12- فلسفة غيبة المهدي عليه السلام
سؤال:
نعلم أنّ المهدي- الحجّة بن الحسن العسكري عليه السلام- غاب عن الأنظار عام 260 ه وقد مرّت لحد الآن ألف سنة على هذه الغيبة؛ والذي نريد أن نعرفه: ما فلسفة هذه الغيبة الطويلة؟
الجواب:
لابدّ من الإلتفات بادئ الأمر إلى أنّ غيبة الإمام عن أنظارنا لا تعني أنّه يعيش في عالم آخر غير عالمنا، أو تبدل وجوده الجسمي إلى وجود غير مرئي كأمواج الأثير؛ بل معنى غيبته أنّه يعيش بين الناس وأنّهم يرونه، لكنهم لا يعرفونه، وهو يعيش عيشة طبيعية.
أمّا لماذا طالت غيبته وما فلسفة ذلك؟ فلابدّ من القول: هنالك اختلاف كلي بين مشروع الإمام ومشروع الأنبياء وسائر الأوصياء، فمشروعه ليس تشريعياً، بل مشروعه إجرائي للعالم كافّة؛ بمعنى له مهمّة تطبيق جميع المبادئ الإسلامية في العالم وبسط العدل والقسط بين صفوفه. صحيح أنّ الأنبياء والأوصياء نفذوا جانباً من هذا المشروع، إلّاأنّ هذه القضية لم تتخذ بعداً عالمياً وشمولياً بفعل غياب الاستعداد عن أغلب ابناء العالم.
ومن الواضح أنّ تطبيق هذا المشروع الثوري العالمي الذي يهدف إلى بسط العدل والقسط وإشاعة الحق إنّما يتطلب بعض الشرائط والمقدمات التي لا تتحقق سوى من خلال تقادم الزمان وتكاملها من جميع الجوانب، ونشير إليها هنا وهي:
1- الاستعداد الروحي
لابدّ أن يكون المجتمع البشري متعطشاً لتطبيق المبادئ المذكورة، وما لم يكن لدى الناس «طلب» فسوف لن يكون هنالك أي تأثير لأيمشروع مادي ومعنوي. وبالطبع فإنّ قانون العرض والطلب لا يقتصر على الصعيد الاقتصادي، بل هو نافذ في المجالات الاجتماعية والسياسية. طبعاً إنّ تقادم الزمان وفشل القوانين المادية وظهور الأزمات العالمية الخانقة واتجاه البشرية نحو الحرب سيتعب البشرية ويفهمها هذه الحقيقة حيث أنّ القوانين المادية والمنظمات التي يصطلح عليها بالدولية ليست عاجزة عن حل مشاكلها ومعاناتها وبسط العدل والقسط في ربوع العالم فحسب، بل إنّ هذا التعب واليأس سيعدّها للتفاعل مع الثورة الشاملة، ونعلم أنّ هذا الموضوع بحاجة إلى وقت لتثبت التجارب المريرة عجز الأنظمة المادية والمدارس البشرية كافّة في بسط العدل وإحقاق الحق وإرساء قواعد الأمن والإستقرار، وبالتالي سيظهر لدى البشرية هذا الطلب إثر ذلك الياس والإحباط لتحقيق الأهداف الربّانية ويتمهد السبيل لخوض ثورة عالمية من قبل رجل رباني[1].
2- تكامل العلوم والثقافات البشرية
من جانب آخر هنالك حاجة ماسة لرقي العلوم والثقافات الاجتماعية بغية قيام حكومة عالمية على أساس العدل والقسط؛ وهذا لا يتحقق دون التقدم الفكري وتقادم الزمان. حيث
[1]إنّ إحدى علامات ظهور الإمام عليه السلام التي اتفق عليها الجميع أنّ الأرض تمتلئ ظلماً وجوراً ويخيم اليأس على حياة المجتمع البشري، والواقع أنّ هذا الظلم يشكل عبئاً على الإنسان بحيث يعده للتفاعل مع الثورة العالمية الشاملة من قبل ذلك الزعيم الربّاني.
يتعذر انبثاق الحكومة العالمية التي يسود العدل والقانون فيها أنحاء العالم كافّة وتتمتع البشرية فيها بالامتيازات الإسلامية الفردية والاجتماعية كافّة دون وجود ثقافة تقدمية في جميع الشؤون الإنسانية، وهذا بدوره يتطلب مزيداً من الوقت.
3- تكامل وسائل الإتصالات
وتتطلب هذه الحكومة أيضاً وسائل إتصالات متكاملة ليمكن من خلالها اطلاع المجتمعات على المقررات والمبادئ الإنسانية من خلال عدّة طرق وبأقصى مدّة زمنية؛ وهذا ما لا يتحقق دون رقي العجلة الصناعية ومرور الزمان.
4- استقطاب الطاقات البشرية
بغض النظر عن كل ما سبق فإنّ النهوض بهذا الهدف والتخطيط لهذه الثورة يتطلب طاقات بشرية فاعلة، تشكل في الواقع جيش الثورة العالمية، كما أنّ تشكيل هكذا جيش وظهور هؤلاء الأفراد المضحين إنّما يتوقف أيضاً على تقادم الزمان. ولعل ما ورد في الروايات بشأن فلسفة طول مدة غيبة الإمام في اختبار الناس وتمحيصهم إشارة إلى هذا الأمر؛ ذلك لأنّ الامتحان على ضوء المنطق الإسلامي لا يعني كشف الأمور الخفية على غرار الامتحانات العادية، بل المراد منه إعداد الأفراد وخلق الصفات السامية لديهم[1].
وبالتالي فإنّ هذه العوامل الأربعة[2]بحاجة إلى مرور زمان مديد وتطور في كافّة مرافق الحياة واستعداد روحي وفكري لدى الناس بغية قبول الحكومة العالمية القائمة على أساس الحق والعدالة؛ ومن ثم ينفذ هذا المشروع من قبل الإمام المهدي عليه السلام والحال يمكنه أن
[1]جميع الاختبارات الإلهيّة للأنبياء والأولياء لهذا الغرض. فما ورد بشأن نبي اللَّه ابراهيم «وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَرَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ» (سورة البقرة، الآية 124) من أجل الهدف المذكور لينفتح هذا النبي على مختلف التجارب فيتحلى بكامل الصمود والمجابهة.
[2]يمكن خلاصة العوامل الأربعة في ما يلي: 1- التكامل الروحي 2- التكامل الثقافي 3- تكامل وسائلالإتصالات 4- تشكيل جيش النهضة العالمية من الفئة المخلصة والمضحية.
يعيش بصورة طبيعية حتى يأذن له اللَّه بممارسة الثورة العالمية؟ وهناأن نقول إنّ الإمام يعيش بصورة طبيعية كسائر الناس، لكنه يتمتع بعمر طويل، والفرق بينه وبين جميع الأئمّة عليهم السلام، أنّه حين كان يأفل نجم إمام يبزغ نجم آخر، بينما ليس الأمر كذلك بالنسبة للمهدي عليه السلام، فهو آخر الأوصياء والمدخر لتطبيق المشروع.
وعليه لابدّ أن يعيش بصورة مجهولة حتى ينهض بهذه المهمّة. طبعاً ما ذكرناه كان بشأن فلسفة غيبة الإمام «عج» وعلة معيشته بصورة مجهولة، وأمّا منافع غيبة الإمام وكيف يستفيد منه الناس فهذا موضوع آخر خارج البحث و خارج عن تطاق السؤال المذكور.
13- هل يشبه دعاء الندبة عقائد الكيسانية؟!
سؤال:
قرأنا في كتاب أنّ في دعاء الندبة عبارات لا تنسجم مع عقائد الشيعة الإمامية وتشبه عقائد الفرق الكيسانية. وإليك العبارة الواردة في الكتاب: أشير في دعاء الندبة إلى هذه المسألة حيث يسأل:«ليت شعري اين استقر بك النوى، بل أي أرض تقلك أو ثرى؟
أبرضوى أم ذي طوى ...؟». لا أدري لماذا يبحث هذا الدعاء الذي يقرأ اليوم في أغلب المحافل الدينية ويخاطب فيه إمام الزمان «و قد شاع كثيراً في السنوات الاخيرة و شكلت حلقات خاصة لهذا الامر» فلماذا يطلب المهدي في ذي طوى ورضوى الذي يعتبر موضوع محمد بن الحنفية (إمام زمان الفرقة الكيسانية) حيث تعتقد هذه الفرقة أنّه غاب عن الأنظار في هذا الجبل وسيظهر منه فيندبه أتباعه ويتضرعون عند هذا الجبل ليقوم بالأمر.
وبغض النظر عن عدم إرتباط قضية المهدي عليه السلام بهذا الجبل سواء في حياته أو غيبته الصغرى أو الكبرى أو ما بعد الظهور، فإنّ غيبته ليست بمعنى لجوئه إلى مكان معين، بل له حضور في كل مكان ونحن الذين لا نتعرف عليه، وبناء على ذلك فالسؤال عن مكانه الخفي لا ينسجم ظاهراً مع غيبة المهدي الموعود عليه السلام لدى الإمامية والمطالعة الدقيقة لمتن دعاء الندبة الذي يذكر ائمتنا صراحة و حسب ترتيب اسمائهم، و بعدالامير عليه السلام والحديث عن
فضائله ومناقبه يخاطب فجأة ودون واسطة الامام الغائب، فيلح في طرح هذا السؤال. على كل حال نطرح هذا السؤال كمطلب علمي فقط و ليس حكماً قطعياً.
الجواب:
إنّ دعاء الندبة حقّاً من الأدعية العميقة والسامية. فهو غاية في الفصاحة والبلاغة من حيث المضمون فلابدّ من القول أنّه دعاء علمي وثوري وعقائدي وسياسي وفي نفس الوقت مفعم بالأحاسيس المرهفة، فإن أُدركت مفاهيمه يمكن أن تلهم الأمّة مقومات المواجهة الاجتماعية ومناهضة الظلم (طبعاً بشرط الإدراك، لا بصيغة التحذير).
فقد استهل الدعاء بالإشارة إلى فلسفة بعثة الأنبياء، ومن ثم إشارة عابرة إلى سيرتهم واختلاف درجاتهم، مروراً إلى فلسفة بعثة الأنبياء، ومن ثم إشارة عابرة إلى سيرتهم واختلاف درجاتهم، مروراً بالتركيز على نبي الإسلام صلى الله عليه و آله وعظم منزلته، إلى الإسهاب في إمامة وصي النبي صلى الله عليه و آله علي عليه السلام على ضوء الأدلة القاطعة والروايات والآيات المتفق عليها من قبل الفرق الإسلامية كافّة، كما وردت الإشارة إلى أسباب قيام جماعة من الأمّة ضد أهل البيت عليهم السلام وبالتالي ما تعرضوا له من قتل ونفي ودعوة الأئمّة الواحد تلو الآخر، بحيث تشد القلوب نحو نهضة المهدي عليه السلام، ومن ثم يبدأ خطاب الإمام عليه السلام بسياق يفيض بالحب والحنان والعواطف الإنسانية، ويختتم الدعاء بشرح المشروع الإصلاحي والثوري للإمام عليه السلام وشيء من التضرع والاستغاثة. هذا من حيث مضامين الدعاء. أمّا ما تصوره البعض من أنّ هذا الدعاء يشبه عقائد الكيسانية فمرفوض تماماً.
وهنا لابدّ من تسليط الضوء على بعض خصائص الفرقة الكيسانية، ومن ثم نرد من مضمون الدعاء على التصور السابق:
«الكيسانية»:كما وردت في بعض كتب العقائد والمذاهب، كانت فرقة شيعية إمامية، اعتقدت بامامة محمد بن الحنفية بعد الإمام الحسين عليه السلام، وقيل سموا بالكيسانية نسبة لأحد أنصار هذه الفرقة ويدعى«كيسان»الذي كان يزعم حبّ علي عليه السلام، وقيل إنّ كيسان أحد
ألقاب المختار بن أبي عبيدة أحد أتباع هذه الفرقة. ورغم تفرع هذه الفرقة، إلّاأنّ الطائفة المشهورة منها تعتقد بأنّ محمد بن الحنفية حي الآن ويعيش في جبل «رضوى» أطراف المدينة، وهو المهدي الموعود.
وأنشد شاعرهم «كثير» بهذا الشأن:
ألا إنّ الأئمّة من قريشٍ
وُلاةُ الحق أربعة سواءُ
عليٌّ والثلاثة من بنيه
هم الأسباط ليس بهم خفاءُ
وسبط لا يذوق الموت حتى
يقود الخيل يقدمها الولاءُ
يُغيّب لا يُرى فيهم زماناً
برضوى عنده عسل وماءُ
أشار الشاعر في أبياته إلى علي عليه السلام وأبنائه الثلاثة، ثم أشار إلى غيبة محمد الحنفية في جبل «رصوى». طبعاً أتباع هذه الفرقة اليوم قلائل، وغالباً ما نعثر على أسمائهم في كتب تاريخ الأديان. ونعود الآن إلى أصل الموضوع:
فدعاء الندبة يفند عقائد الكيسانية وينسجم تماماً مع عقائد الشيعة الإمامية:
1- نقرأ في ثلاث عبارات من دعاء الندبة بشأن نسب المهدي «عج»:«وابن خديجة الغراء»و«ابن فاطمة الكبرى»و«جدته الصديقة الكبرى فاطمة بنت محمد». فهو ابن خديجة وفاطمة عليها السلام. والحال ليست هنالك من نسبة لمحمد بن الحنفية بخديجة وفاطمة بنت النبي صلى الله عليه و آله، فأمّه«خولة الحنفية بنت جعفر بن قيس، ولا رابطة لها بخديجة أو فاطمة الزهراء عليها السلام». وعليه فمن العجيب أن يُشبّه دعاء الندبة بعقائد الكيسانية، ولو فرضنا الشبهة لكلمة «رضوى»- وليس من شأنها إثارة شبهة كما سترى- فإنّ هذه العبارات الثلاث يمكنها آزالة أيّة شبهة.
2- ورد في هذا الدعاء بعد عبارة ابن أبناء الحسين«صالح بعد صالح وصادق بعد صادق، أين السبيل بعد السبيل، أين الخيرة بعد الخيرة، أين الشموس الطالعة، أين الأقمار المنيرة، أين الأنجم الزاهرة، أين أعلام الدين وقواعد العلم، أين بقية اللَّه ...؟».
فهذه العبارات تقول صراحة إنّ بعد الإمام الحسين عليه السلام عدّة أئمّة سينهض الواحد تلو الآخر لإصلاح الأمّة والدعوة إلى اللَّه وبسط العلم والمعرفة حتى يصل آخر حجة ليخاطب بصيغة المفرد. فهل هناك من شبه بعقائد الكيسانية، الذين لا يرون لولد الحسين عليه السلام من مقام ولا يعترفون بامام بعد محمد بن الحنفية؟
أوَليسَ من العجب أن يقال انقطع الموضوع بعد ذكر ولاية علي عليه السلام وأغمض عن الأئمّة واقتصر الكلام على المهدي وهذا ينسجم مع عقائد الكيسانية! أو لا تكفي هذه العبارات العشر المتسلسلة سائر الأئمّة كونها لا تصرح بأسماء الأئمّة عليهم السلام؟ وهل عشر عبارات قليلة في ردّ عقائد الكيسانية؟!
3- إننا نخاطب ولي العصر في هذا الدعاء قائلين:«بنفسي أنت من مغيب لم يخل منّا، بنفسي أنت من نازح ما نزح عنّا»فنراه بيننا وقريب منّا، وهذا يشير إلى أنّ غيبته ليست من قبيل وجود لا مرئي وغائب عن الأنظار في مكان معين، بل يتردد بصورة غير معروفة في الأوساط دون أن يكون له مكان ثابت.
4- اتضح ممّا ذكرنا أنّ فقرات هذا الدعاء تفند الواحدة تلو الأخرى العقائد الخرافية للفرقة الكيسانية، وتنطبق تماماً على عقائد الشيعة الإمامية. ولا تبقى سوى كلمة «رضوى» في إحدى عبارات الدعاء والتي تتضح من خلال الرجوع إلى المصادر الإسلامية (لابدّ من التأمل).
توضيح ذلك:كتب صاحب معجم البلدان ياقوت الحموي: إنّ «رضوى ... جبل في أطراف المدينة ورضوي (على وزن رجبي) منسوب إليه، وقال النبي الأكرم صلى الله عليه و آله بشأن هذا الجبل: رضوي جبل رضى اللَّه عنه. ثم قال بعد أن ذكر سائر الجبال المقدسة: قال عرام بن أصبع السلمي: رضوي جبل يبعد مسيرة يوم عن ينبع وسبعة منازل عن المدينة وقد أخبرني من سار إلى هذا الجبل أنّ فيه ماءً كثيراً ونخيلًا وهذا هو الجبل الذي تعتقد الكيسانية: أنّ محمد بن الحنفية مقيم فيه وهو حي». وأمّا «ذي طوى» الذي ورد بعد جبل رضوى في دعاء الندبة، فأحد الجبال الواقعة أطراف مكة على طريق «تنعيم» ويبعد فرسخاً عن مكة وترى