بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 74

نقول إن جميع موجودات هذا العالم وخواصها وآثارها تحتاج كل لحظة إلى‌ مبدى‌ء أزلي لتستطيع مواصلة بقائها؛ لأننا نعلم بأنّ وجود كل هذه الكائنات ليس من ذاتها؛ فكلها حادثة ومسبوقة بعدم. ونظام هذا العالم أيضاً يعتمد على علل طبيعية، لكن هذه العلل لابدّ أن تستبدل إلى‌ علة أزلية. أي أنّ نور الوجود لابدّ أن يصلها كل لحظة من ذلك المبدأ الأزلي، ولو قطع عنها لحظة لانعدمت. وهذا ما نعبر عنه بأنّ اللَّه في كل مكان ومع جميع الأشياء، وليس لهذه الأشياء من ديمومة لوجودها بدونه ولو للحظة. وعالم الوجود ليس عالماً أزلياً وأبدياً، بل عالم حادث يستند إلى‌ وجود أزلي وأبدي، وهذا الاستناد جزء من ذات هذا العالم على غرار استناد المصباح الكهربائي للتيار والذي يعتبر جزء ذاته.

والخطأ الوارد في قضية صناعة الساعة هو أنّ الصانع لم يصنع قط موادها الأصلية، بل رتبها بهذا الشكل، ولو كان صانعها الأصلي الذي أوجدها من العدم لزالت هذه المواد بزواله، وقس على ذلك البناء والمعمار فهما ليسا صانعي مواد البناء، وإلّا لزالت بزوالهما. ولو أردنا شرح الموضوع على أساس فلسفي لقلنا: إنّ العالم ممكن الوجود لا واجب الوجود؛ وعليه فممكن الوجود يحتاج إلى‌ واجب الوجود في حدوثه وبقائه، ولو استغني في بقائه لأصبح واجب الوجود، بينما يستحيل تبدل «ممكن الوجود» إلى‌ «واجب الوجود».


صفحه 75

این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة


صفحه 76

القسم الثاني: الأنبياء والأولياء


صفحه 77

1- كيف يتكيف القانون الإسلامي الثابت مع العالم المتطور؟

سؤال:

هنالك حركة تطور وإزدهار تعيشها المجتمعات، فكيف يمكن إدارة شؤون هذه المجتمعات المتغيرة بقوانين الإسلام الثابتة؟

الجواب:

يساور هذا السؤال ذهن كل فرد له أدنى‌ معرفة بالعلوم الاجتماعية ولمس عن قرب تغيير عادات وتقاليد وتقنية المجتمعات. وناهيك عن ذلك، فإنّ هذا السؤال من بين الأسئلة التي طرحت بشأن خاتمية النبوّة في الإسلام، وقد وردت أبحاث مسهبة بهذا الشأن من قبل العلماء الأعلام، كما تضمّنت المدرسة الإسلامية عدداً من هذه الأبحاث.[1]

ولعل هذا السؤال بعض الإيرادات التي أثارها بعض المسيحيين. فمثلًا البروفسور «جان الدر» أورد هذا السؤال في مقام إلتماسه العذر لعدم إتيان المسيح بالقوانين الاجتماعية للبشرية في مقدمة كتابه «تراث الكتاب المقدس» وقال: لا يمكن إدارة المجتمعات المتطورة بسلسلة من القوانين الأبدية، ومن هنا فوّض المسيح للمجتمعات سن‌

[1]راجع المجلة رقم 5 و 6 و 7 السنة الثانية و المجلة رقم 11 السنة السادسة.


صفحه 78

قوانينها لتكيفها مع عجلة الزمن.

وكأنّ هذا البروفسور «جان الدر» أراد أن يدافع عن نقص المسيحية الراهنة ويتعرض للإسلام الذي يتبنى القوانين والمقررات الاجتماعية. والحق أنّ أنصار المسيحية عجزوا عن تقديم تفسير منطقي لإفتقار المسيحية الراهنة لإطروحة جامعة للحياة. على كل حال ما ينبغي أن يقال في جواب هذا السؤال أنّ في الإسلام نوعان من القوانين:

1- قوانين ثابتة وعامة وبالتالي أبدية ودائمية وليس للتغيير من سبيل إليها.

2- قوانين متحركة ومتطورة تتماشى وتغير الظروف والمقتضيات، والمهم بيان ملاك القوانين الثابتة والمتغيرة وتمييزهما عن بعضهما.

التوضيح:أن القوانين الثابتة والتي تأبى التغيير وقد نصت عليها المصادر الفقهية الإسلامية إنّما تتعلق بذلك القسم من القضايا الأخلاقية والشؤون الاجتماعية والحقوق المدنية والجزائية التي تستند إلى‌ الاصول الفطرية والغرائزية الإنسانية الثابتة والتي تشترك فيها كافّة المجتمعات البشرية- أمّا تلك السلسلة من المقررات المرتبطة بالشرائط الزمانية والمكانية الخاصة والنسبية في المجتمعات، فقد تكفّلت القوانين الإسلامية بطرح المبادئ الكلية، والتي يتمّ تعيين جزئياتها من قبل المعنيين المسلمين على ضوء حاجة المجتمعات والأمم. ولتوضيح نماذج هاتين الحالتين وبيان ملاك القوانين الثابتة والمقررات المتغيرة، لابدّ من الإلتفات إلى‌ الآتي:

إنّ لكل إنسان- بغض النظر عن الظروف الزمانية والمكانية المختلفة- غرائز ومتطلبات تعكس وتبيّن وجوده وتميزه عن الحيوانات، وهذه الغرائز- والتي يصطلح عليها بالأمور الفطرية- تشكل جزءاً من حقيقة وجوده والتي لا يعتريها التغيير بفعل الزمان. فمثلًا الإنسان موجود اجتماعي خلق لأن يعيش بصورة جماعية. كما يحتاج في حياته إلى‌ تشكيل أُسرة ويتعذر عليه دون هذا المجتمع المصغر ممارسة حياته. وبناءً على هذا فإنّ المبدأين؛ أي حياة الإنسان في ظل هذا المجتمع «الكبير» و «الصغير» تشكلان جزء حقيقته الوجودية ولا تنفصلان عنه قط؛ وعلى هذا لابدّ من ثبات القوانين المتعلقة بإقرارالنظم وبسط العدالة


صفحه 79

الاجتماعية والعلاقات الحقوقية للأفراد ووظائف الزوج والزوجة إزاء بعضهما؛ ذلك لأنّ قضية «اجتماعية» الإنسان لن تتأثر بفعل التطورات التي تجتاح حياة المجتمعات البشرية؛ وعليه فالقوانين التي تتعامل مع مسألة اجتماعية تأبى التغيير بأي شكل من الأشكال. إلى‌ جانب ذلك فإنّ حياة الإنسان قائمة على أساس قانون التكامل خلافاً لسائر الكائنات والأحياء التي تعيش بصورة جماعية كالنحل والنمل، ومن هنا فإنّ القوانين المتعلقة بأصول تكامل المجتمع لابدّ أن تكون ثابتة ولا تعرف من معنى للتغيير.

والعلاقة القائمة بين الوالدين والأطفال علاقة فطرية وطبيعية، فالقوانين التي تسن بهذا الخصوص- كالإرث والتربية- لابدّ أن تكون ثابتة وأبدية. وهنالك العديد من هذه النماذج التي تدل على أنّ الفطرة والغرائز المتأصلة لدى الإنسان تشكل محور القوانين الإسلامية، صحيح أنّ صورة المجتمع تشهد تغيّراً كل عصر، لكن إنسان القرن العشرين هو نفسه إنسان القرن العاشر من حيث الفطرة والغريزة والدوافع الطبيعية الثابتة، وأنّ غرائزه وخصائصه الوجودية تأبى التبدل والتغيير. وعلى هذا الأساس وضع الإسلام مقرراته الثابتة في هذه المجالات من قبيل حقوق أبناء المجتمع وعلاقاتهم الاجتماعية والروابط الأُسرية والزواج والتجارة والأمور المالية. وبغض النظر عن ذلك فإنّ هنالك سلسلة من المصالح والمفاسد الفردية والاجتماعية الثابتة التي لا يعتريها التغيير مع مرور الزمان، فلابدّ لهذه الأمور من قوانين ثابتة؛ على سبيل المثال أنّ الكذب والخيانة والتحلل والتفسخ الأخلاقي سيئة على الدوام مميتة لروح المجتمع.

ومن هنا فإنّ حرمتها أن تكون أبدية ودائمية، ذلك لأنّ المجتمع قد يعيش حالة من الرقي والتطور إلّاأنّ أضرار هذه الأفعال لا تتبدل؛ كما أنّ القوانين ذات الصلة بتهذيب النفس والفضائل الأخلاقية والملكات النفسية كالقيام بالتكليف والحس الإنساني ورعاية العدل ومئات الخصال ينبغي أن تكون أبدية ودائمية وليس للتغيير والتبدل من سبيل إليها.

وعليه فإنّ القوانين الواردة بشأن هذه المسائل وأمثالها والتي سنّت قبل ألف واربعمئة سنة على ضوء الفطرة والغرائز البشرية بالاستناد إلى‌ واقعية خاصة ترتكز على معرفة حقيقة


صفحه 80

الإنسان وتقييم غرائزه سوف تتمكن من إدارة المجتمع الراهن والمجتمعات القادمة على أحسن ما يرام. هذا بشأن القوانين الثابتة.

إضافة إلى‌ الغرائز الثابتة والمتجذرة لدى الإنسان هنالك بعض الأمور التي تتأثر بالظروف الزمانية والمكانية وتتغير تبعاً لتغيرها. وعليه فلابدّ أن تكون المقررات ذات الصلة بهذه الأمور متغيّرة؛ وعلى هذا الأساس فإنّ الإسلام لم يضع أحكاماً معينة لهذا النوع من المواضيع، فهي متكيفة والظروف المستجدة. طبعا تغير هذه المواضيع وتبدلها لا يعني عدم شمولها بأي قانون، بل لابدّ من استخراج هذا القسم من المقررات من خلال سلسلة من المبادئ الكلية. ونستعين ببعض الأمثلة لتوضيح حقيقة الموضوع:

مثلًا لا يمكن للحكومة الإسلامية أن تتخذ موقفاً معيناً في ارسائها لعلاقاتها مع البلدان الخارجية، فقد تتطلب الظروف أحياناً التعامل والانطلاق من الصداقة والود وإشاعة أواصر الصداقة وتعزيز العلاقات التجارية، بينما تقتضي بعض الظروف حالة من التشدد بما في ذلك قطع العلاقات وايقاف التبادلات التجارية وتعليقها لمدّة من الوقت، ولعل أبرز مصداق لذلك قضية تحريم التنباك التي لجأ إليها أحد كبار المراجع إزاء دولة استعمارية محتكرة.

كما ليس للإسلام من أحكام خاصة بشأن المسائل الدفاعية ونوع الأسلحة الحربية وكيفية التعامل مع استقلال البلاد وسيادتها والحيلولة دون طمع الأعداء فيها: بل لابدّ أن تتعامل الحكومة الإسلامية مع بعض المقررات والأحكام على ضوء الأوضاع والظروف القائمة وتتخذ كل ما من شأنه ضمان مفاهيم الإسلام.

وعلى هذا الأساس فإنّ الإسلام وضع أصلًا كلياً بشأن تقوية البنيّة الدفاعية دون الخوض في نوع الأسلحة والتكتيك فقال:«وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ...»[1]. وقوله في ذيل الآية من ضرورة أعداد القوّة يهدف إلى‌ بيان المصداق السائد آنذاك، وذلك لأنّ أقوى وسيلة آنذاك كانت الخيول. كما لم يضع مقررات بشأن القضايا المرتبطة بالثقافة

[1]سورة الأنفال، الآية 60.


صفحه 81

وتطوير العلوم وكيفية حفظ الأمن القومي وبسط الإستقرار و ... وأوكل ذلك إلى‌ الحكومة الإسلامية. فقد اكتفى الإسلام بالحث على تعلم العلوم النافعة وطالب بتنمية الثقافة الإسلامية والإنسانية، ذلك لأنّ وسائل طلب العلم وكيفية النهوض به متغيرة على ضوء الظروف الزمانية والمكانية وتطور الأوضاع. وهنا لابدّ من الإلتفات إلى‌ أنّ تشخيص الأحكام الثابتة من المتغيرة من اختصاص مراجع الدين، ولا يمكن لأي‌شخص ابداء وجهة نظره بهذه الأمور دون الرجوع إلى‌ العلماء الأعلام.