این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
25- علّة التكرار في القرآن
سؤال:
ما علّة تكرار بعض الآيات والقصص في القرآن الكريم؟
الجواب:
لابدّ من الإلتفات إلى أنّ القرآن نزل خلال ثلاث وعشرين سنة وعلى ضوء مختلف الأحداث والوقائع. فالقرآن ليس كتاباً قانونياً جافاً ولا كتاباً تقليدياً يبيّن القوانين والمسائل العلمية بصيغة تصنيفية. بل القرآن كتاب إرشاد وهدى وهدفه بيان حقائق حياة الإنسان والخطوات الضرورية لبلوغه الكمال الإنساني ويخلق من خلال نفوذه إلى الأرواح والأفكار البشرية وسن القوانين الاجتماعية الصائبة مجتمعاً يتصف بالكمال المادي والمعنوي. ولضمان ذلك تحدث القرآن بشأن المواضيع المهمّة كافّة فنزل خلال 23 سنة وفي مختلف الأحداث.
وأمّا بشأن التكرار: فإننا نشاهد نوعين من التكرار:
1- تكرار بعض التواريخ والقصص.
2- تكرار بعض الآيات المبينة لحقائق خاصة.
ففي القصص التاريخية لابدّ من الإلتفات إلى أنّ هدف القرآن الاساسي من ذكر القصص التاريخية السابقة تنبيه الآخرين إلى قوانين الحياة المسلمة التي تحكم البشرية. فالقرآن يريد تعريف الناس بهذه القوانين ويلفت انتباههم إلى العوامل التي تقف وراء رقي المجتمعات وانحطاطها، والآثار السلبية لتمردها على دعوات الأنبياء، وبالتالي كشف نقاط ضعفهم وقوتهم. ومن هنا كان لابدّ للقرآن من متابعة سيرة الأمم السالفة وعرض صورة عنها.
وعليه فإن تحدث القرآن عن «بني اسرائيل» أو «خلق آدم» فقد أشار في كل موضع إلى جانب معين، حيث أراد في كل مورد تنبيه الناس لقضية معينة لم يتطرق إليها في موضع آخر.
وأمّا تكرار بعض الآيات كالآية«فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ»في سورة الرحمن، فلابدّ من الإلتفات إلى تأثير هذا التكرار في روحية قارئ القرآن ومستمعه. فقد يركز القرآن على جانب عاطفي ونفسي في شرح موضوع معين. مثلًا في سورة الرحمن كان القرآن بصدد بيان النعم التي تلعب دوراً رئيسياً في خلق الإنسان وتشكيل المجتمع المدني وديمومته؛ كما تحدث عن النعم الكبرى التي تنتظر الإنسان في عالم الاخرة، وكرر أثناء ذلك الآية المذكورة بغية إثارة العاطفة لدى الإنسان فيوقظ من خلال ذلك شعور الإنسان بضرورة الشكر ورد الجميل ويسوقه للخضوع والخشوع. وعليه فهذا التكرار ضروري على مستوى الوعظ والإرشاد والهدى، كما لا يقدح بفصاحة القرآن وبلاغته، بل يعد من محسنات الكلام، كونه يضاعف التأكيد والتأثير.
بالطبع هنالك شواهد كثيرة في الأدب العربي والفارسي على هذا التكرار يتمثل بالتركيز في العقيدة على بيت من الشعر أو مصراع. فقد كرر عدي بن ربيعة في رثائه لأخيه كليب البيت«على أن ليس عدلًا من كليب»عشرين مرة.
26- هل كانت الشجرة المحظورة شجرة العلم؟
سؤال:
نقرأ في سلسلة «دروس تاريخ الأديان»: «ما كانت الشجرة المحظورة؟ ما أورده التوراة صراحة والقرآن إشارة إلى أنّها شجرة الباصرة؛ فعلى ضوء آيات القرآن أنّ اللَّه خاطب آدم وحواء فأجاباه دون أي حياء من عريهما، غير أنّهما خجلا من عريهما بعد التناول من الشجرة. وعدم خجلهما من عريهما بالأمس وخجلهما اليوم بعد الأكل من الشجرة دليل على أنهما لم يبصرا بالأمس عريهما، فالشجرة المحظورة كانت شجرة الباصرة.
فهل أراد اللَّه أن يأكل الإنسان من تلك الشجرة أم لا؟ فلا ينبغي أن نتعامل مع هذه القصة على غرار السائد في أنّ اللَّه مثلًا لم يرد لآدم الأكل من تلك الشجرة المحظورة واستاء من ذلك الفعل؛ لأنّه كان يقدر بإرادته على منعه، وعليه أراد أن يأكل من الشجرة، فلولا تلك الشجرة لما وجد الإنسان وهذا ما خطط له اللَّه ليوجد الإنسان».
فهل كانت تلك الشجرة شجرة العلم والباصرة؟!
الجواب:
وردتنا الكثير من الأسئلة عن هذه الدروس ومنها السؤال المذكور، ولابدّ لنا من ذكر
بعض الأمور في الجواب:
1- قلنا كراراً بأنّ أحد موارد التحريف في التوراة هذا الزعم من أنّ الشجرة المحظورة كانت شجرة العلم والمعرفة أو الخير والشر أو الباصرة (وردت تعبيرات في ترجمة التوراة تعود جميعاً إلى معنى واحد).
وعلى هذا الأساس- حسب صريح التوراة- فإنّ أول وأكبر ذنوب الإنسان ذنب العلم، ولعل هذا هو السبب الذي دفع بالقائمين على شؤون الكنيسة في القرون الوسطى و المظلمة إلى محاربة العلم والمعرفة واتساع هذا الذنب! ويعتقدون أنّ آدم كان على جهل في اليوم الأول بحيث لم يخجل حتى من عريه وكشف عورته؛ ولكن حين أكل من الشجرة المحظورة (العلم والمعرفة) أصبح انساناً واعياً فطرد من الجنّة والرحمة!
حقاً أنّ هذه الأمور من خرافات عصور الظلام، فالقرآن على العكس يصرح بعلم آدم قبل سكنه الجنّة وقد تغذى كما ينبغي من شجرة العلم حتى أصبح معلماً للملائكة:«وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا»[1].
وعليه فآدم القرآن غير آدم التوراة. فأعظم قوّة لآدم كانت علمه وباصرته، وكان ذنب آدم الآخر العلم، فآدم هذا هو آدم الحقيقي وذلك آدم الجاهل بكل شيء، وآدم هذا خلق من أجل العلم والمعرفة، بينما لا ينبغي لذاك أن ينفتح على العلم. وعليه فمن العجيب أن تعد التوراة المحرفة والقرآن واحداً بهذا الشأن.
2- تقول التوراة إنّ آدم وحواء كانا عريانين ولا يخجلان من عريهما.[2]وهذا النقل صحيح، ولكن أين ذلك في القرآن، بل بالعكس يصرح القرآن بلباسهما قبل الأكل من الشجرة ونزع عنهما بعد المعصية:«يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا»[3]وفي آية أخرى:«فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِىَ لَهُمَا مَا وُورِىَ عَنْهُمَا»[4].
[1]سورة البقرة، الآية 31.
[2]وكان آدم وزوجه عريانين ولا يخجلان (سفر التكوين، الفصل الثاني، الجملة 25).
[3]سورة الاعراف، الآية 27.
[4]سورة الاعراف، الآية 20.
وعليه فالعبارة«بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا»في الآية 22 من هذه السورة لا تعني ابداً عريهما وعدم ادراكهما. فادم الذي يتحدث عنه القرآن كان مستوراً ومحترماً وانساناً وتعرّى بعد المعصية (لابدّ من الدقة).
أمّا آدم في التوراة فكان كالحيوانات عارياً ولم يخجل من عريه، فهل يمكن تسوية القرآن بالتوراة؟
3- الطريف أنّها عنت «لا تأكل» ب «يجب أن تأكل» فهل هناك من فوضى أعظم من تفسير النفي بالإثبات والحسن بالسيء؟ فلم سمّيت تلك الشجرة بالمحظورة؟! ما هذا التفسير والمعنى؟ لو كان هذا التفسير صائباً فما أجدرنا أن نفسر سائر المناهي والمحظورات بمثل هذه التفاسير ونزعم أنّ اللَّه أراد حصول هذه الأفعال المحظورة، وإلّا لمنعها، فهل نحن مجبرون على أفعالنا؟! إنّ اللَّه أرادنا أن نكون أحراراً ومنح الإنسان أرادة وترك للإنسان اتخاذ القرار، وقد إصدر العديد من الأحكام لتهذيبه.
إذن فهذا الاستدلال (إنّ اللَّه لو أراد لمنع آدم) غير صحيح. لأنّ نفس الاستدلال يصدق على المذنبين، والواقع اختلطت هنا الإرادة التشريعية بالتكوينية (لابدّ من الدقة).
إلّا تعتقد معي عزيزي القارئ- على ضوء ما ذكر- أنّ مثل هذه المطالب ينبغي عرضها على أهل الخبرة المسلمين قبل نشرها بصيغة دروس؟ ترى من يتحمل مسؤولية شاب أن قرأ هذا الكتاب واعتقد أنّ الشجرة المحظورة كانت شجرة العلم والمعرفة وكان آدم وحواء عريانين كالحيوانات ولا يفهمان حتى أكلا من الشجرة، ثم طردا من الجنّة بسبب علمهما ومعرفتهما ...؟ والحال منطق القرآن عكس ذلك تماماً والذي يفهم من المصادر الإسلامية أنّ تلك الشجرة كانت شجرة الحسد ونوعاً من المنافسة وما أشبه ذلك (طبعاً ليس الحسد الذي يبلغ مرحلة الذنب أو ممارسته).
توضيح ذلك:إنّ آدم كان عالماً بوضع ولده ومصيرهم ورأى فيهم مَن هو أعظم منه مرتبة من الأنبياء وأُمناء الوحي. فتمنى رؤية مقاماتهم، ولم يكن مؤهلًا لذلك رغم كافّة خصائصه، فتلك الأمنية أبعدته من الجنّة، وتلك كانت الشجرة المحظورة.
وأخيراً هنالك بعض الروايات التي فسرت الشجرة المحظورة بالحنطة وما شابه ذلك وكان النهي عنها من باب الاختبار.
27- ما المراد من قوله: «يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ»؟
سؤال:
من مسلّمات أصولنا نحن المسلمون استناد أفعال اللَّه للعدل والحكمة، فما المراد من قوله تعالى:«يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ»في الآية 93 من سورة النحل؟ فإنّ كانت الضلالة والهدي بإرادة اللَّه فكيف ينسجم ذلك مع العدل الإلهي في أن يعاقبنا على الضلال ويثيبنا على الهدى؟
الجواب:
إنّ آيات القرآن تفسّر بعضها بعضاً، فالكثير من الآيات تتضح من خلال ربطها مع بعضها.
والآية الواردة بشأن «الضلال والهدى» من هذا القبيل. وعليه لابدّ من معرفتها على ضوء سائر الآيات الواردة بشأن الهدى والضلال. ورد في هذه الآية«يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ»وفي سائر الآيات كالآية 74 من سورة المؤمن«كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الكَافِرِينَ»والآية 34 من سورة المؤمن«كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ».
فهاتان الآيتان توضحان كيف يفقد الإنسان توفيق اللَّه ولطفه ويبتعد عن سبيل السعادة والفلاح، ونستطيع بالاستناد إلى هاتين الآيتين أن نفهم معنى الآية الأولى الواردة في