وما قيل: «إنّ علماء العقل يختلفون دائماً على هذه المسائل فهي غير قابلة للحل» بعيد عن الحقيقة؛ لأنّ وجه الحقيقة مغطى بحجب تزول إثر الحوار بصورة تدريجية: والواقع أنّ كل اختلاف خطوة نحو الواقع، والاختلاف لا يدل على عدم وصول هؤلاء العلماء إلى الواقع؛ بل لما كان الموضوع واسع ومهم فإنّ كل عالم من هؤلاء العلماء أدرك جانباً من الواقع وهكذا تتضح كل يوم سلسلة من الحقائق الجديدة. فاغلب المسائل الفلسفية التعقلية اليوم بهذه الصيغة، ثم تصبح قطعية بعد اجتياز عدّة مراحل على أساس اصولهم المعينة لتعتبر من المسائل الفلسفية المسلمة، وجود المسائل الخلافية الأخرى ليس بدليل على عدم تقدم النقاشات الفلسفية في المجالات كافّة.
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
15- اليوغا؟
سؤال:
ما المراد ب (اليوغا) ذات الأتباع الكثر في الهند؟
الجواب:
اليوغا نوع من التصوف ترى الخلاص في التركيز على الروح وترك العلاقات المادية؛ وقد اعتمدوا لهذا الهدف مجاهدات ورياضات مُضنية حيث يعتقدون بكبح جماح النفس عن هذا الطريق.
والهدف الأعظم في (اليوغا) فصل الروح عن البدن وايصالها لعالمها (برهمن) وربّ العالم، ويزعمون أنّ هذا الفصل يحصل في الحياة فقط. ففلسفة اليوغا لم تتخلص من مخالب الشرك، وبالتالي فهي تعتقد أنّ خالق عالم المادة المعروف بالنقص والتضاد، غير الخالق الذي خلق عالم الأرواح والموجودات المنزهة من العيب والنقص. طبعاً الارتياض لا يقتصر على اليوغا، بل هنالك عدّة مراكز أديان في الهند تمارس بعض الرياضات الشاقة بهدف السيطرة على النفس، ومن هنا يطلق (بلد المرتاضين) على الهند.
طبعاً هذه الأمور مرفوضة في الإسلام، فالإسلام لا يرى في الانقطاع عن الماديات من
صواب، بل الاعتدال في العلاقات المادية وسيلة لنيل الكمال، كما يحظر هذه الرياضات الشاقة، كما رفض الاثنينية في العقيدة وعدّها شركاً لأنّ اللَّه الواحد هو خالق العالم.
16- الخلية الحية
سؤال:
هل نجح العلماء في صنع الخلية الحية، وعلى فرض النجاح هل يستطيعون تحويلها إلى بشر كامل خارج رحم الأُم (الطريق الطبيعي لولادة الإنسان)؟ وكيف ينسجم ذلك إن استطاعوا مع كون الحياة بيد اللَّه؟
الجواب:
رغم الجهود والتحقيقات الواسعة والتجارب التي قام بها العلماء للوقوف على أسرار الحياة وصنع «الخلية» إلّاأنّهم لم يوفقوا لحدّ الآن في إدراك أسرار وكوامن بنية الخلية- فوضع الخلية- سيما بالنظر للوظائف الخاصة لكل عضو منها- ما زال معقداً في ايجاد الحياة وتنميتها، ولم تتضح لحدّ الآن هذه الوظائف المعقدة.
والعلماء لم ينجحوا رغم مساعيهم في صنع الخلية الحية؛ مع ذلك فهم لا يرون استحالة هذا الأمر وما زالوا يسعون لتحقيقه بفضل التقدم الذي يحرزه علم الأحياء كل يوم. إلّاأنّ التوصل إلى خلق إنسان خارج الرحم يبدو في غاية التعقيد، حيث إنّ ذلك يتوقف بالدرجة الأساس على صنع الخليتين «أسبرماتوزوئيد» و «أوفل» اللتين تُعدّان من الخلايا الأصلية
في تكوين الإنسان؛ والحال هاتان الخليتان ليستا بسيطتين، بل تبدو عملية تكوين الخليتين المذكورتين مستحيلة بفعل ما تحتويهما من عناصر خاصة ومعقدة «الجينات والكروموسومات» وصفات وطبائع البشرية وبالتالي ما يميز الإنسان عن سائر الكائنات والتي تمكن فيها، عوامل الوراثة؛ ذلك لأنّ تكوين خلية بسيطة يختلف عن أخرى تضم عشرات الامتيازات الروحية والبدنية. وعليه فالجواب بالسلب عن هذا السؤال: هل نجح العلماء في صنع الخلية الحية؟ والمهم حتى لو نجح العلماء يوماً في تكوين نطفة بصورة صناعية وانبثق منها إنسان كامل فإنّ ذلك لا يتعارض وكون الحياة بيد اللَّه.
وتوضيح ذلك:أنّ المراد من كون الحياة بيد اللَّه أنّ الحياة ظاهرة ليست مادية ونوع من الوجود الذي يكتسب وجوده كسائر الموجودات المادية وغير المادية من اللَّه فخلق الحياة مختص باللَّه، ولا يسع كائن من كان أن يضفى الحياة والوجود على شيء، فحيثما كانت الحياة كان اللَّه واهب الحياة وخالقها.
وعليه فلو تمكن العلماء من خلق خلية حية فلا يعدو فعلهم إعداد مقدمات الحياة.
فهؤلاء يركبون مواد معينة في ظل ظروف خاصة ويرون فيها الحياة، ولكن من وهب هذه المواد تلك الحياة؟ هو اللَّه تبارك وتعالى. وعليه فلو نجحوا في تكوين إنسان فإنّما يستمد حياته في جميع مراحلها من اللَّه. بعبارة أخرى: إيجاد خلية حية من قبل العلماء (على فرض نجاح العملية في المستقبل) أشبه بتجميع قطعات سيارة استوردت من الخارج، ومن الطبيعي أنّ المجمع ليس الصانع. (وعليك بالدقة).
17- القلب والادراك
سؤال:
نسب القرآن، الفكر والعقل للقلب والسمع والبصر وسيلة السماع والرؤية، وعين موقع القلب وأنّه في الصدر حتى قال تعالى:«... وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ»[1]بينما توصل علماء الفسلجة بعد عدّة تجارب إلى أنّ الدماغ وسيلة التفكير وعمل القلب ضخ الدم إلى أعضاء الجسم على غرار المضخة التي تعمل دائماً بصورة تلقائية.
الجواب:
ما أثبته العلماء في مختلف العلوم- كالفسلجة وعلم النفس- أنّ لأعصاب الإنسان ودماغه وظيفة خاصة كسائر الأعضاء، وما تستلمه هذه الأعصاب من إيعازات من الخارج ترسلها إلى الدماغ؛ مثلًا، حين تكون يدنا إزاء عامل خارجي كالنار فإنّها تعكس آثار النار فوراً إلى مركز القيادة الظاهري للجسم؛ أو العين التي خلقت كعدسة التصوير وتقسم طبقات مختلفة ومياه متنوعة، فطريقة عمل العيون ورود الأشعة من الجسم بصورة غير مباشرة إليها وبعد عبورها من الأغشية تظهر صورة في نقطة خاصة من العين فتقوم الأعصاب البصرية
[1]سورة الحج، الآية 46.
بإيصالها إلى الدماغ لتحقّق عملية الرؤية.
تقول الفسلجة بشأن الأنشطة الدماغية: إنّ الخلايا الدماغية تقوم بعدّة أنشطة حين التفكير، فيتناول الدماغ مزيداً من الغذاء ويفقد مزيداً من المواد الفوسفورية ... وهكذا تقوم سائر أعصاب الإنسان كل باتجاه بوظيفته الادراك، الا ان النتيجة التي توصل اليها اغلب العلماء من هذه التجارب وظنوا بأنّ مركز الإدراك والشعور هو الخلايا الدماغية على الاعصاب بعد تاثير العوامل الخارجية خاطئة؛ ذلك لأنّ هذه في إدراك الإنسان وشعوره، ودون هذا الفصل لا يتسطيع الإنسان التفكير والإدراك والسمع والبصر، وأمّا أنّ المدرك الواقعي أو المشاهد والسامع هو الدماغ، فليس بصحيح.
ومن هنا يعتقد كبار العلماء أنّ هنالك جهازاً فوق الجهاز المادي للبدن وينسق مع هذه الوسائل المادية وينهض بمسؤولية تدبير هذا الجهاز وبتفعيله للأدوات المادية ... كالعين والأعصاب- فإنّ الدماغ يمكنه الحصول على معلومات من الخارج، والواقع هو المدرك الحقيقي والذي ترتكز فيه- جميع علوم الإنسان وأفكاره والذي يعبر عنه بأسماء مختلفة كالعقل والروح والقلب.
ولا شك في أنّ الناس يستعملون القلب في محاوراتهم اليومية بمعنى العقل والروح وكذا في العرف، فنقول قلبي يعتصر على إبني البعيد عنّي. ولا يخفى أنّ المراد بالقلب ليس ذلك العضو الصنوبري الشكل، بل فسّروا أحد معاني القلب بالروح والنفس البشرية التي تعتبر مركز الشعور والإدراك، ويصطلح عليه العلماء بالعقل والروح- وعلة اختيار لفظ القلب ككناية عن الروح أنّ القلب الصنوبري يعتبر مظهر الحياة لدى الإنسان، فهم يميزون بين الحي والميت على ضوء عمل القلب وتوقفه. وتوازن دقات القلب وسرعتها دليل الصحة والسقم وأول مرحلة لظهور الآثار الروحية لكل حادثة هو القلب. والقرآن من جانبه استعمل مفردة القلب بمعنى العقل والروح والقوة المدركة. أضف إلى ذلك هنالك العديد من القرائن القرآنية على هذا المعنى، ومنها: