16- الخلية الحية
سؤال:
هل نجح العلماء في صنع الخلية الحية، وعلى فرض النجاح هل يستطيعون تحويلها إلى بشر كامل خارج رحم الأُم (الطريق الطبيعي لولادة الإنسان)؟ وكيف ينسجم ذلك إن استطاعوا مع كون الحياة بيد اللَّه؟
الجواب:
رغم الجهود والتحقيقات الواسعة والتجارب التي قام بها العلماء للوقوف على أسرار الحياة وصنع «الخلية» إلّاأنّهم لم يوفقوا لحدّ الآن في إدراك أسرار وكوامن بنية الخلية- فوضع الخلية- سيما بالنظر للوظائف الخاصة لكل عضو منها- ما زال معقداً في ايجاد الحياة وتنميتها، ولم تتضح لحدّ الآن هذه الوظائف المعقدة.
والعلماء لم ينجحوا رغم مساعيهم في صنع الخلية الحية؛ مع ذلك فهم لا يرون استحالة هذا الأمر وما زالوا يسعون لتحقيقه بفضل التقدم الذي يحرزه علم الأحياء كل يوم. إلّاأنّ التوصل إلى خلق إنسان خارج الرحم يبدو في غاية التعقيد، حيث إنّ ذلك يتوقف بالدرجة الأساس على صنع الخليتين «أسبرماتوزوئيد» و «أوفل» اللتين تُعدّان من الخلايا الأصلية
في تكوين الإنسان؛ والحال هاتان الخليتان ليستا بسيطتين، بل تبدو عملية تكوين الخليتين المذكورتين مستحيلة بفعل ما تحتويهما من عناصر خاصة ومعقدة «الجينات والكروموسومات» وصفات وطبائع البشرية وبالتالي ما يميز الإنسان عن سائر الكائنات والتي تمكن فيها، عوامل الوراثة؛ ذلك لأنّ تكوين خلية بسيطة يختلف عن أخرى تضم عشرات الامتيازات الروحية والبدنية. وعليه فالجواب بالسلب عن هذا السؤال: هل نجح العلماء في صنع الخلية الحية؟ والمهم حتى لو نجح العلماء يوماً في تكوين نطفة بصورة صناعية وانبثق منها إنسان كامل فإنّ ذلك لا يتعارض وكون الحياة بيد اللَّه.
وتوضيح ذلك:أنّ المراد من كون الحياة بيد اللَّه أنّ الحياة ظاهرة ليست مادية ونوع من الوجود الذي يكتسب وجوده كسائر الموجودات المادية وغير المادية من اللَّه فخلق الحياة مختص باللَّه، ولا يسع كائن من كان أن يضفى الحياة والوجود على شيء، فحيثما كانت الحياة كان اللَّه واهب الحياة وخالقها.
وعليه فلو تمكن العلماء من خلق خلية حية فلا يعدو فعلهم إعداد مقدمات الحياة.
فهؤلاء يركبون مواد معينة في ظل ظروف خاصة ويرون فيها الحياة، ولكن من وهب هذه المواد تلك الحياة؟ هو اللَّه تبارك وتعالى. وعليه فلو نجحوا في تكوين إنسان فإنّما يستمد حياته في جميع مراحلها من اللَّه. بعبارة أخرى: إيجاد خلية حية من قبل العلماء (على فرض نجاح العملية في المستقبل) أشبه بتجميع قطعات سيارة استوردت من الخارج، ومن الطبيعي أنّ المجمع ليس الصانع. (وعليك بالدقة).
17- القلب والادراك
سؤال:
نسب القرآن، الفكر والعقل للقلب والسمع والبصر وسيلة السماع والرؤية، وعين موقع القلب وأنّه في الصدر حتى قال تعالى:«... وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ»[1]بينما توصل علماء الفسلجة بعد عدّة تجارب إلى أنّ الدماغ وسيلة التفكير وعمل القلب ضخ الدم إلى أعضاء الجسم على غرار المضخة التي تعمل دائماً بصورة تلقائية.
الجواب:
ما أثبته العلماء في مختلف العلوم- كالفسلجة وعلم النفس- أنّ لأعصاب الإنسان ودماغه وظيفة خاصة كسائر الأعضاء، وما تستلمه هذه الأعصاب من إيعازات من الخارج ترسلها إلى الدماغ؛ مثلًا، حين تكون يدنا إزاء عامل خارجي كالنار فإنّها تعكس آثار النار فوراً إلى مركز القيادة الظاهري للجسم؛ أو العين التي خلقت كعدسة التصوير وتقسم طبقات مختلفة ومياه متنوعة، فطريقة عمل العيون ورود الأشعة من الجسم بصورة غير مباشرة إليها وبعد عبورها من الأغشية تظهر صورة في نقطة خاصة من العين فتقوم الأعصاب البصرية
[1]سورة الحج، الآية 46.
بإيصالها إلى الدماغ لتحقّق عملية الرؤية.
تقول الفسلجة بشأن الأنشطة الدماغية: إنّ الخلايا الدماغية تقوم بعدّة أنشطة حين التفكير، فيتناول الدماغ مزيداً من الغذاء ويفقد مزيداً من المواد الفوسفورية ... وهكذا تقوم سائر أعصاب الإنسان كل باتجاه بوظيفته الادراك، الا ان النتيجة التي توصل اليها اغلب العلماء من هذه التجارب وظنوا بأنّ مركز الإدراك والشعور هو الخلايا الدماغية على الاعصاب بعد تاثير العوامل الخارجية خاطئة؛ ذلك لأنّ هذه في إدراك الإنسان وشعوره، ودون هذا الفصل لا يتسطيع الإنسان التفكير والإدراك والسمع والبصر، وأمّا أنّ المدرك الواقعي أو المشاهد والسامع هو الدماغ، فليس بصحيح.
ومن هنا يعتقد كبار العلماء أنّ هنالك جهازاً فوق الجهاز المادي للبدن وينسق مع هذه الوسائل المادية وينهض بمسؤولية تدبير هذا الجهاز وبتفعيله للأدوات المادية ... كالعين والأعصاب- فإنّ الدماغ يمكنه الحصول على معلومات من الخارج، والواقع هو المدرك الحقيقي والذي ترتكز فيه- جميع علوم الإنسان وأفكاره والذي يعبر عنه بأسماء مختلفة كالعقل والروح والقلب.
ولا شك في أنّ الناس يستعملون القلب في محاوراتهم اليومية بمعنى العقل والروح وكذا في العرف، فنقول قلبي يعتصر على إبني البعيد عنّي. ولا يخفى أنّ المراد بالقلب ليس ذلك العضو الصنوبري الشكل، بل فسّروا أحد معاني القلب بالروح والنفس البشرية التي تعتبر مركز الشعور والإدراك، ويصطلح عليه العلماء بالعقل والروح- وعلة اختيار لفظ القلب ككناية عن الروح أنّ القلب الصنوبري يعتبر مظهر الحياة لدى الإنسان، فهم يميزون بين الحي والميت على ضوء عمل القلب وتوقفه. وتوازن دقات القلب وسرعتها دليل الصحة والسقم وأول مرحلة لظهور الآثار الروحية لكل حادثة هو القلب. والقرآن من جانبه استعمل مفردة القلب بمعنى العقل والروح والقوة المدركة. أضف إلى ذلك هنالك العديد من القرائن القرآنية على هذا المعنى، ومنها:
1- قال القرآن بعد بيانه لأوضاع القيامة:«إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ»[1].
فالمفروغ منه أنّ القرآن اعتبر القيامة وسيلة تذكير لأصحاب القلوب، فإن كان المراد ذلك العضو المعروف سوف لن تستقيم العبارة، ذلك أنّ لكل الناس هذا العضو، وعليه فالمراد به العقل والقوة والتفكير.
2- اعتبر القرآن القلب مركز طائفة من الصفات والروحيات التي لا ترتبط قطعاً بهذا القلب المادي، بل أوصاف تلك الروح الإنسانية، فيصف بعض القلوب بالقسوة والمرض والعمى- كما يرى القرآن القلب مركز الطهر والإيمان والدنس والكفر ووسيلة نيل السعادة والشقاء وخص القلب السليم بالسعادة والفلاح[2].
ومن البديهي أنّ هذه الأمور من صفات الروح الإنسانية، فلا معنى للقسوة والعمى والمرض في هذا القلب المادي. ويتضح ممّا مر سابقاً معنى الآية الواردة في السؤال؛ فالقرآن وإن نسب التعقل للقلب وأنّ مكانه في الصدر، لكن كما يتضح أنّ القلب الذي في الصدر اصطلح عليه القرآن كناية عن الروح والعقل، وسبب هذا التعبير ذلك الارتباط القوي للقلب الصنوبري بالروح وظهور وانعكاس الحالات الروحية والحياة والموت في القلب.
والقرآن لا يكني القلب بالعقل والروح فقط، بل أحياناً يستعمل الصدر بهذا المعنى فيقول:«أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ»[3]و«فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ»[4]؛ ومن الطبيعي أنّ صدر الإنسان العادي لا يضيق ويتسع بقبول أو عدم قبول الإسلام؛ بل كناية لسعة وكبر الروح، ولكن ورد التعبير السابق بسعة الصدر مركز ظهور انعكاسات الحياة.
[1]سورة ق، الآية 37.
[2]سورة البقرة، الآية 7 و 10 و 74 و 225؛ وسورة الشعراء، الآية 189؛ وسورة الحج، الآية 46؛ وسورة الأحزاب، الآية 53؛ وسورة الحجرات، الآية 14؛ وسائر الآيات التي لا مجال لذكرها.
[3]سورة الانشراح، الآية 1.
[4]سورة الانعام، الآية 125.
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
18- لماذا يطلق اسم «أُمُّ القرى» على مكة؟
سؤال:
يستفاد من التفاسير والأخبار أنّ أول ما ظهر من الأرض، أم القرى- مكة- ومن ثم تلتها سائر البقاع، فكيف ينسجم هذا الموضوع مع عقيدة العلماء المعاصرين الذين يرونها سيارة انفصلت دفعة عن الشمس؟
الجواب:
ذكر علماء الأرض بشأن ظهورها والتطورات التي طرأت عليها أنّ الكرة الأرضية تعرضت إلى سيول وأمطار شديدة بعد أن انفصلت عن الشمس وبردت فغطى الماء جميع سطحها، وظهرت التنوعات فانحدر الماء إلى النقاط العميقة وشكل البحار وبدات البقع الجافة تظهر شيئاً فشيئاً. ولعل مسألة ظهور أرض مكة إشارة إلى هذه البقع الجافة، فكانت أول بقعة ظهرت من الماء المناطق الاستوائية ومنها مكة.
وعليه فلا منافاة بين الرواية المذكورة وعقيدة العلماء في ظهور الأرض؛ لأنّ المراد من ظهور مكة ليس انفصالها عن الشمس، بل ظهورها من الماء واستعدادها للسكن.
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة