3- لماذا نقلد في المسائل الدينية؟
يفتح الإنسان عينه على هذا العالم ولا يعلم شيئاً، فيضطر إلى الاستفادة من تجارب الآخرين ويغترف من علومهم ومعارفهم، ذلك لأنّه بحاجة إلى هذا العلم في مسيرته الشائكة في هذه الحياة.
ولعل الحياة تقوم على أساس محورين؛ العلم والعمل، والعمل يحتاج إلى العلم، وعليه فالخطوة الأولى تبدأ بالعلم. وهنا يستمد الإنسان من إحدى غرائزه والتي تكشف له طريق الكمال والسعادة وهي غريزة«الاقتباس» و «التقليد»يتعلم من والديه شيئاً فشيئاً النطق وآداب الجلوس والقيام ويطوي كل يوم مرحلة من مراحل الحياة وينفتح كل يوم على العلوم والمعارف وأفكار الآخرين ليتعرف على موجودات هذا العالم ويقف على وظائفه.
لكن لابدّ من الإلتفات إلى أنّ التقليد لأفكار الآخرين بصورة كلية ليس صحيحاً، بل للتقليد أقسام هي:
1- تقليد الجاهل للجاهل
من الواضح أنّ هذا التقليد بغض النظر عن عدم إيصاله الإنسان إلى السعادة، فهو يهوي به إلى البؤس والشقاء، والمؤسف أنّ في مجتمعنا العديد من الأفراد الذين يقلدون سائر الأُمم في أخلاقها بصورة عمياء. فهم يقلدونهم في إرتداء الثياب وتناول الأطعمة وتسمية الأولاد
و ... بالإضافة إلى اتباعهم في إشاعة الفواحش والمنكرات وأسلوب التفكير والإعتقاد تحت مسميات شتى.
وقد وردت عدّة آيات في ذمّ هذا النوع من التقليد، ومنها ما قاله الوثنيون لرسلهم:«إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ»[1].
2- تقليد العالم للجاهل
وواضح أنّ هذا القسم أسوأ من سابقه وأخطر، ذلك لأنّ العالم يجب أن ينطلق من علمه ليعمل بوظيفته وهذا أقبح تقليد بأن يتخلى العالم عن علمه ويتبع الآخرين.
3- تقليد العالم للعالم
طبعاً لا ينبغي أن يقلد العالم آخر مثله في العلم وينبغي عليه العمل بعلمه، ومن هنا ذكر الفقهاء، إن بلغ العالم الاجتهاد يعمل باجتهاده. ولذلك يكتبون في إجازات الاجتهاد «يحرم عليه التقليد» ولابدّ أن يعمل حسب رأيه، وبالطبع هذا لا يتنافى مع استشارته لسائر العلماء في المسائل العلمية، بل المراد استقلالية العالم في القرار وعدم الاستسلام لآراء الآخرين دون تريث.
4- تقليد الجاهل للعالم
هذا القسم من التقليد ما تقتضيه الفطرة والعقل والمنطق السليم، وعلى أساس هذا العقل والمنطق تذهب إلى المعمار في بناء عمارة وإلى الخياط لخياطة الملابس وإلى الطبيب حين المرض. والخلاصة فإنّ العقل والمنطق والفطرة يرشدنا إلى كل مختص بمجاله. وهذا هو المنطق الذي يدعونا للرجوع إلى الفقهاء لتقليدهم في الأحكام الشرعية. الفقهاء الذين أجهدوا أنفسهم لسنوات في كسب العلوم والمعارف حتى نالوا مرتبة الاجتهاد، أي أصبحت لديهم القدرة على استنباط الأحكام الشرعية وتزويد الناس بها. وهم الفقهاء المنصبون من قبل أئمّة الدين بغية ضمان سعادة الناس وفلاحهم.
[1]سورة الزخرف، الآية 23.
جدير بالذكر، للعلوم البشرية عدّة فروع، وربّما ينبغ العالم في فروع دون أن يعلم شيئاً عن فرع آخر، وعليه لابدّ له من الرجوع في ذلك الفرع إلى المختص به. فالطبيب أو المهندس البارع في تخصصه، ربّما يرد منطقة ويبحث عن زقاق فلا يجده فينبغي أن يسأل الآخرين ليدلّوه عليه. أو مثلًا، يمرض شخص مختص بعلم الفلك، فلابدّ له من مراجعة الطبيب، كما يجب عليه إمتثال أوامر الطبيب دون نقاش. ويتضح مما سبق علية ضرورة تبعية الناس للمجتهد، ذلك لأنّ المجتهد متخصص في عدّة علوم أساسية في الاجتهاد والفقاهة من قبيل الصرف والنحو واللغة والكلام والمنطق والتفسير والرجال والدراية والحديث والأصول والفقه. ولعلك ترى كتاباً صغيراً يسمى (الرسالة العملية) ولا تدري أنّ هذه الرسالة حصيلة عمر الفقيه وقد سطرها بجهود جبارة ومعاناة شاقة ووضعها تحت تصرف الأمّة. فالاجتهاد ليس قضية سهلة، بل الاجتهاد يعني المعرفة بالأحكام السماوية كافّة ذات التأثير المباشر على الحياة الفردية والاجتماعية.
الشيخ مرتضى الأنصاري رحمه الله الذي يعتبر أحد العظماء ومن مفاخر مراجع مدرسة الإسلامية يقول في كتابه (الرسائل) بشأن الاجتهاد:«رزقنا اللَّه الاجتهاد الذي هو أشدّ من طول الجهاد».
يذكر أنّ تقليد المجتهد يختص بالفروع لا الأصول، بعبارة أخرى، لابدّ أن يقف المكلّف بنفسه على دليل معرفة اللَّه سبحانه والنبي الأكرم صلى الله عليه و آله لأنّها من أصول الدين، ولكن بعد قبول هذه الأصول على أساس الدليل والمنطق يأتي دور الفروع وعليه أن يرجع إلى المتخصصين بالعلوم الدينية، حيث يتعذر عليه إدراك المصادر الدينية كالقرآن والحديث وسائر المصادر.
كما أنّ تقليد المجتهدين لا يصح في المسائل الإسلامية القطعية كوجوب الصلاة والحج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وحرمة الكذب والخيانة وشرب الخمر والقمار، ذلك لأنّها من الأمور المعلومة للجميع ولا تحتاج إلى تقليد، وعليه فالتقليد يقتصر على الأحكام الفرعية غير القطعية.
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
4- لماذا نعبد اللَّه ما فلسفة الصلاة والصوم والحج؟
سؤال:
لم نعبد اللَّه ونعلم أنّ اللَّه ليس بحاجة إلى عبادة أحد؟ إنّه غني عن الجميع، والجميع محتاج إليه، ولو احتاج لعبادتنا فإنّ ذلك لا ينسجم مع مقام اللَّه.
الجواب:
يمكن الاجابة عن هذا السؤال بصورتين «إجمالية» و «مفصلة».
الاجابة المجملة:إن كان الهدف من عبادتنا تلبية حاجة للَّهوإيصال نفع إليه، يرد السؤال المذكور في أنّ اللَّه وجود مطلق ولا متناهٍ ومنزّه من كل نقص وحاجة، فما حاجته لعبادتنا؛ ولكن إن كان الهدف من عبادته تكاملنا، فسيكون أمره بالعبادة لطف ورحمة وإرشاد إلى الكمال والسعادة.
الاجابة المفصلة:لكل عبادة وعمل يهدف رضى اللَّه سلسلة من الآثار الفردية والاجتماعية القيمة، وهي في الواقع أعظم وسيلة تربوية وأخلاقية، للأسباب التالية:
أولًا:إنّ العبادة تثير لدى الإنسان الشعور بالشكر والتقدير، فشكره للنعم التي زوده بها
اللَّه دليل جدارته بما أفيض عليه من ألطاف.
ثانياً:إنّ العبادة والخضوع للَّهأساس تكامل الإنسان الروحي، فأي تكامل أسمى من أن ترتبط روحنا بالكمال المطلق «اللَّه» وتستلهم قدرته اللامتناهية في القيام بوظائف العبودية فتؤهله لمناجاة اللَّه. وتظهر هذه المزايا التي أشرنا إليها باختصار في العبادات كافّة التي تتمّ بصورة صحيحة، مع العلم أنّ لكل عبادة كالصلاة والصوم والحج و ... آثارها وميزاتها الخاصة بها، ونشير هنا إلى بعض أسرار هذه العبادات على نحو الاختصار لتتضح لنا فائدة هذه العبادات والتي لا يحتاجها اللَّه.
أسرار الصلاة:
1- الصلاة توجب ذكر اللَّه
إنّ ذكر اللَّه أفضل وسيلة للسيطرة على الغرائز الجامحة والحيلولة دون روح الطغيان.
فالمصلي يذكر اللَّه دائماً؛ اللَّه العليم بكل صغيرة وكبيرة، والعليم بكل ما يساور أذهاننا ويخطر على قلوبنا، وإنّ أقل ما يفعله هذا الذكر اعادة الاعتدال إلى اهوائنا وتطلعاتنا، كما أنّ الغفلة عن ذكر اللَّه وتناسي ثوابه وعقابه توجب ظلمة العقل والتفكير. فالإنسان الغافل لا يفكر في عاقبة أفعاله ولا يعرف من حدود لارضاء غرائزه الجامحة ورغباته، والصلاة هي التي تذكره خمس مرّات يومياً باللَّه وتدفع عنه ظلمة الغفلة.
حقاً إنّ ذكر اللَّه أفضل السبل للسيطرة على غرائز الإنسان المتجذرة في أعماقه فيعيده إلى رشده وصوابه، ومن هنا يعرض القرآن لأحد أسرار ذكر اللَّه فيقول:«أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكرِي»[1].
2- الابتعاد عن المعصية
إنّ المصلي مضطر لاجتناب أغلب المعاصي بغية صحّة صلاته وقبولها، فمثلًا أحد شرائط الصلاة إباحة الوسائل المستعملة في الصلاة من قبيل ماء الوضوء والغسل والثياب
[1]سورة طه، الآية 14.
والمكان، وهذا يدفعه لمجانبة الحرام والجد في كسب الحلال، ذلك لأنّه من الصعف أن يتقيد الإنسان بحلّية ما له صلة بالصلاة ويهمل الأمور الأخرى، وهذا ما أشارت له الآية الشريفة«إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الفَحشاءِ وَالمُنكَرِ»[1]. سيما إن إلتفت المصلي إلى أنّ شرط قبول الصلاة التزام المصلي بأداء الزكاة والحقوق الشرعية واجتناب الغيبة والكبر والحسد وشرب الخمر، واستحضار النيّة والتوجه إلى اللَّه.
ومن هنا شبّه رسول اللَّه صلى الله عليه و آله الصلاة بعين الماء التي يغتسل منها الإنسان كل يوم خمس مرّات فهل يبقى عليه شيء من الدرن. وهكذا من يصلي كل يوم خمس مرّات يطهر قلبه من الرجس والدرن.
3- النظافة والصحة
يعمد المصلي إلى الوضوء عدّة مرّات كل يوم وأحياناً الغسل، وعليه سيكون بالتالي فرداً نظيفاً بعيداً عن كل وساخة. وعليه فالصلاة عامل مساعد للأمور الصحية.
4- الانضباط والدقّة
لكل صلاة وقت معين، وعلى المصلي أن يأتي بصلاته في تلك الأوقات، ومن هنا فإنّ هذه الشعيرة الإسلامية تساعد على الإنضباط والدقّة في الوقت. خاصة أنّ المصلي ينبغي أن ينهض لصلاة الصبح قبل طلوع الشمس، فهو يستهل يومه بنشاط فضلًا عن الهواء الطلق والنقي الذي يستنشقه. ولا تقتصر الآثار التربوية الفردية للصلاة في ما ذكر، وليس ذلك إلّا غيض من فيض أسرار هذه العبادة العظيمة.
الأسرار الاجتماعية للصلاة:
إنّ الصلاة في الأوقات المعيّنة نموذج لوحدة الأمّة الإسلامية ولحمتها؛ ذلك لأنّ المسلمين كافّة يستقبلون القبلة في أوقات معينة وبآداب خاصة، وهذا بدوره يكشف عن اتحاد الأمّة بفضل تلك الشعيرة. وعلل هذه الوحدة تتضح أكثر في صلاة الجماعة وانتظام
[1]سورة العنكبوت، الآية 45.
صفوفها، ولسنا بحاجة لتوضيح أهميّة هذا الاتحاد المعنوي. ورغم عدم إقتصار الأسرار والفوائد الاجتماعية والتربوية للصلاة على ما ذكر، إلّاأنّ ذلك يكفي لبيان عظمة أسرار هذه الفريضة.
قبسات من أسرار الصوم:
الصوم أحد الفرائض الإسلامية، ولعل أحد آثاره التربوية أنّه يضع حدّاً«لحكومة العادة والشهوة»على الإنسان وينقذه من عبوديته للرغبات النفسانية. فأخطر وأسوأ الحكومات حكومة الرغبة السيئة وعبودية النفس، ولعل أبسط رغبة- كإدمان التدخين- يسيء إلى عزّة النفس فضلًا عن سائر الرغبات. والإنسان الحر من لا تحكمه آية عادة شاذة، ويقمع بإرادته كل نوع من هذه العادات، ومثل هذه الحرية والإرادة بحاجة إلى صمود ومقاومة إنّما يفرزها الصوم.
وبغض النظر عن ذلك فإنّ الصوم إحياء للعواطف الإنسانية. فالفرد الثري الذي يقضي عامه على الموائد الغناء ولا يعلم بالجائع الذي يعيش سنته جائعاً كالصائم، إنّما يتذكر هذا الفرد حين صومه وجوعه طيلة النهار فيدرك وضعه، وبالتالي تتفعل عواطفه الإنسانية فيفكر في ردم هذه الهوة وإعانة الفقراء والضعفاء.
حقاً أنّ صوم شهر رمضان أحد ملامح المساواة والاتحاد؛ ذلك لأنّ جميع الطبقات- بما فيها الغني والفقير- تولي ظهرها لرغباتها وغرائزها طيلة هذا الشهر الشريف.
فلسفة الحج:
العبادة العظيمة الأخرى «الحج»، والحج شعيرة اجتماعية تؤدّى في أيّام معينة وأماكن معينة من السنة. ويغض النظر عن ترسيخ هذه العبادة لعلاقة العبد بربّه، فإنّها يمكن أن تعود على المجتمع الإسلامي بمختلف المنافع، وذلك لأنّه:
أولًا:إنّ هذه العبادة تبدأ بتجرّد تام من خلال ارتداء قطعتين متواضعتين من القماش