12- ما علّة نجاسة المشروبات الكحولية؟
سؤال:
لم اعتبر الفقهاء في رسائلهم، المشروبات الكحولية نجسة، والحال أنّ الكحول مضاد للتعفن ويقضي على المكروبات، فما حكمة كونه نجسة؟
الجواب:
إنّ ما حكم الإسلام بنجاسته ينطوي على عدّة عوامل:
الطائفة الأولى:الأشياء النجسة ذاتاً ومصدر العديد من الأمراض- كالبول والدم و ...- فأوجب الإسلام اجتنابها.
الطائفة الثانية:الأشياء غير النجسة ظاهرياً، لكنّها نجسة معنوياً، فعدّها الإسلام غير طاهرة- كالكفّار- فربّما يكون الكافر طاهر ونظيف ظاهرياً، ولكن كما قيل في جواب السؤال السابع عشر حيث له عقائد منحرفة فهو ملوث روحياً ولا يطهر هذا التلوث مهما تنظف ظاهرياً- وقد حكم الإسلام بنجاسته لحفظ عقائد المسلمين ليحول دون الاختلاط به فيحافظون على طهارتهم الروحية، ولو لم يحكم بنجاسته واذن بالارتباطات كافّة به
لتأثر العديد من الأفراد الضعاف بأفكاره وعقائده[1].
أضف إلى ذلك فإنّ الاختلاط التام به يدعو إلى تغلغله في المجتمعات الإسلامية وتتسع الخطط الاستعمارية، أمّا الاختلاط المحدود فلم ينه عنه الإسلام واذن بالانفتاح التجاري والعلمي على هذه الطائفة.
الطائفة الثالثة:الموضوعات التي لا تتضمن ما سبق لكنها أساس سلسلة من المفاسد الاجتماعية والفردية كالمشروبات الكحولية صحيح أنّ الكحول مضاد للتعفن، إلّاأنّ شرب هذا الكحول يؤدّي إلى العديد من الاختلالات. ولذلك حكم الإسلام بنجاسته ليحول بالتالي دون استعماله من قبل الناس. فالإنسان المسلم إن عَلِم بنجاسة شيء سعى إلى الابتعاد عنه، ومن الواضح أنّ لهذا الأمر تأثير عميق في عدم التلوث بالمشروبات الكحولية، وهذا بحدّ ذاته حرب شعواء على المشروبات الكحولية[2].
[1]سنتحدث عن فلسفة نجاسة الكافر في محلّه.
[2]ما ذكر بشأن نجاسة الكحول إنّما يتعلق بالمشروبات الكحولية، أمّا نجاسة الكحول الصناعي الذي لا يمكن شربه، فهناك بحث بين العلماء والفقهاء فيه، ذلك لأنّ هذا الكحول لا يشرب، ويعدّ من المواد السامة.
13- ما الفارق بين العرق والبول؟
سؤال:
«البول» و «عرق البدن» كلاهما مواد زائدة، فَلِمَ كان أحدهما نجساً والآخر طاهراً، مع العلم أنّ تركيبهما الكيميائي متشابه؟
الجواب:
لابدّ من الإلتفات إلى أنّ البول والعرق متشابهان من حيث التركيب الكيميائي، إلّاأنّهما يختلفان في عدّة أمور، وهذا الاختلاف يمكن أن يؤدّي إلى اختلافهما في الحكم، لأنّه كما سنرى أنّ البول يحتوي على بعض المواد السامة التي لا وجود لها في العرق.
توضيح ذلك:يتركب البول من المواد الآتية:
1- اليوريا 2- حامض اليوريك 3- الأورات 4- الأوروبيلين 5- حامض الهايبوريك 6- الاروكرم والأوروبيلين وكلاهما من ألوان البول 7- المواد المعدنية و «الكلوكوز» في مرض السكر.
ويتركب العرق من المواد الآتية:
1- اليوريا 2- حامض اليوريك 3- الأورات 4- المواد المعدنية؛ وعليه فالمواد اللونية
وحامض الهايبوريك وكلاهما سام ودرجة سمية فيهما عالية نسبياً ليسا موجودين في التركيب الكيميائي للعرق، والعرق يخرج من مسامات الجلد والتبخر مباشرة وهذا التبخر يمنع نشوء المكروبات على سطح البدن، بينما تبقى مختلف المكروبات في البول. ومن هنا يمكن فهم حكم الشريعة بنجاسة البول وطهارة العرق. لأنّه؛
أولًا: يقتصر وجود المواد السامة على البول، ولا وجود لها في العرق.
ثانياً: مقدار اليوريا في البول أضعاف ما هو عليه في العرق والذي يحتوي على مواد سامة.
ثالثاً: حيث يتبخر العرق فلا يترك مجالًا للمكروبات على الجسم.
رابعاً: تركيبات البول تعدل عشرة أضعاف تركيبات العرق غلظة، ونعلم أنّ هذا الفارق يمكن أن يجعل أحدهما ضارّاً والآخر خالياً من الضرر. وبغض النظر عمّا سبق فإنّ اجتناب العرق أمر في غاية الصعوبة ويوجب العديد من المعاناة، وليس البول كذلك.
14- ما فلسفة غسل الميت وغسل مسّ الأموات؟
سؤال:
ما فلسفة غسل الأموات وغسل مسّ الأموات؟ لم أمر الشرع بغسل من يموت، ومن لمسه قبل الغسل وجب عليه الغسل؟
الجوب:
كما ذكرنا كراراً أنّ فلسفة بعض الأحكام الإسلامية ليست واضحة لنا، ولكن بمرور الزمان وتكامل العقل البشري وتقدم العلوم فإنّ فلسفة العديد من الأحكام ستتضح، وربّما تتضح مستقبلًا فلسفة البعض منها.
وأمّا بشأن السؤال فيمكن القول: إنّ أحد أسرار غسل مسّ الميت هو احترام الميت لدى جميع الشعوب على غرار احترامه حين كان على قيد الحياة. ورغم أنّ الإسلام أبطل العديد من الممارسات الإنحرافية للأقوام السابقة إزاء الموتى، لكنّه يعتقد بضرورة رعاية حرمة الأموات بما فيها غسلهم وتكفينهم ودفنهم؛ وعلى هذا الضوء فإنّ موضوع غسل الميت وسائر التشريفات نوع من رعاية حرمة الموتى.
بعبارة أخرى إنّ الإسلام ينظر بإكبار إلى الإنسان ويسعى لرفع قيمته بمختلف الوسائل،
بحيث لم يتخلّ عنه حتى بعد حياته، فشرع بعض القوانين التي لا تسمح لأحد بإنتهاك حرمة الميت المسلم، بل لا تسمح بالتجاوز على قبره.
أضف إلى ذلك حيث يرى الإسلام أنّ الموت ليس نهاية الحياة، بل نافذة على عالم آخر والنزول في عالم آخر والنزول جوار الرحمة الإلهيّة، فقد أمر بنظافة وطهارة الموتى وارتدائهم الثياب المتواضعة الطاهرة وتوسد التراب، ليكون هذا العمل رمز بقاء الحياة الحقيقية وامتدادها «هذه فلسفة غسل الميت».
غسل مسّ الميت:
لابد من ذكر بعض الامور قبل ان نخوض في أصل الجواب:
1- عادة ما تثار عواطف وأحاسيس قرابة الميت اثر فقدهم لفرد من أفراد الاسرة العزيز عليهم و عليه فلا يسعهم رؤية قطع ارتباطهم به فجأة. وهؤلاء يفعل أنسهم وحيهم له يرومون حتى بعد الموت تقبيله واخذه باحضانهم الحنونة.
2- و هذه النقطة واضحة ايضاً في ان بدن الافراد الميتين يكون ملوثا بانواع المكروبات اثر المرض أو التسمم و فقدان القوة الدفاعية، والاقتراب منه يستيطن عدة مخاطر من الناحية الصحية.
3- لم ينبر الاسلام قط لمواجهة و منافحة احاسيس الانسان و عواطفه، او يتجاهل نزعاته العطبيعية، بل يوجد تلك العواطف والاحاسيس ضمن مسيرة خاصة. وبالالتفات الى هذه الامور يمكن الاستنتاج: ان الاسلام و بغية الحيلولة دون تلوث كافة الافراد- سيما المتبقين للميت- بانواع المكروبات والاصابة بمختلف الامراض التي يمكن ان تنتقل عدواها إليه من الجسد الخالي من الروح و في نفس الوقت بتحريم مس الميت لم يتصد لعواطفهم واحاسيسهم المستثارة فقد اورد مشكلة قانونية؛ فقد أمر بالغسل كل من يمس بدن الميت او يتصل بجسده بأي نحو من الانحاء. لاشك ان هذا القانون رغم حده من تماس الاحياء بالاموات و حال دون اصابتهم بانواع الامراض المحتملة، لكنه لم يتجاهل
عواطفهم واحاسيسهم، وكلما تعطل هذا المشكل القانوني المؤثر في عدم حدوث التماس فان «غسل مس الميت» سيكون أفضل وأبسط اسلوب غسل لدفع المكروبات المحتملة.
قد يشكل البعض ان غسل مس الميت ان اوجد مشكلة قانونية و بغية الحيلولة دون الاصابة بالامراض، فلم لايوجب مس بدن الميت بعد غسله والاتصال به الغسل؟ و يبدو ان هذا الاشكال سطحياً و الرد على ذلك واضح، لأن غسل الميت بالماء المخلوط بالسدر والماء المخلوط بالكافور و بالماء الخالص عنصر مؤثر ضد التعفن وتنظيف الميت و على الاقل سوف تنعدم الاخطار المحتملة قبل الغسل لمدة معينة. و من البديهي في هذه الحالة انهم سيدفنون الميت بعد مدة من الاتيان بالمراسم المذكورة و سينتفي احتمال بروز الميكروبات الجديدة و انتقالها للانسان. و ما قيل في غسل الاموات و غسل مس الميت جانب من فلسفة هذه الاحكام؛ و لعل هنالك العديد من النقاط الخفية علينا لحد الان.
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة