بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 77

1- كيف يتكيف القانون الإسلامي الثابت مع العالم المتطور؟

سؤال:

هنالك حركة تطور وإزدهار تعيشها المجتمعات، فكيف يمكن إدارة شؤون هذه المجتمعات المتغيرة بقوانين الإسلام الثابتة؟

الجواب:

يساور هذا السؤال ذهن كل فرد له أدنى‌ معرفة بالعلوم الاجتماعية ولمس عن قرب تغيير عادات وتقاليد وتقنية المجتمعات. وناهيك عن ذلك، فإنّ هذا السؤال من بين الأسئلة التي طرحت بشأن خاتمية النبوّة في الإسلام، وقد وردت أبحاث مسهبة بهذا الشأن من قبل العلماء الأعلام، كما تضمّنت المدرسة الإسلامية عدداً من هذه الأبحاث.[1]

ولعل هذا السؤال بعض الإيرادات التي أثارها بعض المسيحيين. فمثلًا البروفسور «جان الدر» أورد هذا السؤال في مقام إلتماسه العذر لعدم إتيان المسيح بالقوانين الاجتماعية للبشرية في مقدمة كتابه «تراث الكتاب المقدس» وقال: لا يمكن إدارة المجتمعات المتطورة بسلسلة من القوانين الأبدية، ومن هنا فوّض المسيح للمجتمعات سن‌

[1]راجع المجلة رقم 5 و 6 و 7 السنة الثانية و المجلة رقم 11 السنة السادسة.


صفحه 78

قوانينها لتكيفها مع عجلة الزمن.

وكأنّ هذا البروفسور «جان الدر» أراد أن يدافع عن نقص المسيحية الراهنة ويتعرض للإسلام الذي يتبنى القوانين والمقررات الاجتماعية. والحق أنّ أنصار المسيحية عجزوا عن تقديم تفسير منطقي لإفتقار المسيحية الراهنة لإطروحة جامعة للحياة. على كل حال ما ينبغي أن يقال في جواب هذا السؤال أنّ في الإسلام نوعان من القوانين:

1- قوانين ثابتة وعامة وبالتالي أبدية ودائمية وليس للتغيير من سبيل إليها.

2- قوانين متحركة ومتطورة تتماشى وتغير الظروف والمقتضيات، والمهم بيان ملاك القوانين الثابتة والمتغيرة وتمييزهما عن بعضهما.

التوضيح:أن القوانين الثابتة والتي تأبى التغيير وقد نصت عليها المصادر الفقهية الإسلامية إنّما تتعلق بذلك القسم من القضايا الأخلاقية والشؤون الاجتماعية والحقوق المدنية والجزائية التي تستند إلى‌ الاصول الفطرية والغرائزية الإنسانية الثابتة والتي تشترك فيها كافّة المجتمعات البشرية- أمّا تلك السلسلة من المقررات المرتبطة بالشرائط الزمانية والمكانية الخاصة والنسبية في المجتمعات، فقد تكفّلت القوانين الإسلامية بطرح المبادئ الكلية، والتي يتمّ تعيين جزئياتها من قبل المعنيين المسلمين على ضوء حاجة المجتمعات والأمم. ولتوضيح نماذج هاتين الحالتين وبيان ملاك القوانين الثابتة والمقررات المتغيرة، لابدّ من الإلتفات إلى‌ الآتي:

إنّ لكل إنسان- بغض النظر عن الظروف الزمانية والمكانية المختلفة- غرائز ومتطلبات تعكس وتبيّن وجوده وتميزه عن الحيوانات، وهذه الغرائز- والتي يصطلح عليها بالأمور الفطرية- تشكل جزءاً من حقيقة وجوده والتي لا يعتريها التغيير بفعل الزمان. فمثلًا الإنسان موجود اجتماعي خلق لأن يعيش بصورة جماعية. كما يحتاج في حياته إلى‌ تشكيل أُسرة ويتعذر عليه دون هذا المجتمع المصغر ممارسة حياته. وبناءً على هذا فإنّ المبدأين؛ أي حياة الإنسان في ظل هذا المجتمع «الكبير» و «الصغير» تشكلان جزء حقيقته الوجودية ولا تنفصلان عنه قط؛ وعلى هذا لابدّ من ثبات القوانين المتعلقة بإقرارالنظم وبسط العدالة


صفحه 79

الاجتماعية والعلاقات الحقوقية للأفراد ووظائف الزوج والزوجة إزاء بعضهما؛ ذلك لأنّ قضية «اجتماعية» الإنسان لن تتأثر بفعل التطورات التي تجتاح حياة المجتمعات البشرية؛ وعليه فالقوانين التي تتعامل مع مسألة اجتماعية تأبى التغيير بأي شكل من الأشكال. إلى‌ جانب ذلك فإنّ حياة الإنسان قائمة على أساس قانون التكامل خلافاً لسائر الكائنات والأحياء التي تعيش بصورة جماعية كالنحل والنمل، ومن هنا فإنّ القوانين المتعلقة بأصول تكامل المجتمع لابدّ أن تكون ثابتة ولا تعرف من معنى للتغيير.

والعلاقة القائمة بين الوالدين والأطفال علاقة فطرية وطبيعية، فالقوانين التي تسن بهذا الخصوص- كالإرث والتربية- لابدّ أن تكون ثابتة وأبدية. وهنالك العديد من هذه النماذج التي تدل على أنّ الفطرة والغرائز المتأصلة لدى الإنسان تشكل محور القوانين الإسلامية، صحيح أنّ صورة المجتمع تشهد تغيّراً كل عصر، لكن إنسان القرن العشرين هو نفسه إنسان القرن العاشر من حيث الفطرة والغريزة والدوافع الطبيعية الثابتة، وأنّ غرائزه وخصائصه الوجودية تأبى التبدل والتغيير. وعلى هذا الأساس وضع الإسلام مقرراته الثابتة في هذه المجالات من قبيل حقوق أبناء المجتمع وعلاقاتهم الاجتماعية والروابط الأُسرية والزواج والتجارة والأمور المالية. وبغض النظر عن ذلك فإنّ هنالك سلسلة من المصالح والمفاسد الفردية والاجتماعية الثابتة التي لا يعتريها التغيير مع مرور الزمان، فلابدّ لهذه الأمور من قوانين ثابتة؛ على سبيل المثال أنّ الكذب والخيانة والتحلل والتفسخ الأخلاقي سيئة على الدوام مميتة لروح المجتمع.

ومن هنا فإنّ حرمتها أن تكون أبدية ودائمية، ذلك لأنّ المجتمع قد يعيش حالة من الرقي والتطور إلّاأنّ أضرار هذه الأفعال لا تتبدل؛ كما أنّ القوانين ذات الصلة بتهذيب النفس والفضائل الأخلاقية والملكات النفسية كالقيام بالتكليف والحس الإنساني ورعاية العدل ومئات الخصال ينبغي أن تكون أبدية ودائمية وليس للتغيير والتبدل من سبيل إليها.

وعليه فإنّ القوانين الواردة بشأن هذه المسائل وأمثالها والتي سنّت قبل ألف واربعمئة سنة على ضوء الفطرة والغرائز البشرية بالاستناد إلى‌ واقعية خاصة ترتكز على معرفة حقيقة


صفحه 80

الإنسان وتقييم غرائزه سوف تتمكن من إدارة المجتمع الراهن والمجتمعات القادمة على أحسن ما يرام. هذا بشأن القوانين الثابتة.

إضافة إلى‌ الغرائز الثابتة والمتجذرة لدى الإنسان هنالك بعض الأمور التي تتأثر بالظروف الزمانية والمكانية وتتغير تبعاً لتغيرها. وعليه فلابدّ أن تكون المقررات ذات الصلة بهذه الأمور متغيّرة؛ وعلى هذا الأساس فإنّ الإسلام لم يضع أحكاماً معينة لهذا النوع من المواضيع، فهي متكيفة والظروف المستجدة. طبعا تغير هذه المواضيع وتبدلها لا يعني عدم شمولها بأي قانون، بل لابدّ من استخراج هذا القسم من المقررات من خلال سلسلة من المبادئ الكلية. ونستعين ببعض الأمثلة لتوضيح حقيقة الموضوع:

مثلًا لا يمكن للحكومة الإسلامية أن تتخذ موقفاً معيناً في ارسائها لعلاقاتها مع البلدان الخارجية، فقد تتطلب الظروف أحياناً التعامل والانطلاق من الصداقة والود وإشاعة أواصر الصداقة وتعزيز العلاقات التجارية، بينما تقتضي بعض الظروف حالة من التشدد بما في ذلك قطع العلاقات وايقاف التبادلات التجارية وتعليقها لمدّة من الوقت، ولعل أبرز مصداق لذلك قضية تحريم التنباك التي لجأ إليها أحد كبار المراجع إزاء دولة استعمارية محتكرة.

كما ليس للإسلام من أحكام خاصة بشأن المسائل الدفاعية ونوع الأسلحة الحربية وكيفية التعامل مع استقلال البلاد وسيادتها والحيلولة دون طمع الأعداء فيها: بل لابدّ أن تتعامل الحكومة الإسلامية مع بعض المقررات والأحكام على ضوء الأوضاع والظروف القائمة وتتخذ كل ما من شأنه ضمان مفاهيم الإسلام.

وعلى هذا الأساس فإنّ الإسلام وضع أصلًا كلياً بشأن تقوية البنيّة الدفاعية دون الخوض في نوع الأسلحة والتكتيك فقال:«وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ...»[1]. وقوله في ذيل الآية من ضرورة أعداد القوّة يهدف إلى‌ بيان المصداق السائد آنذاك، وذلك لأنّ أقوى وسيلة آنذاك كانت الخيول. كما لم يضع مقررات بشأن القضايا المرتبطة بالثقافة

[1]سورة الأنفال، الآية 60.


صفحه 81

وتطوير العلوم وكيفية حفظ الأمن القومي وبسط الإستقرار و ... وأوكل ذلك إلى‌ الحكومة الإسلامية. فقد اكتفى الإسلام بالحث على تعلم العلوم النافعة وطالب بتنمية الثقافة الإسلامية والإنسانية، ذلك لأنّ وسائل طلب العلم وكيفية النهوض به متغيرة على ضوء الظروف الزمانية والمكانية وتطور الأوضاع. وهنا لابدّ من الإلتفات إلى‌ أنّ تشخيص الأحكام الثابتة من المتغيرة من اختصاص مراجع الدين، ولا يمكن لأي‌شخص ابداء وجهة نظره بهذه الأمور دون الرجوع إلى‌ العلماء الأعلام.


صفحه 82

این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة


صفحه 83

2- القرآن وختم النبوة

كيف يشهد القرآن على ختم النبوّة بنبي الإسلام؟

سؤال:

يسأل أغلب الأفراد أنّ مسلمي العالم يجمعون على أساس كتابهم السماوي على أنّ النبي الأكرم صلى الله عليه و آله هو خاتم الأنبياء وآخر السفراء الذين بعثوا لهداية البشر، وان دينه وكتابه و قرآنه هو آخر الأديان والكتب السماوية. نرجو أن تبيّن لنا أين صرح القرآن بختم النبوّة بغية غلق الباب على الشكوك التي ربّما تساور أذهان الأفراد المغرضين.

الجواب:

لابدّ من الإلتفات بادئ ذي بدء إلى‌ أنّ الشرائع السماوية وإن بدت للوهلة الأولى كشرائع مختلفة فيتصور الإنسان أنّ أدياناً متعددة عرضت على البشرية وأنّها منفصلة عن بعضها البعض الآخر ولا تشترك في بعض المبادئ والأصول؛ إلّاأنّ حقيقة الأمر خلاف ذلك؛ فالواقع هنالك وحدة في شريعة نبي اللَّه نوح عليه السلام.[1]مع الشريعة التي نادى بها خاتم‌

[1]قد يشق على البعض أنّ أولى الشرائع السماوية حمل لواءها نبي اللَّه نوح عليه السلام ويتساءلون كيف يكون نبي اللَّه‌نوح عليه السلام حامل أول شريعة سماوية وقد سبقه الكثير من الأنبياء الذين بعثوا لهداية البشر. ولعل الأمر يبدو واضحاً بأنّ من سبقه من الأنبياء لم تكن له شريعة؛ فالمقصود من الشريعة مجموعة القوانين الفردية والأجتماعية التي تسوق الإنسان إلى‌ التكامل المادي والمعنوي. وانزال الشريعة يتطلب حالة من الإستعداد لدى البشر بغية إدراك مفاهيم الدين وتطبيق تعاليمه، وما لم يتوفر ذلك فإنّ بعث الشريعة سيكون ضرباً من اللغو والعبث. ومن هنا لم تكن أغلب أهداف الأنبياء قبل نوح تتبنى أكثر من الدعوة إلى‌ الأمور الفطرية التي يدركها كل إنسان مهما كان بسيطاً، فضعف الإستعداد البشري وانعدام الحياة الاجتماعية جعل الأنبياء لا يحملون شريعة معينة تتضمن بعض القوانين والمفاهيم، فأقتصرت دعوتهم على العبودية والتوحيد والتحلي بمكارم الأخلاق والابتعاد عن الظلم والجور و ... وهي الأمور التي تحاكي الفطرة ويسهل إدراكها.


صفحه 84

الأنبياء، كما أنّ هنالك الكثير من جهات الشبه بينهما، وبالتالي جعلت جميع الشرائع بمثابة شريعة واحدة مرتبطة مع بعضها تكاملت بمرور الزمان وتكاملت المجتمعات لتعرض في نهاية المطاف على البشرية بصيغة دين جامع يغني البشرية عن أي تشريع وتقنين. ومن هنا أعلن القرآن الكريم منذ اليوم الأول أن ليس هنالك أكثر من دين شرّع للبشرية، هوالدين الإسلامي‌[1]. وسوف لن يقبل من أي إنسان تبعيته لغير هذا الدين‌[2].

كما فند القرآن الكريم أفكار تلك الطائفة التي نسبت إبراهيم بطل التوحيد إلى‌ اليهودية أو النصرانية وصرّح بأنّه كان مسلماً[3].

وبناءً على هذا فالشرايع السماوية في الحقيقة شريعة واحدة وقد تكاملت أثر تكامل المجتمعات البشرية وظهور المتطلبات العصرية، لتتبلور في خاتمة المطاف بتلك الشريعة التي بعث بها خاتم الأنبياء، والواقع نستطيع أن نشبه هذه الشرايع بالصفوف التي تبدأ بالمدرسة الابتدائية وتنتهي بدراسة الدكتوراه.

أدلّة ختم النبوة:

تعتبر مسألة خاتمية النبي الأكرم صلى الله عليه و آله للأديان من وجهة نظر علماء المسلمين من‌

[1]«إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسلام» (سورة آل عمران، الآية 19).

[2]«وَمَنْ يَبْتَغِ غَيرَ الإِسلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ» (سورة آل عمران، الآية 85).

[3]«ما كَانَ إِبراهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصرانِيّاً وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفَاً مُسْلِماً وَما كَانَ مِنَ المُشرِكِينَ» (سورة آل‌عمران، الآية 67). والمراد من الإسلام في هذه الآيات التسليم لإرادة اللَّه بحيث لا يرى لنفسه من ولي غير اللَّه.