بحجر من نقطة مرتفعة فانّه لا يسقط على خط مستقيم على الأرض، بل يتجه في سقوطه قليلًا إلى المغرب وهذا يدل على حركة الأرض الدورانية من الغرب إلى الشرق.
أمّا رؤيتنا «الجدي» دائماً في موضع واحد فذلك لأنّ هذا الكوكب يقع تقريباً مقابل محور الأرض. ومن البديهي لو أدَرنا كرة حول محور (كان نغرز أُبرة وسط تفاحة ونديرها حول تلك الأُبرة) لرأينا أنّ نقطة المحور ثابتة دائماً، ومن هنا يبدو كوكب الجدي القطبي ثابت دائماً.
وأمّا بشأن وضع الأرض في النقطة المقابلة لنا (في القسم الذي تحت الأرض) فلابدّ من الإلتفات إلى أنّ الأرض كونها كروية فإننا نرى وضعاً متساوياً أينما ذهبنا، أي سنرى النقطة التي فوقنا سماءً والتي تحت أرجلنا أرضاً، والجاذبية تحفظنا على الأرض في كل مكان.
طبعاً أغلب الكواكب الواقعة في نصف الكرة الأرضي الجنوبي ترى، بينما تتعذر رؤيتها في النصف الشمالي وبالعكس؛ وهكذا السيارات ترى أحياناً في نقطة من الأرض واحياناً أخرى في نقطة أخرى!
وأمّا الآيات والأخبار التي تدعم نظرية حركة الأرض فمنها:
1-«وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ»[1]ويتصور أحياناً أنّ الآية متعلقة بأوضاع القيامة في أنّ الإنسان سيرى الجبال يوم القيامة هكذا، إلّاأنّ العبارة«صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ»تفند ذلك، فهي لا تتناسب مع يوم القيامة؛ يوم تغير المنظومة الشمسية لا يوم اتقان الخلق، وبعبارة أوضح: أن ذيل الآية الذي يتحدث عن اتقان الصنع أنسب لاستحكام النظام لا للانقلاب. فظاهر الآية يشير إلى حركة الجبال وإن بدت لنا ساكنة وعديمة الحركة. وربّما يقال لم تحدث القرآن عن حركة الجبال دون الأرض، والحال حركة الجبال تابعة لحركة الأرض.
قلنا: إنّ كل جسم كروي يدور حول نفسه إنّما تلمس هذه الحركة من خلال ما عليه من
[1]سورة النمل، الآية 88.
نقوش وألوان، إضافة إلى أنّ الجبل مظهر عظمة ومن هنا ذكر دون الأرض، وإلّا لا معنى لحركة الجبال دون حركة الأرض. والطريف استعمال لفظ الجمود بدل السكون الأعمق في بيان فكرة سكون الأرض المتوهمة من قبل الإنسان. وعلّة تشبيه اللَّه لحركة الجبال بحركة السحاب أنّ حركة الأرض هادئة وصافية وفي نفس الوقت سريعة كحركة السحاب!
2-«الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً ...»[1]فالقرآن الكريم يشبّه الأرض بالمهد، ولعل أحد جهات الشبه أنّ للأرض حركة دورانية على غرار حركة المهد[2].
[1]سورة طة، الآية 53.
[2]للوقوفف على الروايات الإسلامية بهذا الخصوص راجع كتاب الإسلام والهيئة، ص 191- 200.
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
8- ما تفسير هذه الآيات؟
سؤال:
ما المراد بالآية الشريفة«فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ* الْجَوَارِ الْكُنَّسِ»؟[1]
الجواب:
«الخُنَّس»:تعني لغوياً الرجوع، و«الكُنَّس»:الخفي والجوار جمع جارٍ، والمراد من هذه الآيات كما تشهد ما قبلها وما بعدها من آيات وأيّده المفسرون، الكواكب السيارة التي ترى بالعين (عطارد والزهرة والمريخ والمشتري وزحل) وهي في حركة وتظهر أحياناً وتغيب أخرى. ويلفت القرآن الانتباه إلى وضعها الخاص والاستثنائي وحركتها وعظمة خالقها بواسطة القسم بها.
كما ينبغي الإلتفات إلى هذه النقطة وهي أنّ علماء الفلك اصطلحوا عليها بالنجوم«المُتَحَيِّرة»لأنّها لا تتحرك على خط مستقيم، ويبدو أنّها تسير مدّة ثم تعود، ومن ثم تواصل مسيرتها، وقد وردت عدّة أبحاث في كتب الهيئة بشأن أسباب ذلك. ولعل الآيات المذكورة التي وصفت هذه النجوم (بالجوار الكنس) أشارت إلى خط السير المتأرجح لهذه
[1]سورة التكوير، الآية 15 و 16.
الكواكب (طبعاً لهذا السير جانب ظاهري في مشاهدتنا). على كل حال فهذه كواكب سيارة ووضعها الاستثنائي شخّص كونها من الثوابت.
9- هل ليلة القدر واحدة في جميع العالم؟
سؤال:
وردت عدّة مطالب في الإسلام بشأن أهمية وعظمة «ليلة القدر» كما وردت بعض الأعمال عن الأئمّة عليهم السلام بشأن هذه الليلة المتوقعة حسب المشهور في 19 أو 21 أو 23 من شهر رمضان.
ويبدو أنّ ليلة القدر ليست أكثر من ليلة واحدة طيلة السنة، لكننا نعلم وعلى أساس اختلاف الأفق أنّ شهر رمضان يكون أبكر ليوم أو يومين في بعض البلدان وفي البعض الآخر متأخر ليوم أو يومين، وعليه فستختلف ليلة القدر ليلة أو ليلتين، فتكون ليلة القدر متعددة حسب اختلاف البلدان. فكيف التوفيق بين وحدة ليلة القدر طيلة السنة، أم أنّ ليلة القدر تقتصر على عهد النبي صلى الله عليه و آله ومكة ولا قدر في الأزمنة المتأخرة؟
الجواب:
تفيد الأدلة القطعية عدم اختصاص ليلة القدر بعهد النبي صلى الله عليه و آله وتشمل الأماكن والأزمان كافّة وهذا ممّا لا نقاش فيه. وبرز هذا الإشكال من هذا التصور أنّ ليلة القدر واحدة ومشتركة بين مختلف مناطق العالم لتبدأ بساعة معينة وتنتهي بأخرى. والحال هذا تصور
خاطئ، لأننا نعلم بأنّ الأرض كروية، ودائماً هنالك نصف مظلم وآخر مضيء. وعليه فلا يمكن أن يكون الليل مشترك في أنحاء الأرض كافّة.
توضيح ذلك:أنّ أهالي كل منطقة يبدأون عامهم القمري حسب أفقهم بأول يوم من محرم، وبعد مضي عدّة أشهر قمرية يبدأ شهر رمضان حسب أفقهم أيضاً، وفي هذا الشهر تكون ليلة التاسع عشر أو الحادى والعشرون أو الثالث والعشرون بالنسبة لأهل تلك المنطقة ليلة القدر. ولا يقتصر الأمر على ليلة القدر بل يشمل حسابهم لسائر الأيّام المقدّسة على أساس أفقهم، مثلًا عيد الفطر والأضحى من الأيّام المقدّسة لدى المسلمين وفيها أعمال خاصة، وكل يوم من هذين العيدين واحد لا أكثر، يتعين هذا اليوم لكل بلد إسلامي على ضوء أفقه الخاص، ومن هنا نشهد أغلب أوقات عيد الأضحى مثلًا في العربية السعودية أبكر من ايران وسائر البلدان الإسلامية بيوم.
وعليه فليلة القدر محفوظة لكل بلد ولا يتنافى هذا أبداً مع خصائص الليلة من نزول ملائكة الرحمة وسعة العفو الإلهي.
10- كيف رأى ذو القرنين غروب الشمس في عين حمئة؟
سؤال:
قال تعالى في الآية 86 من سورة الكهف ضمن قصة ذوالقرنين:«حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ ...»فما المراد من العين الحمئة وكيف تغرب الشمس فيها على عظمتها؟ إلّايتعارض هذا مع كروية الأرض وحركتها حول الشمس والمضمون الجديد للهيئة؟
الجواب:
معنى الآية على ضوء آخر تحقيقات الأعلام والمفسرين بشأن قصّة ذوالقرنين، أنّه واصل مسيرته من جانب المغرب حتى وصل البحر (هنالك اختلاف بين المفسرين هل المراد المحيط الأطلسي أم البحر الأبيض المتوسط، وهل نهاية مسيرته من جانب المغرب كانت مراكش أم أزمير في تركيا). على كل حال كان ذوالقرنين على الساحل حين الغروب ويتطلع إلى هذا المنظر الرائع، وحيث يبدو لكل من يقف على ساحل البحر أنّ الشمس تأخذ بالغروب شيئاً فشيئاً في نهاية أفق البحر، فقد أشار القرآن إلى ذلك الاحساس لذي القرنين بأنّه:«وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ ...».