التي تمثل عين الذات، بل يبدو إدراكها مستحيلًا على بعض الأفراد. ونرى من الضرورة بمكان أن نستعين ببعض الأمثلة لتقريب الموضوع إلى الأذهان:
لو تأملنا الضوء وشعاعه، فكل شيء يبدو واضحاً من خلاله. وعليه فالكاشفية والايضاح إحدى صفات الضوء، ولكن هل هذه الخاصية كامنة في زاوية من وجود الضوء أم لا؟ بل الضوء كله كاشفية وايضاح.
مثال آخر: تقول أدلة التوحيد: إننا مخلوقات اللَّه وهو خالقنا، كما صرحت الأبحاث السابقة بشأن علم اللَّه: إننا معلومون للَّه، أي أنّ اللَّه عالم بوجودنا. واستناداً لما تقدم يرد هذا السؤال: هل مخلوقيتنا ومعلوميتنا للَّهوالتي تعتبر من صفاتنا يشكل كل منها زاوية من وجودنا أم لا؟
والجواب على هذا السؤال واضح، فكل وجودنا مخلوق للَّه، كما أنّ كل وجودنا معلوم لتلك الذات المقدّسة. وعليه فصفة المخلوقية والمعلومية غطت جميع وجودنا، وبعبارة
أخرى اتحدت مع كامل ذاتنا. طبعاً المراد من المثالين المذكورين الابتعاد عن المألوف لدينا من الصفات المتعارفة الزائدة على الذات، وإدراك الصفات التي تمثل عين الذات.[1]
[1]للوقوف على المزيد، انظر كتابنا: معرفة اللَّه.
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة