بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 51

14- ما معنى القضاء والقدر؟

سؤال:

ما المراد بالقضاء والقدر؟ وإن كان المراد أنّ اللَّه عيّن مصير كل فرد وليس لنا من سبيل سوى الإستسلام لهذا المصير فما معنى الآية الشريفة:«وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى»[1]فالآية الكريمة تفيد أنّ مصير الإنسان تابع لإختياره دون أن يكون للقضاء والقدر تأثير على مصيره.

الجواب:

مسألة التقدير والمصير من المسائل الواردة في أديان أمم العالم كافّة ولا يقتصر الإعتقاد به على أُمّة وإن كانت الآيات القرآنية والروايات الإسلامية أكثر تركيزاً على هذا الأمر.

وللأسف فإنّ سوء التفسير الذي أورده بعض الأفراد لمفهوم القضاء والقدر جعل الآخرين ينظرون بشي‌ء من التشاؤم إلى‌ هذين اللفظين، ولعل البعض يرتعش لمجرّد سماعهما ويرى التقدير الإلهي قضية خارجة عن قدرتنا وله تأثير مباشر على إرادتنا، وقد يكون إيجابياً أحياناً فيضطر الإنسان القيام بعمل، وأحياناً سلبياً فيصد الإنسان شاء أم أبى عن القيام‌

[1]سورة النجم، الآية 39.


صفحه 52

بعمل. فالتقدير بهذا المعنى- في أفعال البشر الإختيارية- لا يعدو كونه خرافة، بل لابدّ من الوقوف على حقيقة التقدير في وسط ومعترك الحياة، ولا ينبغي عزل التقدير عن إرادة الإنسان وحريته.

وقد يبدو من الصعب على بعض الأفراد الذين عاشوا صورة ذهنية مشوهة للقضاء والقدر قبول هذه النظرية: (ليس هنالك من عنصر في عالم الوجود باسم القضاء والقدر في عرض سائر العناصر يلعب دوراً سلبياً أو إيجابياً في إرادة الإنسان)؛ ذلك لأنّ هؤلاء الأفراد اعتادوا على تعليق أخطائهم وزلاتهم على عنصر خارجي أسموه القضاء والقدر ليتنصلوا من مسؤولية أعمالهم. وأننا لنلمس اليوم مسألة «الحتمية التأريخية» التي حلت مكان القضاء والقدر لدى الأوساط الغربية والأوربية فينسبون إليها أخطاءهم كافّة. إلّاأنّ حقيقة الأمر واضحة في أنّ التقدير الإلهي لا يحمل أي تأثير على إرادة الإنسان، ويتضح هذا الموضوع بجلاء من خلال بيان السنن الإلهيّة في عالم الوجود والذي يكشف حقيقة القضاء والقدر.

التقدير الإلهي:

كلما تعرفنا على التقدير الإلهي سنرى خلو صفحة الوجود من عامل وعنصر حركي باسم القضاء والقدر خارج إرادة الفاعل؛ والمراد من التقدير الإلهي السنن القطعية التي تحكمنا والعالم، وتأثير هذه السنن قطعي في سعادة الناس وتعاستهم وأننا أحرار في اختيار أية سنة من هذه السنن. وإليك بعض الأمثلة لتوضيح هذا المطلب:

1- إنّ التقدير الإلهي بالنسبة للأمّة الخاملة التي تعيش التناحر والنزاع وتوظف إمكاناتها في المجالات العبثية ولا تمتلك رؤية صائبة لأوضاعها والظروف المحيطة بها وتنغمس في مصالحها الضيقة سوف لن يكون سوى باضمحلالها وانهيارها عاجلًا أم آجلًا.

أمّا التقدير الإلهي تجاه الأمّة التي تعيش هموم المحرومين والكادحين وتحرص على ردم التمييز الطبقي واشاعة رفاهية الإنسان وتحسين وضعه المعاشي والاجتماعي وتمديد


صفحه 53

العون إلى‌ الفقراء والمعوزين من خلال اخراجها للحقوق الشرعية من أموالها، فسوف لن يكون سوى العزة والكرامة والرقي والإزدهار. والتقديرات على درجة من الوضوح بحيث لا يشك فيها أحد من الناس.

وبالطبع فإنّ جميع الأمم متساوية حيال التقديرين المذكورين وليس هنالك أي عامل خارج إرادة هذه الأمم يحملها على اختيار أي من التقديرين، ونحن الذين نقرر التقدير الذي نريد على ضوء أهوائنا وغرائزنا أو عقلنا وحكمتنا، وسوف لن يكون القضاء والقدر سوى ما اخترناه؛ فاللَّه هو الذي خلق هذه السنن وأمضاها ومنحنا الحرية في اختيار ما نشاء.

2- والشاب الذي يبدأ حياته ويتمتع بمزيد من الإمكانات والعلم والذكاء وقوّة العضلات يجد نفسه أمام تقديرين ومصيرين كلاهما قضاء اللَّه وعليه الإختيار؛ فإن وظف إمكاناته المادية والمعنوية باتجاه العلم والعمل والمجال التجاري عاش حياة سعيدة هانئة؛ وإن أساء التصرف في هذه الإمكانيات ووظفها في سبيل الرذيلة وشرب الخمر ولعب القمار وسائر الموبقات التي تشل حركته، إنّما يقود حياته إلى‌ الشقاء والمعاناة وقضاء العمر في الهم والغم. وكلا التقديرين مرتبط باللَّه، لكن الإنسان حرّ في إختيار أي منهما، والنتيجة المترتبة على اختياره قضاء اللَّه وقدره؛ وإن قلع عن مساره منتصف الطريق فقد استبدل مصيره بمصير آخر وهذا أيضاً بتقدير اللَّه؛ ذلك لأنّه خلقنا وأذن لنا بالعودة في منتصف الطريق فندمنا على ما فرط منّا وبالنتيجة استبدلنا مصيرنا بمصير آخر.

3- لو راجع المريض الطبيب وتناول الدواء تتحسن صحته، وإن أمتنع عن مراجعة الطبيب أو لم يتناول الدواء فإمّا أن يموت أو يعيش حالة من الألم والمعاناة، وكلا التقديرين بحكم اللَّه ولنا اختيار أي منهما، وكل ما نختاره هو قضاء اللَّه.

وهكذا يمكنك عزيزي القارى‌ء أن تستعين بمئات الأمثال للقضاء والقدر المتعلق بأفعال الإنسان لتقف على معنى التقدير الإلهي بشأن أفعال الإنسان.


صفحه 54

كلمات أئمّة الدين:

ما أوردناه في الأمثلة السابقة يمثل في الواقع توضيح بعض الأحاديث التي وردت عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله وأهل بيته عليهم السلام بشأن مسألة القضاء والقدر. فقد ورد عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله:

«إنّ خمساً لا يستجاب دعاؤهم، أحدهم من جلس تحت جدار يوشك أن يقع فلا يهرب منه»[1]. ولعل سر عدم استجابة دعاء هذا الفرد واضحة، ذلك لأنّ مصير من جلس تحت جدار أعوج ولم يهرب هو الموت، لكنه استسلم باختياره لهذا المصير، والحال كان له أن يختار مصيراً آخر.

وقد فرّ أمير المؤمنين عليه السلام من جدار كان يوشك على الأنهيار، وحين أنكر البعض عليه ذلك برره بأنّه يفرّ من قضاء اللَّه إلى‌ قدره‌«إنّ أمير المؤمنين عدل من عند حائط آخر فقيل له: ياأميرالمؤمنين أتفرّ من قضاء اللَّه؟ فقال: أفر من قضاء اللَّه إلى‌ قدر اللَّه»[2].

فأنا حرّ في اختيار ما شئت، فإن بقيت تحت الجدار وإنهار ومت فذلك بحكم القضاء، وإن فررت وبقيت سالماً فذلك بحكم القضاء أيضاً.

وحين سئل الإمام الرضا عليه السلام عن قضاء اللَّه بشأن الأفعال الحسنة والقبيحة لعباده، رد عليه السلام: إنّ كل عمل من اعمالهم الحسنة والقبيحة بقضاء اللَّه. ثم فسّر عليه السلام ذلك القضاء الواسع- الذي يشمل جميع أعمال البشر بما فيها الحسن والقبيح- بالنتائج التي تنعكس على الإنسان في الدنيا والأخرة فقال:«الحكم عليهم بما يستحقونه على أفعالهم من الثواب والعقاب في الدنيا والآخرة»[3].

فهذه الأحاديث تكشف ما أشرنا إليه من حقيقة القضاء والقدر والتي تفيد عدم انفصال القضاء والقدر عن إرادة الإنسان واختياره، بل القضاء هو تلك السنن الإلهيّة التي تحكم الوجود، والإنسان مختار في ركوب أي منها، فإنّ اختار كانت نتيجة الإختيار قضاء اللَّه،

[1]بحار الأنوار، ج 5، ص 105، نقلًا عن خصال الصدوق.

[2]توحيد الصدوق، ص 369.

[3]عيون أخبار الرضا، ص 78؛ وبحارالانوار، ج 5، ص 12.


صفحه 55

وليس هنالك من فعل من أفعال الإنسان خارج عن دائرة قضاء اللَّه؛ فإنّ زرع بذور الخير حصد خيراً بقضاء اللَّه، وإن زرع بذور الشر والنفاق سيذوق مرارة ما زرع بقضاء اللَّه، ولا يخرج أي من أفعاله الخيرة والشريرة عن دائرة قضاء اللَّه وقدره.

القضاء والقدر في صدر الإسلام:

لقد أدرك المسلمون في صدر الإسلام مسألة القضاء والقدر بحيث لم يعتبروها منافية لإختيار الإنسان وحريته في صنع مصيره. فقد ورد بشأن الفتوحات الإسلامية أنّ الخليفة الثاني بلغ الشام فأخبر بانتشار الوباء، فأشار عليه صحبه بالعودة، وكان يهم بالعودة، فاعترض عليه أحدهم أتفرّ من قضاء اللَّه؟ قال: أفر بأمر اللَّه من قدر إلى‌ آخر. فقال أحدهم سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه و آله قال:«إن ظهر الطاعون في منطقة ولم تكن فيها فلا تدخلها، وإن كنت هناك فلا تخرج منها»(حذراً من نقله إلى‌ الآخرين)[1].

ويستفاد من هذا أنّ الإعتقاد بالقضاء والقدر لا يتنافى وقضية الإختيار والحرية والإرادة، وهنالك بون شاسع بين مسألة الجبر، وإن ذهب بعض المستشرقين إلى‌ أنّ نتيجة الإعتقاد بالقضاء والقدر جبر آخر، فإنّما يعزى ذلك إلى‌ عدم إدراكهم لمضمون المفاهيم الإسلامية فضلا عن عدم إمتلاكهم أهلية أصدار الأحكام بشأن بعض الأمور الحساسة. فقد قال «آلبرماله» في تاريخه:

لم يكن الإسلام أوائل عهده سوى الإيمان بالتوحيد والنبوة، وصرح المتكلمون لاحقاً أنّ اللَّه حدد مصير كل إنسان ولا تغيير في مشيئته، وهذا ما يصطلح عليه بالجبر[2].

وقال غوستاولبون: ما ورد في القرآن من آيات في القضاء والقدر ومذهب الجبر، والإنسان الذي يؤمن بالقدر كمن علق في الهواء لتبعث به الريح هنا وهناك؛ والإيمان بالقدر

[1]تاريخ الطبري، ج 4، ص 57 طبعة دار المعارف، شرح حوادث عام 17 ه؛ وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 8، ص 300.

[2]تاريخ آلبرماله، ج 3، ص 99.


صفحه 56

يسلب الإنسان إرادته واختياره في العمل والقول والسكون والحركة فيفوض زمام أموره لقوة عنيفة، فمثل هذه الأمّة لا تستفيد من قدراتها الطبيعية وليس لديها من دافع للسعي والعمل، فهي تتجه من عالم الوجود إلى‌ العدم»[1].

ولعل انتشار هذه التهم والإفتراءات والإستنتاجات الخاطئة في الأوساط الأوربية دفعت بالمرحوم السيد جمال الدين الأسد آبادي حين أقامته في باريس إلى‌ تصنيف رسالة في الدفاع عن مسألة القضاء والقدر لينشرها في المجلة الأسبوعية «العروة الوثقى» حيث جاء فيها:

«فظنّ البعض من الأوربيين أنّ لا فرق بين القضاء والقدر والمذهب الجبر، والإنسان الذي يؤمن بالقدر لكن علق في الهواء لتبعث به الريح هنا وهناك؛ والإيمان بالقدر يسلب الإنسان إرادته واختياره في العمل والقول والسكون والحركة فيفوض زمام أموره لقوّة عنيفة، فمثل هذه الأمّة لا تستفيد من قدراتها الطبيعية وليس لديها من دافع للسعي والعمل، فهي تتجه من عالم الوجود إلى‌ العدم»[2].

[1]حضارة العرب والمسلمين، ص 141.

[2]العروة الوثقى، ص 50 و 51.


صفحه 57

15- مفهوم السمع والبصر بالنسبة للَّه‌

سؤال:

نقرأ في كتاب العقائد أنّ من صفات اللَّه السمع والبصر. وهنا يرد هذا السؤال كيف يمكن وصف اللَّه بهاتين الصفتين والحال حقيقة البصر تتمثل في انعكاس صور الأشياء في الشبكية بواسطة بؤبؤ العين فترسل أعصاب الباصرة هذه الإيعازات إلى‌ الدماغ، كما أنّ حقيقة السمع تكمن في وصول الأمواج الصوتية إلى‌ الأذن التي تضم بعض الأعصاب والعظام وتوعز من هنالك إلى‌ الدماغ، فكيف يوصف اللَّه بهاتين الصفتين وهو متنزه عن ذلك؟

الجواب:

إنّ الباصرة والسامعة لدى الإنسان كما مر آنفا، لكن المراد من نعت اللَّه بتلك الصفتين أنّ جميع المرئيات والمسموعات حاضرة عنده، ولا يغفلها قط، وبعبارة أخرى‌، أنّ كل ما يراه الآخرون بعيونهم ويسمعونه بآذانهم إنّما يحصل للَّه‌بعلمه المطلق اللامتناهي. ومن هنا فإنّ علماء العقائد والمذهب إنّما ينسبون حقيقة هاتين الصفتين إلى‌ علم اللَّه اللامتناهي فيقولون:

إنّ النتيجة التي يحصل عليها الإنسان البصير والسميع- بعد سلسلة من الفعاليات التي تقوم‌


صفحه 58

بها أعضاء الباصرة والسامعة- هي الوقوف على المرئيات والمسموعات، ولو كان هناك وجود كاللَّه تعالى يمكنه الوقوف بصورة أكمل على المرئيات والمسموعات دون الأعضاء والفعاليات الفيزيائية لصح نعته بأنه بصير وسميع. كما يطلق السميع والبصير من الأولى على الفرد الذي يستطيع إدراك المرئيات والمسموعات- دون الحاجة إلى‌ المقدّمات المذكورة- ذلك لأنّ حقيقة السمع والبصر لدى الإنسان هي إدراك المسموعات والمرئيات.

ولما كان الإنسان بطبيعته المادية يتعذر عليه القيام بعمل دون الإستعانة بالوسائل المادية، فلا مناص له من بلوغ النتيجة المطلوبة التي تتمثل في الوقوف على المرئيات والمسموعات بواسطة الأعضاء والأدوات المادية، إلّاأنّ اللَّه أسمى‌ من المادة ولا يحتاج إلى‌ شي‌ء في الإدراك، والعالم بما فيه حاضر لديه، فهو السميع والبصير دون أيّة مقدمة؛ فجميع المرئيات والمسموعات حاضرة عنده وعلمه محيط بها.