وليس هنالك من فعل من أفعال الإنسان خارج عن دائرة قضاء اللَّه؛ فإنّ زرع بذور الخير حصد خيراً بقضاء اللَّه، وإن زرع بذور الشر والنفاق سيذوق مرارة ما زرع بقضاء اللَّه، ولا يخرج أي من أفعاله الخيرة والشريرة عن دائرة قضاء اللَّه وقدره.
القضاء والقدر في صدر الإسلام:
لقد أدرك المسلمون في صدر الإسلام مسألة القضاء والقدر بحيث لم يعتبروها منافية لإختيار الإنسان وحريته في صنع مصيره. فقد ورد بشأن الفتوحات الإسلامية أنّ الخليفة الثاني بلغ الشام فأخبر بانتشار الوباء، فأشار عليه صحبه بالعودة، وكان يهم بالعودة، فاعترض عليه أحدهم أتفرّ من قضاء اللَّه؟ قال: أفر بأمر اللَّه من قدر إلى آخر. فقال أحدهم سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه و آله قال:«إن ظهر الطاعون في منطقة ولم تكن فيها فلا تدخلها، وإن كنت هناك فلا تخرج منها»(حذراً من نقله إلى الآخرين)[1].
ويستفاد من هذا أنّ الإعتقاد بالقضاء والقدر لا يتنافى وقضية الإختيار والحرية والإرادة، وهنالك بون شاسع بين مسألة الجبر، وإن ذهب بعض المستشرقين إلى أنّ نتيجة الإعتقاد بالقضاء والقدر جبر آخر، فإنّما يعزى ذلك إلى عدم إدراكهم لمضمون المفاهيم الإسلامية فضلا عن عدم إمتلاكهم أهلية أصدار الأحكام بشأن بعض الأمور الحساسة. فقد قال «آلبرماله» في تاريخه:
لم يكن الإسلام أوائل عهده سوى الإيمان بالتوحيد والنبوة، وصرح المتكلمون لاحقاً أنّ اللَّه حدد مصير كل إنسان ولا تغيير في مشيئته، وهذا ما يصطلح عليه بالجبر[2].
وقال غوستاولبون: ما ورد في القرآن من آيات في القضاء والقدر ومذهب الجبر، والإنسان الذي يؤمن بالقدر كمن علق في الهواء لتبعث به الريح هنا وهناك؛ والإيمان بالقدر
[1]تاريخ الطبري، ج 4، ص 57 طبعة دار المعارف، شرح حوادث عام 17 ه؛ وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 8، ص 300.
[2]تاريخ آلبرماله، ج 3، ص 99.
يسلب الإنسان إرادته واختياره في العمل والقول والسكون والحركة فيفوض زمام أموره لقوة عنيفة، فمثل هذه الأمّة لا تستفيد من قدراتها الطبيعية وليس لديها من دافع للسعي والعمل، فهي تتجه من عالم الوجود إلى العدم»[1].
ولعل انتشار هذه التهم والإفتراءات والإستنتاجات الخاطئة في الأوساط الأوربية دفعت بالمرحوم السيد جمال الدين الأسد آبادي حين أقامته في باريس إلى تصنيف رسالة في الدفاع عن مسألة القضاء والقدر لينشرها في المجلة الأسبوعية «العروة الوثقى» حيث جاء فيها:
«فظنّ البعض من الأوربيين أنّ لا فرق بين القضاء والقدر والمذهب الجبر، والإنسان الذي يؤمن بالقدر لكن علق في الهواء لتبعث به الريح هنا وهناك؛ والإيمان بالقدر يسلب الإنسان إرادته واختياره في العمل والقول والسكون والحركة فيفوض زمام أموره لقوّة عنيفة، فمثل هذه الأمّة لا تستفيد من قدراتها الطبيعية وليس لديها من دافع للسعي والعمل، فهي تتجه من عالم الوجود إلى العدم»[2].
[1]حضارة العرب والمسلمين، ص 141.
[2]العروة الوثقى، ص 50 و 51.
15- مفهوم السمع والبصر بالنسبة للَّه
سؤال:
نقرأ في كتاب العقائد أنّ من صفات اللَّه السمع والبصر. وهنا يرد هذا السؤال كيف يمكن وصف اللَّه بهاتين الصفتين والحال حقيقة البصر تتمثل في انعكاس صور الأشياء في الشبكية بواسطة بؤبؤ العين فترسل أعصاب الباصرة هذه الإيعازات إلى الدماغ، كما أنّ حقيقة السمع تكمن في وصول الأمواج الصوتية إلى الأذن التي تضم بعض الأعصاب والعظام وتوعز من هنالك إلى الدماغ، فكيف يوصف اللَّه بهاتين الصفتين وهو متنزه عن ذلك؟
الجواب:
إنّ الباصرة والسامعة لدى الإنسان كما مر آنفا، لكن المراد من نعت اللَّه بتلك الصفتين أنّ جميع المرئيات والمسموعات حاضرة عنده، ولا يغفلها قط، وبعبارة أخرى، أنّ كل ما يراه الآخرون بعيونهم ويسمعونه بآذانهم إنّما يحصل للَّهبعلمه المطلق اللامتناهي. ومن هنا فإنّ علماء العقائد والمذهب إنّما ينسبون حقيقة هاتين الصفتين إلى علم اللَّه اللامتناهي فيقولون:
إنّ النتيجة التي يحصل عليها الإنسان البصير والسميع- بعد سلسلة من الفعاليات التي تقوم
بها أعضاء الباصرة والسامعة- هي الوقوف على المرئيات والمسموعات، ولو كان هناك وجود كاللَّه تعالى يمكنه الوقوف بصورة أكمل على المرئيات والمسموعات دون الأعضاء والفعاليات الفيزيائية لصح نعته بأنه بصير وسميع. كما يطلق السميع والبصير من الأولى على الفرد الذي يستطيع إدراك المرئيات والمسموعات- دون الحاجة إلى المقدّمات المذكورة- ذلك لأنّ حقيقة السمع والبصر لدى الإنسان هي إدراك المسموعات والمرئيات.
ولما كان الإنسان بطبيعته المادية يتعذر عليه القيام بعمل دون الإستعانة بالوسائل المادية، فلا مناص له من بلوغ النتيجة المطلوبة التي تتمثل في الوقوف على المرئيات والمسموعات بواسطة الأعضاء والأدوات المادية، إلّاأنّ اللَّه أسمى من المادة ولا يحتاج إلى شيء في الإدراك، والعالم بما فيه حاضر لديه، فهو السميع والبصير دون أيّة مقدمة؛ فجميع المرئيات والمسموعات حاضرة عنده وعلمه محيط بها.
16- سر خلق الإنسان
سؤال:
عادة ما يتساءل أغلب الناس ولا سيما شريحة الشباب: ما سر خلق الإنسان وما الهدف من خلقه؟ وكان هذا السؤال يعشعش في نفوس أغلبية هذا الجيل فيدفعهم للبحث عن الجواب الشافي وكأنّ الأفكار التي تساور أذهانهم: أنّ اللَّه غني ولا متناهٍ ولا يحتاج إلى شيء حتى خلق موجوداً آخر، فلماذا خلق الإنسان وما حاجته لخلقه؟
فإنّ قيل ليس هنالك هدف من خلق الإنسان فلابدّ من الاعتراف في هذه الحالة بأنّ خلقه كان عبثاً وتعالى اللَّه عن ذلك علواً كبيراً، وإن قيل بأنّ اللَّه خلق الإنسان لهدف فيلزم من ذلك أنّ اللَّه خلق الخلق لرفع حاجة، في حين أنّ اللَّه منزّه عن كل حاجة!
الجواب:
لابدّ من الإشارة إلى موضوعين مهمّين بغية الوقوف على الجواب الشافي لهذا السؤال:
1- لابدّ من الإلتفات بادئ الأمر إلى أنّ هذا السؤال يطرح بصيغة عقدة مستعصية حين نحصر دائرة الوجود بعالم المادة ونقتصر بالوجود على الأنظمة المادية والظواهر الطبيعية ونرى الموت نهاية الحياة ولا نقرّ بعالم آخر يصطلح عليه بيوم القيامة. فالسؤال في هذه
الحالة يتحول إلى إشكال حيث يعمد المرء يسأل نفسه عن سر خلق الإنسان.
لماذا يفتح الإنسان عينيه في هذا العالم وتطوى صحيفة عمره بعد سنوات- غالباً ما يقضيها بالألم والحسرة والمرارة- ويغادر هذا العالم «من أين جاء ولماذا جاء؟» وماذا كان الهدف من تلك الحياة التي لم تدم سوى عدّة سنوات وما فلسفة هذه المدّة المؤقتة! ولماذا يطأ الإنسان هذا العالم! ثم تتوقف حركته بعد استهلاكه لمقدار من الماء والغذاء فيدفن تحت التراب ويتعفن ويتحول في نهاية المطاف إلى مجموعة عظام، وكأنّه لم يرد على هذا العالم ويعمر فيه! حقاً تبدو المدرسة المادية عاجزة إزاء هذه التساؤلات؛ ذلك لأنّها حصرت عالم الوجود بالمادة والظواهر المادية دون أن تؤمن باللَّه واليوم الآخر، وعلى هذا الأساس فهي لا ترى سوى هذه الجدران الأربعة لعالم المادة وكل ما يتحرك فيه، وبالتالي لا يسعها تقديم أي تفسير بهذا الشأن دون أن تخفي ذهولها ودهشتها لهول ما يحدث. إلّاأنّ هذه الأسئلة تبدو سهلة بالنسبة لأولئك الذين يعتبرون الحياة المادية منزلًا من منازل الحياة البشرية ويؤمنون بوجود عالم آخر وراء هذا العالم الذي يعتبر مقدمة إليه وأنّ الموت ليس نهاية الحياة، بل بوابة للعالم الأخر وقنطرة للفوز بالخلود، وأن تعذر عليهم إدراك هدف خلق الإنسان من خلال ملامحه في هذا العالم فسيبحثون قطعاً عن هدف خلقهم في العالم الآخر والحياة الأبدية ويقولون بأنّ الهدف من خلق الإنسان في هذا العالم، إعداده لحياة أبدية وخالدة والتي تمثل الهدف النهائي والغاية المطلوبة.
2- الموضوع الآخر الذي ينبغي الإلتفات اليه والذي يعد الخطوة الثانية لحل السؤال هو: أنّ كل إنسان عاقل إنّما يقوم بأي فعل بغية تحقيق هدف هو بحاجة إليه، ذلك لأنّ الإنسان كائن محتاج من رأسه حتى أخمص قدميه، وبالطبع فإنّه يقوم ببعض الأنشطة والأعمال ليسمو ويتكامل ويلبي حاجته، فمثلًا يتناول الطعام ويشرب الماء ويلبس الثياب ويتعلم ليلبي بعض حاجاته المادية والمعنوية. حتى أفعال البر والخير التي يمارسها من قبيل مساعدته للمحتاجين وتغطيته لنفقات أولاده بغية التعليم والتربية وبنائه للمدارس والمستشفيات، كل ذلك لسد حاجة يشعر بها في باطنه، وهو يفعل ذلك إمّا للحصول على
الأجر والثواب الدنيوي والآخروي الذي بشر به الأنبياء والرسل، أو لدفع ألم يشعر به أثر رؤيته لبعض الأوضاع المزرية التي يعاني منها الفقراء والمعدومون والتي يرق لها القلب، فهو ينفق بعض رأس ماله لإضفاء السكينة على وجدانه، أو يفعل ذلك للحصول على السمعة والشهرة التي يراها سبب تكامله.
وزبدة الكلام:إنّ الإنسان إنّما يقوم بأفعاله إمّا لحصول نفع أو دفع ضرر يشعر به في ترك العمل ويبحث عن منافعه وتكامله في كافّة هذه الأفعال إلى درجة أنّه يتعذر أن يقوم الإنسان بعمل من أجل ذات العمل دون أن يأخذ بنظر الاعتبار تكامله المادي والمعنوي[1].
والآن بعد أن وقفنا على دوافع الإنسان في أعماله واتضح حصول أعماله لتحقيق هدف، لن تكون نتيجته سوى تكامله الروحي والجسمي، لابدّ أن نسلط الضوء على هدف اللَّه من أفعاله. صحيح أنّ الذات الإلهيّة منزهة عن فعل اللغو والعبث وأنّها هادفة في أعمالها كافّة، وقد خلق اللَّه كل كائن لهدف، ولكن ينبغي معرفة الهدف من أفعال اللَّه وماذا يعني هذا الهدف. فقولنا إنّ خالق الكون إنّما خلق كل كائن فيه لهدف، لا بالمعنى الذي أوردناه بشأن أعمال الإنسان، بل هنالك بون شاسع بين هدف اللَّه وهدف الإنسان من الأعمال. وعلى ضوء الفارق بين اللَّه والإنسان في أنّ اللَّه غني وغير محتاج، والإنسان محتاج مطلق، يتبيّن أنّ الهدف من أفعال اللَّه معانٍ أخرى تقابل بالضبط ما ذكر بشأن هدف الإنسان. فلما كان الإنسان فقيراً ومحتاجاً ولا تتوقف حاجاته لخارج ذاته ولو للحظة، كان عليه أن يجد ويجتهد على الدوام لرفع حاجاته وبلوغ تكامله. ولكن حيث إنّ اللَّه وجود مطلق ولا متناهٍ فالفقر والحاجة ليس لها من سبيل إلى ذاته المقدّسة، ذلك لأنّها تنطوي على جميع
[1]نعم أولياء اللَّه يمكنهم التجرد من هذه الروح فيقومون بأفضل الأعمال لذاتها دون أدنى تفكير بمنافع العمل المادية والمعنوية. وما أكثر مثل هذه الأعمال التي يمكننا لمسها في حياة أولياء اللَّه ولا سيما حياة أميرالمؤمنين علي عليه السلام فهو الذي قال: اللهم اني لم أعبدك طمعا في جنتك ولا خوفاً من نارك، لكنّي وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك. فمثل هؤلاء الأولياء المولعون بالعبادة والذائبون في كمالات معبودهم، إنّما يغفلون عن أنفسهم حين العبادة، فيعبدوه لأنّه أهلًا للعبادة. ولعلنا نجد شبيه ذلك عاطفة الأم التي قد تبدو على درجة من السمو بحيث تلتصق ساعة الشدّة بولدها بما يجعلها غير آبهة بما يحدق بها من أخطار، ولذلك فهي تضحي بنفسها من أجل وليدها.
الكمالات. وعلى هذا الأساس ينبغي أن يكون هدفه من أفعاله «إيصال المنافع للآخرين».
وبعبارة أوضح:أنّ اللَّه وجود مطلق وغني وكامل من جميع الجهات وليس للنقص والحاجة من سبيل إلى ذاته المقدّسة، ومن جانب آخر نعلم أنّ أفعاله تستند إلى المصلحة والحكمة وذاته منزّهة عن فعل العبث، وعلى هذا الأساس نستنتج أنّ خلقه للإنسان لم يكن هدفه رفع حاجة عن نفسه، ومن المسلم به أنّ الأمر إنّما يعود إلى نفس الإنسان؛ والهدف إيصال هذا الإنسان إلى كماله المطلوب، دون أن يكون لهذا التكامل الذي يبلغه الإنسان أدنى انعكاس على ذاته المقدّسة.
التكامل في عالم الطبيعة:
إنّ مطالعة مجملة في عالم الخليقة توقفنا على حقيقة لالبس فيها، وهي: أنّ العالم بأسره مهد سمو وتكامل المخلوقات وإن تكامل كل مخلوق يتمّ بسبب تكامل مخلوق أسمى.
فمثلًا تشرق الشمس وتنشر حرارتها على سطح البحار والمحيطات فتبعث بمقدار من مياه البحار إلى الأعلى بهيئة بخار فإذا ارتفع ارتطم به الهواء والرياح ليسوقه إلى المناطق الجافة، ثم يتحول البخار بفعل سلسلة من العمليات الفيزيائية إلى قطرات مطر تتساقط على الأرض فتسبغ الحياة على سطح الأرض الهامدة فتهتز لتناغم السهول والصحارى فتنثر الزهور والسنابل وتفيض بالعيون والشلالات وتلبس حلتها الخضراء لتسحر بمناظرها الجميلة الخلابة أبصار الناظرين. ولعل مطالعة هذا الفصل من كتاب الوجود تعلم الإنسان أروع وأسمى درس في معرفة اللَّه، كما يرشده إلى سنة اللَّه الحكيمة ليرى بأم عينيه كل كائن ومخلوق من جماد ونبات وحيوان يحث الخطى نحو كماله بحيث تتجمد هذه الحركة التكاملية كل يوم وكل عام لتتحول من صور ناقصة إلى صور متكاملة. فالشجرة العملاقة لم تكن يوماً أكثر من خلية ثم قطعت مسيرة ضخمة لتتحول إلى ذلك الشكل. وكذلك الجنين في البيضة الذي شق طريقه في ظل تدبير اللَّه وحكمته ليبلغ تلك المرحلة المتكاملة. وكان