وإننا نبحث في فلسفة الأحكام لنقف على آثارها وأهميتها، لا لنرى هل ينبغي العمل بها أم لا؟ فالقضية أشبه بالطبيب الحاذق الذي يقدم بعض الايضاحات لأدوية معينة، لنقبل عليها ونتفاعل معها، لأنّ استعمالها مشروط بذلك التوضيح، ذلك لأنّه ينبغي أن نكون أطباء أيضاً.
جدير بالذكر أنّ المراد من دراسة أسرار الأحكام أن تحوك بعض الخيالات لتفسير بعض الأحكام الشرعية وتزعم أنّ هذه هي فلسفة وأسرار هذا الحكم أو ذاك، كأن نعتبر الصلاة مثلًا رياضة بدنية وحركات سويدية والأذان وسيلة لتقوية الحبال الصوتية والصوم كنظام لإضعاف البدن والحج وسيلة لمساعدّة البدو والركوع والسجود رياضة للعمود الفقري! كلا ليس المراد ذلك؛ ذلك لأنّ هذه الخزعبلات المضحكة لا تشدّ أحداً إلى الأحكام، بل تدفع لفقدانها قيمتها واعتبارها.
2- كيف نتعامل مع فلسفة الأحكام
يفيد منطق القرآن الكريم ونهج الأئمّة الأطهار عليهم السلام أنّ لكل مسلم الحق في تحري أسرار وفلسفة الأحكام. إلّاأنّ هذا لا يعني أن نعرض بعض الأمور التي تساور أذهاننا كفلسفة لحكم دون أيّة ضابطة ودليل. ذلك أنّ الكلام العبثي في الواقع عبارة جافة ومقيتة. إذن كيف نتعامل مع هذه القضية؟ ما يجدر ذكره أنّ إمتثال الأحكام الشرعية كما نعلم لا يضيف شيئاً إلى جلال اللَّه وكبريائه ولا تحط المعصية من عظمته، كما قال أمير المؤمنين على عليه السلام:«لا تضرّه معصية من عصاه ولا تنفعه طاعة من اطاعه». فهو مطلق الوجود، وكل ما لدينا منه، وهو الغني عن كل شيء، وكل ما يأتينا من خزائنه وبمقدار معين كما يراه:«وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ»[1]فهل يسع القطرة أن تضيف شيئاً إلى البحر، أم هل يسع مرآة صغيرة إفاضة الضوء على الشمس. وعليه فإن كانت هنالك من فائدة في هذه الأحكام فهي لنا.
ومن جانب آخر لسنا جسماً فقط ليكون كل حكم من اللَّه لتربية أجسامنا وصحتنا، ولا روحاً فقط ليكون الهدف المعنوي هو فلسفة تشريعها. بل نحن جسم وروح والأحكام تتعامل معهما. وعليه فنحن نتحرّى الفوائد الطبية أو الموانع الاقتصادية والمادية في
[1]سورة الحجر، الآية 21.
الأحكام الشرعية ونرى حتى الصلاة والدعاء والمناجاة كوسيلة لتسكين آلامنا الروحية واضطراباتنا ومعاناتنا ومن يبحث عن شيء آخر فهو على خطأ، كما يخطىء ذلك الذي يتصور حتى استحباب لبس الثياب النظيفة وتقليم الأظافر وإزالة آثار العنكبوت وعدم الشرب من الآنية المكسورة يتعلق بالآثار الأخلاقية والمعنوية والروحية، بل بعض الأحكام الإسلامية شرعت لأمور أخلاقية وتكامل روحي، وبعضها الآخر لنظم الحياة المادية، وأغلبها تنطوي على البعدين. نعود الآن لأصل الموضوع لنرى الضابطة التي ينبغي اعتمادها في التعامل مع فلسفة الأحكام.
فالأحكام الشرعية تقسم إلى أربعة:
1- الأحكام الواضحة فلسفتها للجميع منذ بعثة النبي الأكرم صلى الله عليه و آله وكلّ أدرك بعضها حسب علمه، وقد تقننت بغية إمتثالها من قبل الجميع، كحرمة الكذب والخيانة والتهمة وقتل النفس والسرقة والظلم والاحتكار والتطفيف في الميزان والأمر بالعدالة والصدق وإعانة الضعفاء والعمل والمثابرة وبر الوالدين والإحسان إلى الجار وما شابه ذلك، والتي يدرك فلسفتها كل فرد بغض النظر عن معلوماته.
2- الأحكام التي لم تتضح فلسفتها للناس- وأحياناً لعلمائهم آنذاك- وقد أشير إليها في القرآن أو كلمات الأئمّة، مثلًا ربّما لا يعلم الناس آنذاك الفلسفة الثلاثية الأبعاد (الأخلاقية والاجتماعية والصحية) للصوم لذلك أشار القرآن إلى تأثيره التربوي والأخلاقي فقال:
«لَعَلّكُم تَتَّقُونَ»[1]وأشار الإمام الصادق عليه السلام إلى تأثيره الاجتماعي فقال:«ليستوي به الفقير والغني»وقال النبي صلى الله عليه و آله:«صوموا تصحوا».ونظير هذه الأحكام كثير ممّا وردت الإشارة إلى أسرارها في متون الآيات وأحاديث النبي صلى الله عليه و آله والأئمّة عليهم السلام، وكما أشرنا سابقاً هناك كتاب بهذا الخصوص «علل الشرائع» لأحد كبار المحدثين «الشيخ الصدوق»، كما ذكر المحدث المعروف «الشيخ الحر العاملي» في بداية كل فصل من كتابه وسائل الشيعة فلسفة بعض الأحكام.
[1]سورة البقرة، الآية 179.
ولكن لابدّ من الإلتفات إلى أنّ ذكر هذه الأسرار والمنافع استناداً لتناسبه مع المستوى الفكري للناس ليس بمعنى انحصار تلك الفلسفة في ما ذكر ولا يمنع من استثارة الفكر لإدراك المزيد.
3- الأحكام التي تنكشف فلسفتها بفعل التقدم والرقي البشري ومرور الزمان ويسعنا اعتبارها دليلًا على عظمة وأصالة هذه الأحكام السماوية. مثلًا الآثار البدنية والروحية والاجتماعية الضارة للمشروبات الكحولية إلى جانب تأثيرها على الجينات والجنين والتي كشفها اليوم العلم، أو الاختلالات العصبية والوفيات الناشئة من جلسات القمار، أو الأخطار التي يفرزها التقسيم غير العادل للثروات، والاضرار الاقتصادية والأخلاقية للربا والتي أحصتها المصادر ذات الصلة.
ولكن لابدّ من الإلتفات إلى موضوع في غاية الأهميّة وهو أنّ أي إفراط وأحكام خاطئة وضيق أفق ورؤى كاذبة والأهم من كل ذلك تحميل القوانين المسلمة بعض الفرضيات غير المبرهنة علمياً، إنّما يبعدنا فراسخ عن الحقيقة ويقودنا إلى متاهات كبيرة بدل تعريفنا بأسرار وفلسفة الأحكام. وعليه فما لم يبرهن العلم على ويكسبه صيغة حسية لا ينبغي جعله أساساً في توضيح فلسفة الأحكام.
4- الطائفة الأخيرة من الأحكام التي لم تكن واضحة منذ بدايتها، كما لم ترد إشارة إليها في المتون الإسلامية ولم تظفر بأسرارها لحدّ الآن ونماذج ذلك عدد ركعات الصلاة وحد نصاب موارد الزكاة التسعة وبعض مناسك الحج.
هل ستميط الأجيال القادمة اللثام عنها بتقدم العلم والمعرفة؟
هل كلف آخر أوصياء النبي الأكرم صلى الله عليه و آله بتوضيحها وتفسيرها؟
هل لهذه الأحكام بعد انضباطي؟
هل هي أسرار لا يسع حتى العلم في المستقبل سبر أغوارها؟ ... ليس لدينا أي علم بذلك؛ وكل ما نعلمه أنّ الطائفة الرابعة من الأحكام وعلى غرار سابقاتها واجبة التنفيذ ...
فهي تستند جميعاً إلى مصدر واحد. وأدلة إمتثالها ثابتة بالأدلة القطعية.
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
3- لماذا نقلد في المسائل الدينية؟
يفتح الإنسان عينه على هذا العالم ولا يعلم شيئاً، فيضطر إلى الاستفادة من تجارب الآخرين ويغترف من علومهم ومعارفهم، ذلك لأنّه بحاجة إلى هذا العلم في مسيرته الشائكة في هذه الحياة.
ولعل الحياة تقوم على أساس محورين؛ العلم والعمل، والعمل يحتاج إلى العلم، وعليه فالخطوة الأولى تبدأ بالعلم. وهنا يستمد الإنسان من إحدى غرائزه والتي تكشف له طريق الكمال والسعادة وهي غريزة«الاقتباس» و «التقليد»يتعلم من والديه شيئاً فشيئاً النطق وآداب الجلوس والقيام ويطوي كل يوم مرحلة من مراحل الحياة وينفتح كل يوم على العلوم والمعارف وأفكار الآخرين ليتعرف على موجودات هذا العالم ويقف على وظائفه.
لكن لابدّ من الإلتفات إلى أنّ التقليد لأفكار الآخرين بصورة كلية ليس صحيحاً، بل للتقليد أقسام هي:
1- تقليد الجاهل للجاهل
من الواضح أنّ هذا التقليد بغض النظر عن عدم إيصاله الإنسان إلى السعادة، فهو يهوي به إلى البؤس والشقاء، والمؤسف أنّ في مجتمعنا العديد من الأفراد الذين يقلدون سائر الأُمم في أخلاقها بصورة عمياء. فهم يقلدونهم في إرتداء الثياب وتناول الأطعمة وتسمية الأولاد
و ... بالإضافة إلى اتباعهم في إشاعة الفواحش والمنكرات وأسلوب التفكير والإعتقاد تحت مسميات شتى.
وقد وردت عدّة آيات في ذمّ هذا النوع من التقليد، ومنها ما قاله الوثنيون لرسلهم:«إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ»[1].
2- تقليد العالم للجاهل
وواضح أنّ هذا القسم أسوأ من سابقه وأخطر، ذلك لأنّ العالم يجب أن ينطلق من علمه ليعمل بوظيفته وهذا أقبح تقليد بأن يتخلى العالم عن علمه ويتبع الآخرين.
3- تقليد العالم للعالم
طبعاً لا ينبغي أن يقلد العالم آخر مثله في العلم وينبغي عليه العمل بعلمه، ومن هنا ذكر الفقهاء، إن بلغ العالم الاجتهاد يعمل باجتهاده. ولذلك يكتبون في إجازات الاجتهاد «يحرم عليه التقليد» ولابدّ أن يعمل حسب رأيه، وبالطبع هذا لا يتنافى مع استشارته لسائر العلماء في المسائل العلمية، بل المراد استقلالية العالم في القرار وعدم الاستسلام لآراء الآخرين دون تريث.
4- تقليد الجاهل للعالم
هذا القسم من التقليد ما تقتضيه الفطرة والعقل والمنطق السليم، وعلى أساس هذا العقل والمنطق تذهب إلى المعمار في بناء عمارة وإلى الخياط لخياطة الملابس وإلى الطبيب حين المرض. والخلاصة فإنّ العقل والمنطق والفطرة يرشدنا إلى كل مختص بمجاله. وهذا هو المنطق الذي يدعونا للرجوع إلى الفقهاء لتقليدهم في الأحكام الشرعية. الفقهاء الذين أجهدوا أنفسهم لسنوات في كسب العلوم والمعارف حتى نالوا مرتبة الاجتهاد، أي أصبحت لديهم القدرة على استنباط الأحكام الشرعية وتزويد الناس بها. وهم الفقهاء المنصبون من قبل أئمّة الدين بغية ضمان سعادة الناس وفلاحهم.
[1]سورة الزخرف، الآية 23.
جدير بالذكر، للعلوم البشرية عدّة فروع، وربّما ينبغ العالم في فروع دون أن يعلم شيئاً عن فرع آخر، وعليه لابدّ له من الرجوع في ذلك الفرع إلى المختص به. فالطبيب أو المهندس البارع في تخصصه، ربّما يرد منطقة ويبحث عن زقاق فلا يجده فينبغي أن يسأل الآخرين ليدلّوه عليه. أو مثلًا، يمرض شخص مختص بعلم الفلك، فلابدّ له من مراجعة الطبيب، كما يجب عليه إمتثال أوامر الطبيب دون نقاش. ويتضح مما سبق علية ضرورة تبعية الناس للمجتهد، ذلك لأنّ المجتهد متخصص في عدّة علوم أساسية في الاجتهاد والفقاهة من قبيل الصرف والنحو واللغة والكلام والمنطق والتفسير والرجال والدراية والحديث والأصول والفقه. ولعلك ترى كتاباً صغيراً يسمى (الرسالة العملية) ولا تدري أنّ هذه الرسالة حصيلة عمر الفقيه وقد سطرها بجهود جبارة ومعاناة شاقة ووضعها تحت تصرف الأمّة. فالاجتهاد ليس قضية سهلة، بل الاجتهاد يعني المعرفة بالأحكام السماوية كافّة ذات التأثير المباشر على الحياة الفردية والاجتماعية.
الشيخ مرتضى الأنصاري رحمه الله الذي يعتبر أحد العظماء ومن مفاخر مراجع مدرسة الإسلامية يقول في كتابه (الرسائل) بشأن الاجتهاد:«رزقنا اللَّه الاجتهاد الذي هو أشدّ من طول الجهاد».
يذكر أنّ تقليد المجتهد يختص بالفروع لا الأصول، بعبارة أخرى، لابدّ أن يقف المكلّف بنفسه على دليل معرفة اللَّه سبحانه والنبي الأكرم صلى الله عليه و آله لأنّها من أصول الدين، ولكن بعد قبول هذه الأصول على أساس الدليل والمنطق يأتي دور الفروع وعليه أن يرجع إلى المتخصصين بالعلوم الدينية، حيث يتعذر عليه إدراك المصادر الدينية كالقرآن والحديث وسائر المصادر.
كما أنّ تقليد المجتهدين لا يصح في المسائل الإسلامية القطعية كوجوب الصلاة والحج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وحرمة الكذب والخيانة وشرب الخمر والقمار، ذلك لأنّها من الأمور المعلومة للجميع ولا تحتاج إلى تقليد، وعليه فالتقليد يقتصر على الأحكام الفرعية غير القطعية.